بين فضل شاكر ومترو الرياض.. كيف يبدو اقتصاد السعودية غير النفطي؟

على مدى ليلتين هذا الأسبوع، امتلأ مسرح أبو بكر سالم في الرياض، الذي يستوعب نحو 6 آلاف شخص، بجمهور جاء لمشاهدة عودة النجم اللبناني فضل شاكر إلى الحفلات بعد غياب دام سنوات.
نفدت تذاكر الليلة الأولى سريعاً، فأضاف المنظمون ليلة ثانية، بينما كانت حركة الطيران عبر مطار الملك خالد الدولي لا تزال متوقفة بعد تعرضه للاستهداف من قِبل جماعة الحوثي اليمنية الموالية لإيران، قبل أن يعلن المطار استئناف عملياته جزئياً يوم الأحد.
“الوضع الصعب اختصاصنا”، يمزح الكوميدي اللبناني جون أشقر على المسرح، في إشارة إلى قراره عدم إلغاء عرضه في الرياض. في حين أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، تفاصيل نزالات “المكسيك ضد العالم” المقررة في 31 أكتوبر ضمن فعاليات “موسم الرياض”، بالتزامن مع وصول عدد من أبرز الملاكمين المشاركين إلى المملكة.
لا تلغي هذه المشاهد الكلفة البشرية لاستهداف المطار أو تداعياته الاقتصادية، لكنها تسلط الضوء على جانب أقل حضوراً في النقاش الدائر حول الاقتصاد السعودي منذ اندلاع الحرب، ولا سيما مع التصعيد العسكري الأخير: طلب محلي متماسك، مدعوم بموارد وأصول مالية تمنح الحكومة مساحة لامتصاص جانب من الصدمة، وإن كانت قدرتها على ذلك ليست بلا حدود.
تبدو هذه الصلابة واضحة في بيانات الاستهلاك المحلي الأسبوعية الصادرة عن البنك المركزي السعودي. فحتى الأسبوع المنتهي في 17 أكتوبر، ظل الإنفاق عبر نقاط البيع متماسكاً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، سواء في الرياض أو في مدن مثل نجران وجازان، رغم قربهما من الحدود اليمنية، وإن تفاوت الأداء بين القطاعات، مع تراجع واضح في بعض البنود، من بينها الإنفاق المرتبط بشركات الطيران.
تجد هذه القدرة على امتصاص الصدمات تفسيراً في بنية الاقتصاد نفسه. فبحسب تقرير لـ”موديز” صدر هذا الشهر، يستند جانب كبير من النشاط الاقتصادي في السعودية إلى الطلب المحلي والاستثمار الداخلي الذي تقوده الحكومة والأفراد والقطاع الخاص، فيما تستمد السياحة قدراً مهماً من صلابتها من الطلب المحلي والسفر الديني. تحدُّ هذه العوامل من انكشاف الاقتصاد على تقلبات رأس المال الأجنبي وإنفاق الزوار.
قد يهمك: “ميد”: السعودية تطرح أعمال إنشاء استاد الملك سلمان رغم ضغوط الحرب
لكن هذه العوامل لا تبدد قلق المستثمرين. خسر المؤشر الرئيسي لسوق الأسهم قرابة 10% منذ بداية العام حتى إغلاق 25 أكتوبر، وسط مخاوف من أثر التصعيد على الاقتصاد وارتفاع معدلات الفائدة على سيولة البنوك. كما دفع الوضع الإقليمي المملكة إلى تأجيل النسخة العاشرة من مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” إلى 2027، في وقت اضطربت فيه الرحلات وتعطلت فعاليات تعتمد بدرجة كبيرة على مشاركة وافدين من الخارج.
ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش النشاط غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعةً بنسبة 0.8% هذا العام. لكن الأرقام المنشورة في 22 أكتوبر تكشف تبايناً لافتاً داخل الكتلة: السعودية وعُمان هما الاستثناء، مع بقاء النمو غير النفطي موجباً في البلدين، مقابل انكماش في الاقتصادات الخليجية الأربعة الأخرى.
فما هي العوامل التي تدعم الاقتصاد غير النفطي السعودي، وما هي المخاطر الرئيسية المحيطة بكل منها؟
كيف تحمي إيرادات النفط الاقتصاد السعودي من تداعيات الحرب؟
أمضت السعودية معظم العقد الماضي في محاولة تقليص اعتماد اقتصادها وماليتها العامة على النفط، وحققت تقدماً في تنويع مصادر الدخل والنشاط غير النفطي، بما في ذلك التوسع السريع في قطاع السياحة. كما كانت من أوائل دول مجلس التعاون تطبيقاً لضريبة القيمة المضافة في 2018، قبل أن ترفع نسبتها من 5% إلى 15% في يوليو 2020 ضمن إجراءات مواجهة التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، ما عزز قاعدة الإيرادات غير النفطية وقدرة المالية العامة على امتصاص الصدمات.
مع ذلك، برزت مرونة صادرات الخام خلال الحرب كأحد أهم صمامات الأمان للاقتصاد. فقد ساعدت مسارات التصدير البديلة على الحد من تراجع الشحنات، فيما عوض ارتفاع أسعار النفط أكثر من أثر انخفاض الكميات، مولداً مكاسب إضافية في الإيرادات النفطية ومنح الحكومة هامشاً أوسع لدعم النشاط غير النفطي إذا اقتضت الحاجة.
وقالت روبرتا غاتي، رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي، في مقابلة هذا الشهر مع “الشرق بلومبرغ”، إن دولاً مثل السعودية “تتمتع بهامش مالي واسع يمكنها توظيفه لاحتواء تداعيات التوترات”، محذرةً في الوقت نفسه من أن هذا الهامش قد يتآكل كلما طال أمد الصراع أو ازدادت حدته.
اقرأ أيضاً: خبير سابق بـ”غولدمان ساكس”: النفط قد يجعل السعودية “الرابح الوحيد” في الحرب
بدوره، يُقدّر محمد أبو باشا، رئيس وحدة تحليل الاقتصاد الكلي لدى بنك الاستثمار “إي إف جي هيرميس”، أن استمرار الصادرات وبقاء أسعار النفط قرب مستوياتها الحالية حتى نهاية نوفمبر قد يدر على السعودية نحو 11 مليار دولار من الإيرادات النفطية الإضافية خلال أكتوبر ونوفمبر، بحسب “بلومبرغ”.
الإنفاق الحكومي السعودي يرتفع 15% رغم الحرب
تكشف أرقام الميزانية للنصف الأول من العام عن توسع واضح في الإنفاق الحكومي، الذي ارتفع بنحو 15% على أساس سنوي إلى 759.8 مليار ريال. وشمل ذلك زيادة الإنفاق الرأسمالي 32% إلى 89.7 مليار ريال، وارتفاع الإنفاق على السلع والخدمات 25% إلى 172.3 مليار ريال، ما يوفر دعماً مباشراً للطلب على أعمال المقاولات والتوريد والخدمات.
وبالتوازي، قفزت الإعانات في الربع الأول بأكثر من الضعف، مرتفعةً 117% إلى 30.8 مليار ريال، في مؤشر إضافي على اتساع دور الإنفاق الحكومي في دعم النشاط الاقتصادي.
ويتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع عجز الموازنة هذا العام إلى 6.5% من الناتج المحلي، مقابل 5.8% في 2025، بعد أن كانت تقديرات سابقة تشير إلى تراجعه، وهو ما قد يلمح إلى توقعات بزيادة الإنفاق الحكومي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام لدعم الاقتصاد وتلبية متطلبات الإنفاق الدفاعي.
وتُنوّه علياء مبيض، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى “جيفريز”، بأن إعادة ترتيب الأولويات ركزت على البنية التحتية الداعمة للقطاع الخاص، خصوصاً النقل والخدمات اللوجستية والاتصالات. وأضافت في برنامج “أسواق الشرق” الثلاثاء: “هذا الإنفاق لا يزال، برأينا، من أبرز محركات الاقتصاد غير النفطي”، إلى جانب استهلاك الأفراد.
أين تتركز الاستثمارات الحكومية في السعودية خلال 2026؟
تثير إعادة جدولة بعض مشاريع صندوق الاستثمارات العامة تساؤلات حول استمرار زخم الاستثمار. لكن رحلة بمترو الرياض، وسط رافعات البناء المنتشرة في أرجاء العاصمة، تقدم صورة أقل اختزالاً.
فقد بلغت قيمة عقود المقاولات الممنوحة 116.2 مليار ريال في الأشهر الثمانية الأولى من 2026، متجاوزة إجمالي العام الماضي البالغ 112 مليار ريال، وفق بيانات الهيئة السعودية للمقاولين التي أوردتها “موديز”. وكانت قيمة العقود قد بلغت نحو 268 مليار ريال في 2024، قبل تقليص نطاق بعض المشاريع وإطالة الجداول الزمنية لتنفيذها.
رغم ذلك، ترى وكالة التصنيف الائتماني أن توجيه الدعم نحو سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والصناعة والبنية التحتية الرقمية سيساعد على تخفيف أثر التراجع عن بعض المشاريع وتداعيات الحرب.
