اخر الاخبار

صندوق النقد يحدد 3 مسارات لتحقيق التنويع الاقتصادي في الجزائر

تسعى الجزائر إلى تسريع تنويع اقتصادها وتقليص اعتماده على النفط والغاز، من خلال توسيع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية وتعزيز الصادرات غير الهيدروكربونية، غير أن تحقيق هذا التحول على نحو مستدام يظل رهناً بقدرة البلاد على تطوير القطاع الخاص، وتحسين كفاءة الإنفاق الاستثماري، وتعزيز متانة المالية العامة.

في تقييمه للاقتصاد الجزائري، حدّد صندوق النقد الدولي، ثلاثة مسارات رئيسية لدعم هذا التحول، تتمثل في تحسين توجيه الاستثمارات العامة نحو المشروعات الأعلى مردودية، وتوسيع الفرص أمام القطاع الخاص لزيادة الإنتاج والصادرات، إلى جانب ضبط المالية العامة وإعادة بناء الاحتياطيات الوقائية لمواجهة تقلبات إيرادات المحروقات.

جاء ذلك في مقال نشره الصندوق لهاريس تسانغاريديس، رئيس بعثة الصندوق إلى الجزائر، ورئيس قسم في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، والخبيرين الاقتصاديين فرانسوا بانشو وفيرونيك سالان.

تأتي أهمية التنويع بينما تحتل الجزائر صدارة مصدّري الطاقة في أفريقيا، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بأسواق الطاقة الأوروبية بحسب الصندوق.

استثمارات أكثر كفاءة

يرى الصندوق أن المشروعات الاستثمارية الكبرى التي تراهن عليها السلطات الجزائرية في قطاعات التعدين والأمن الغذائي والمائي والبنية التحتية للنقل والتجارة، يمكن أن توسع الطاقة الإنتاجية وتحسن الترابط الاقتصادي، لكنها تتطلب تمويلاً كبيراً وتخطيطاً دقيقاً لضمان تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

اقرأ أيضاً: صندوق النقد يتوقع تراجعاً حاداً لاحتياطات الجزائر وسط اعتماد كبير على البنك المركزي

وأشار إلى أن التوسع الاستثماري خلال السنوات الأخيرة أدى إلى زيادة الطلب على الواردات، ورفع الضغوط على المالية العامة والقطاع الخارجي، ما يجعل ترتيب أولويات المشروعات وتحسين كفاءة تنفيذها أمراً أساسياً. وشدد على أن “الاستفادة الكاملة من استثمارات اليوم تتوقف على مدى قدرتها على رفع الإنتاجية، وخلق فرص العمل، والمساعدة في بناء قطاع خاص أكثر ديناميكية”.

وفي إطار تسهيل الاستثمار، تعتزم الجزائر تفعيل الشباك الوحيد الوطني للاستثمار اعتباراً من الأول من يناير 2027، ليتولى معالجة الإجراءات والتراخيص المرتبطة بالمشروعات، إلى جانب ملفات العقار الاقتصادي ومتابعة تنفيذ الاستثمارات. وتستهدف الخطوة تقليص تعدد الجهات الإدارية التي يتعامل معها المستثمر وتسريع إنجاز المشروعات، فيما تشير السلطات إلى تسجيل نحو 13 ألف مشروع استثماري. 

قطاع خاص أكثر تنافسية

يتمثل المسار الثاني في توسيع دور القطاع الخاص، باعتباره رافعةً أساسية لتنويع مصادر النمو والصادرات، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها الأسواق العالمية باتجاه المنتجات والأنشطة الأقل كثافة كربونية.

وفي هذا السياق، دعا الصندوق إلى تحسين بيئة الأعمال وتوفير قواعد أكثر قابلية للتنبؤ، وضمان تكافؤ الفرص التنافسية بين الشركات الخاصة والمؤسسات الحكومية الاقتصادية، إلى جانب تسهيل حصول الشركات على التمويل وتطوير المهارات وتعزيز قدرتها على اعتماد التكنولوجيات الجديدة.

اقرأ أيضاً: التجارة بين المغرب والجزائر تتراجع 89% في خمس سنوات

وتبرز صناعة السيارات كأحد المجالات التي تراهن عليها الجزائر لتوسيع الإنتاج المحلي، إذ تستهدف تصنيع سيارة بمكونات جزائرية بحلول نهاية 2028، بالتعاون مع شركاء ألمان وإيطاليين، وفق ما أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون أكتوبر الماضي.

وتشمل الخطة رفع الإدماج المحلي ليغطي مكونات أساسية مثل المحرك وعلبة السرعة والعجلات، في مسعى يتجاوز عمليات التجميع إلى تطوير قاعدة صناعية محلية.

يعتبر الصندوق أن مواصلة دعم ريادة الأعمال وتسهيل توسع المؤسسات الناشئة يمكن أن يساهما في بناء قاعدة أوسع من الشركات القادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، بما يساعد على تقليص تركّز الصادرات الجزائرية في المحروقات وعدد محدود من المنتجات الأخرى.

ضبط المالية العامة

أما المسار الثالث، فيتعلق بتعزيز استدامة المالية العامة وتكوين احتياطيات مالية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، في ظل استمرار ارتباط الإيرادات الحكومية بتقلبات أسعار النفط والغاز.

وحذّر الصندوق من أن استمرار العجوزات المالية الكبيرة وضغوط التمويل قد يحد من قدرة السلطات على مواصلة برنامجها الاستثماري على المدى المتوسط، داعياً إلى ضبط تدريجي للإنفاق العام، بالتوازي مع توسيع الإيرادات الضريبية خارج قطاع المحروقات وتحسين كفاءة النفقات.

اقرأ أيضاً: تبون يرسم ملامح الاقتصاد: سيارة جزائرية في 2028 وصادرات أعلى

يأتي ذلك في وقت تخطط البلاد بالفعل إلى زيادة احتياطيات النقد الأجنبي، إذ أشار الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي لدى البلاد ستكون أكثر من 29 مليار دولار بحلول 2031. وكان الصندوق قد توقع هبوط احتياطيات الجزائر دون 20 مليار دولار بحلول 2031، من مستوياتها البالغة 51 مليار دولار في 2025.

في سياق متصل، أوصى المقال باستغلال ارتفاع إيرادات الطاقة في المرحلة الحالية لإعادة بناء الاحتياطيات الوقائية، واعتماد آليات أكثر قابلية للتنبؤ في ادخار الإيرادات الاستثنائية، بما يسمح بالحفاظ على الاستثمار الحكومي عندما تتراجع أسعار المحروقات، مع حماية الأسر الهشة وضمان استمرار الإنفاق على المشروعات ذات الأولوية.

وخلص الصندوق إلى أن الجزائر تمتلك مقومات مهمة لتسريع التحول الاقتصادي، تشمل مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي وروابطها مع الأسواق الأفريقية والأوروبية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو مستدام يتطلب الانتقال من الاعتماد على الاستثمار الحكومي إلى نموذج يمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في الإنتاج والتشغيل والتصدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *