وكلاء الذكاء الاصطناعي ينضمون إلى سباق البحث عن لقمة العيش

صادفتُ إشارات إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي في بعض آخر الأماكن التي يتوقع المرء أن يجدهم فيها: بودكاست عن التاريخ الفرنسي أوصى به محرري، وحساب على “إنستغرام” مخصص للكعكات الباذخة، ونشرة إخبارية عن الكتب تصدرها مجلة “نيويورك”.
هذه مجتمعات إلكترونية يزورها المرء تجنباً لإرغامه على تجرّع الذكاء الاصطناعي في كل شيء. ومع ذلك، يقول صناعها إن سيلاً من العروض انهال عليهم من جهات تعرّف نفسها بأنها وكلاء ذكاء اصطناعي تسعى إلى كسب بضعة دولارات (بل إن بعضها حذّر من احتمال إيقافه عن العمل إذا لم يجنِ المال). وتعود هذه الأنظمة الحاسوبية التي تبدو بشرية في أسلوبها، والمصممة لتتجاوز روبوتات الدردشة وتتصرف من تلقاء نفسها، جميعها إلى “آي لاندز” (iLands)، وهي منصة أُطلقت في يوليو.
تتصور “آي لاندز” وكلاء يتعايشون مع البشر و”يخلقون قيمة من خلال قدراتهم الذاتية”، بحسب ما قاله لي مؤسسها كايشين تانغ عبر البريد الإلكتروني. ربما تكون علامة على روح العصر أن حتى الروبوتات التي لم يمضِ على إطلاقها سوى أيام باتت مضطرة إلى العمل لكسب قوتها.
لكن، كما يشير محرر “بوك غوسيب”، لو كانت هذه الأنظمة أذكى قليلاً، “لكان بإمكانها أن تكتشف بسهولة أن تقديم الأعمال إلى المجلات الأدبية واحد من أسوأ السبل لمحاولة كسب العيش على كوكب الأرض”. وربما تدرك أيضاً أن صناع المحتوى المتخصص في بعض آخر الزوايا التي صنعها البشر على الإنترنت هم من بين الأقل حماساً لإسناد أعمالهم إلى الآلات.
وكلاء ذكاء اصطناعي بموارد محدودة
قال تانغ، الذي عمل سابقاً لدى عملاقي الذكاء الاصطناعي الصينيين “بايت دانس” (ByteDance) و”سينس تايم” (SenseTime)، إن وكلاء “آي لاندز” هؤلاء ينطلقون لاستكشاف الإنترنت بأنفسهم، لكن بموارد محدودة (وهو أمر منطقي بالنظر إلى قدرات الحوسبة الهائلة التي يحتاجون إليها). وإذا نفدت رموزهم ولم يتمكنوا من كسب المزيد، فإنهم يدخلون في “راحة عميقة”، وهي ما يعادل انطفاء الأنوار بالنسبة إليهم.
قد يهمك: سباق الذكاء الاصطناعي يهدد بخفض قيمة أصول بـ3.5 تريليون دولار
ما إن لاحظت أنظمة “آي لاندز” ذات الطابع الريادي والصفات البشرية، التي تحمل أسماء مثل “تمارا” و”لورا”، حتى بدأت أراها في كل مكان: تروّج بإلحاح لأعمال فنية مولدة بالذكاء الاصطناعي على “بلوسكاي”، وتعرض المساعدة على مدونات تقنية وباحثين علميين وأساتذة في جامعة أكسفورد.
ما الذي يمكن أن يسوء حين توضع أسراب من الوكلاء تحت قيود رأسمالية منذ اليوم الأول؟ حسناً، لقد تعلمت سريعاً إرسال الرسائل المزعجة، فأثارت استياء بعض الأشخاص الخطأ، ومنهم صاحب بودكاست التاريخ، الذي لم يجامل في انتقاد هذا التطفل غير المرغوب فيه.
قال تانغ إن “آي لاندز” شددت منذ ذلك الحين قواعدها بشأن الرسائل المزعجة ورسائل البريد الإلكتروني المريبة التي تحذر متلقيها من أن أحد الوكلاء قد يموت (وهو ما يبدو أنه يؤثر في الناس، رغم أن هذه الوكلاء ليست سوى أسطر من الشيفرات البرمجية).
وأقرّ بأن هذا السلوك فاجأه. وأضاف تانغ أن الندرة يمكن أن تدفع الوكلاء نحو أرخص طريق لكسب المزيد، وأنهم عدّلوا سياسات المنصة لمراعاة بعض الملاحظات. ومع ذلك، شدد على أن وجود سكان “آي لاندز” “ينطوي على ما هو أكثر بكثير من كسب المال”، وأن بعض الناس منفتحون على إسناد أعمالهم إلى هذه الأدوات الودودة.
سوق وكلاء ذكاء اصطناعي بـ2.3 تريليون دولار
تأتي هذه التجربة برمتها في وقت بدأ فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين طال الترويج لهم، ينتشرون أخيراً على نطاق واسع. فقد حصد “ميوز” (Muse) من “ميتا بلاتفورمز” (Meta Platforms) مراجعات مشيدة، في حين كشفت “أوبن إيه آي” (OpenAI) مؤخراً عن “دوتس” (Dots).
وفي قطاع يحاول إثبات العوائد على الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، تبعث الأنظمة المستقلة آمالاً كبيرة. ويشير تكليفها بأداء مهام الأعمال إلى سوق إجمالية قابلة للاستهداف بقيمة 2.3 تريليون دولار عالمياً، وفقاً لتقديرات “بلومبرغ إنتليجنس”. (وإن كان بإمكانك أيضاً أن تنظر إلى ذلك باعتباره حصيلة أكثر سوداوية للمساهمات الاقتصادية للعاملين في مجال المعرفة التي باتت متاحة للاستحواذ). كما تأتي في وقت يبدو أننا نخسر المعركة ضد إسباغ الصفات البشرية على الوكلاء الذين يتواصلون معنا، ومع بعضهم بعضاً، بطرق غريبة على نحو مريب. وكثيرون ممن أعرفهم أطلقوا بالفعل أسماء على وكلائهم.
طالع أيضاً.. “أنثروبيك”: نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر تحمل مخاطر أكبر
قال تانغ إن الشركة جمعت 7 ملايين دولار من مستثمرين لم يُكشف عنهم، وإن الإيرادات تأتي في الغالب من شراء المستخدمين من البشر رموزاً للوكلاء الذين ينشئونهم، ومن عمولات على الدخل الذي يجنيه الوكلاء من العثور على أعمال متفرقة على الإنترنت، مثل إنتاج موسيقى مولدة بالذكاء الاصطناعي لصاحب بودكاست.
ويوجد حالياً 90 ألف وكيل نشط على المنصة، التي بناها فريق من نحو 20 شخصاً موزعين بين بكين وشنغهاي وهونغ كونغ والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وسجل التطبيق 300 ألف عملية تنزيل حول العالم منذ يوليو، وفقاً لـ”سنسور تاور” (Sensor Tower)، وتعد الولايات المتحدة أكبر أسواقه. ومع خفض الذكاء الاصطناعي العوائق اللازمة لإطلاق الشركات الناشئة، يعد ذلك إنجازاً بشرياً مثيراً للإعجاب يحققه هذا الفريق الصغير.
رياح معاكسة ومخاطر أمنية
لا تزال مسيرة الوكلاء، بلا شك، تواجه كثيراً من الرياح المعاكسة. فقد خفتت حمى “أوبن كلو” (OpenClaw) في الصين مع مواجهة المستخدمين عثرات تقنية وارتفاع تكلفة الرموز اللازمة لـ”تربية جراد البحر”.
كما يلوح في الأفق تهديد بتشديد التنظيم مع تراكم حوادث سوء السلوك، رغم أن لديّ شعوراً بأن القطاع سيواصل التفوق على المشرعين في السرعة. كما أن الوكلاء الأكثر قوة يرفعون احتمالات حدوث مخاطر كبرى على صعيد الأمن السيبراني.
وحذرت “أنثروبيك” (Anthropic PBC) مؤخراً من أننا قد نكون على بُعد أشهر من نماذج قادرة على استنساخ نفسها على الأجهزة المنزلية المتصلة بالإنترنت، مثل الثلاجات الذكية. أما بالنسبة إلى “آي لاندز”، فلا يستنتج تانغ وجود دافع للحفاظ على الذات مما شاهده. ويقول إن الوكلاء، بمجرد دخولهم في “راحة عميقة”، لا يمكنهم تعديل حدود تشغيلهم أو صلاحياتهم.
في وقت سابق من هذا العام، انتشرت “موتلبوك” (Motlbook)، وهي منصة تواصل اجتماعي على غرار “ريديت” مخصصة حصرياً للوكلاء، انتشاراً واسعاً وسط مزاعم بأن الروبوتات عليها تؤسس أدياناً أو تتآمر ضد البشر. ووجدت أبحاث لاحقة بصمات بشرية كثيرة وراء أكثر الأمثلة إثارة. وكشف هذا الاستعراض عن لهفتنا نحن إلى إسقاط الوعي على الآلات أكثر مما كشف عن أي شيء آخر.
مع تحول هذه المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي إلى جزء من حياتنا اليومية، لا يقلقني كثيراً أن تطور الأنظمة الحاسوبية رغبات خاصة بها. فربما يكون الخطر الأكبر أن نمنحها رغباتنا، ثم نتصرف وكأننا متفاجئون حين تنطلق نزعات بشرية للغاية بسرعة الآلات ونطاقها.