ويشير أحد مستشاري المشاريع لـ “الشرق بلومبرغ”، طالباً عدم الإفصاح عن هويته، إلى استمرار الإنفاق على مبادرات ضخمة، من بينها “حديقة الملك سلمان” و مشروع “الرياض الخضراء”.
وتُقدّر مبيض أن الحكومة استخدمت جزء من ودائعها في القطاع المصرفي هذا العام للإنفاق على المشاريع وتجنب الاقتراض من الأسواق الدولية العامة.
السعودية تعطي الأولوية لمراكز البيانات والغاز في استثماراتها الجديدة
في الربع الثالث وحده، سجلت السعودية أعلى قيمة للعقود الممنوحة بين دول الخليج، رغم تراجعها على أساس فصلي وسنوي، بحسب تقرير أعدته مونيكا مالك، كبيرة اقتصاديي “بنك أبوظبي التجاري”.
وتشير مالك في التقرير إلى أن البيانات تعكس الأولويات الجديدة للاستثمار، إذ كانت من أبرز التعاقدات مشاريع في مراكز البيانات، إلى جانب مشروعين في قطاع الغاز وآخر للأسمدة يستهدف إنتاجه السوق المحلية والتصدير.
وتضيف مالك أن التركيز الجديد للاستثمار يتجه نحو مستهدفات أكثر تحديداً، من بينها توليد الإيرادات وقطاعات اقتصاد المستقبل.
في المقابل، لا تستبعد “موديز” أن يؤثر تأجيل بعض المشاريع أو إعادة جدولتها على التدفقات النقدية لشركات المقاولات والقطاعات المرتبطة بها.
وتظهر مؤشرات الأعمال تعافياً واضحاً للأنشطة غير النفطية قبل التصعيد الأخير. إذ ارتفع مؤشر مديري المشتريات لبنك الرياض إلى 55.3 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أعلى قراءة منذ فبراير، بدعم من تعافي الطلب المحلي وارتفاع الطلبات الجديدة. كما سجل مؤشر الراجحي المالية لقطاع الإنشاءات 54.4 نقطة، متجاوزاً مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش، رغم تراجعه من 55.4 نقطة في أغسطس.
اقرأ أيضاً: 10 رسائل من استراتيجية الصندوق السيادي السعودي الجديدة
كما توضح بيانات البنك المركزي السعودي أن تماسك الاستهلاك لا يقتصر على الرياض. ففي نجران وجازان، القريبتين من الحدود اليمنية، بلغت قيمة عمليات نقاط البيع نحو 608 ملايين ريال و623 مليون ريال، على التوالي، خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 17 أكتوبر، بانخفاض 4.8% و2.4%، على التوالي، مقارنة بالأسابيع الأربعة السابقة.
كيف توازن السعودية بين دعم الاقتصاد وضبط العجز المالي؟
غير أن متانة الطلب المحلي لا تعني انحسار الضغوط على بقية الاقتصاد. فالصادرات غير النفطية، بما في ذلك إعادة التصدير، ظلت متراجعة على أساس سنوي، مدفوعة بهبوط حاد في إعادة التصدير، بما يعكس استمرار الضغوط على التجارة الخارجية والنشاط اللوجستي.
كما أن استمرار اضطراب حركة المطارات لفترة طويلة قد يضغط على ثقة المستثمرين، بما يؤخر التعافي أو يخلف آثاراً تمتد إلى ما بعد انتهاء الحرب.
في المقابل، لا تبدو الحكومة مستعدة للتخلي عن الانضباط المالي. فبحسب مبيض وأبو باشا، يمكن اعتبار قرار هذا الأسبوع برفع تعريفتي الكهرباء والمياه اعتباراً من مطلع العام المقبل إشارة إلى رغبة السلطات في تعزيز المالية العامة، حتى مع توجيه دعم نقدي مباشر لشرائح واسعة من المواطنين لتخفيف أثر الزيادة.
وتنعكس هذه المتانة المالية في تسعير أسواق الدين، إذ لم تشهد عوائد السندات السعودية سوى ارتفاع محدود هذا الشهر، فيما ظلت الزيادة في تكلفة التحوط من مخاطر الائتمان محدودة نسبياً، بحسب بيانات جمعتها “بلومبرغ”.
ورغم ذلك، تتطلع الأسواق الدولية إلى الموازنة النهائية للمملكة لعام 2027 للحصول على صورة أوضح بشأن توجهات الإنفاق، بحسب مبيض، التي رأت أن “استمرار النظرة الإيجابية للأسواق تجاه الجدارة الائتمانية السعودية يتطلب مزيداً من التفاصيل حول الإنفاق الحكومي في المرحلة المقبلة، وكيفية توجيهه لدعم نمو القطاع غير النفطي”.



