المركزي المصري يتمسك بمرونة الجنيه رغم ضغوط خروج الأموال الساخنة

أكد محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله، أن الحفاظ على سعر صرف مرن للجنيه يمثل أحد الأهداف الأساسية للبنك، إلى جانب استقرار الأسعار ومواصلة خفض التضخم، في وقت تتعرض العملة المصرية لضغوط متزايدة بفعل التوترات الجيوسياسية وخروج استثمارات أجنبية من السوق المحلية.
وقال عبد الله، خلال كلمته في منتدى “مصر 2026” اليوم الخميس، إن تمسك مصر سابقاً بسعر صرف ثابت أدى إلى ظهور سوق موازية للعملة، مشدداً على أن البنك المركزي يستهدف تحقيق الاستقرار النقدي والمصرفي، والحفاظ على أسعار مستقرة ومعدل تضخم يتراجع باستمرار.
وأوضح المحافظ أن مصر انتقلت إلى نظام سعر الصرف المرن في مارس 2024، بعدما بلغ الدولار 77 جنيهاً في السوق الموازية مقابل 30.9 جنيه في السوق الرسمية خلال يناير من العام نفسه، مؤكداً أن البنك المركزي لا يستهدف سعراً محدداً للعملة، وإنما يحرص على تحديد قيمتها وفق آليات السوق.
وشدد على أن مرونة سعر الصرف تمثل خط الدفاع الأول عن الاقتصاد المصري، لكنها ليست خط الدفاع الوحيد، محذراً من أن تعدد أسعار الصرف يُعد من أبرز المخاطر التي تهدد الاستقرار الاقتصادي.
وتأتي تصريحات المحافظ بالتزامن مع تراجع الجنيه المصري إلى أدنى مستوياته على الإطلاق في التعاملات خارج السوق المحلية، مسجلاً 55.3019 جنيه مقابل الدولار خلال جلسة الخميس، بانخفاض 1.7% مقارنة بإغلاق أمس، وفق بيانات جمعتها “بلومبرغ”.
اقرأ المزيد: الجنيه المصري يتراجع إلى أدنى مستوى على الإطلاق وسط اضطرابات الشرق الأوسط
وفقد الجنيه نحو 6.4% من قيمته منذ بداية أكتوبر، وسط ضغوط مرتبطة بتصاعد التوترات في المنطقة وخروج جزء من استثمارات الأجانب من أدوات الدين المحلية.
واعتبر عبد الله أن تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهاً والتحركات الحالية في سعر الصرف “أمر طبيعي” في ظل نظام الصرف المرن، موضحاً أن العملات قد ترتفع أو تنخفض تبعاً للتطورات المحيطة. وأشار إلى أن الدولار كان قد تراجع سابقاً إلى 46 جنيهاً، مع توقعه حدوث تغيرات إيجابية خلال الفترة المقبلة.
ضغوط الأموال الساخنة
أقر عبد الله بأن الاقتصاد المصري يواجه تداعيات تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، وخروج الأموال الساخنة، إلى جانب وجود فائض في المعروض النقدي.
وقال المحافظ إن الاقتصاد الحقيقي يمثل المصدر الأساسي لتوفير النقد الأجنبي، وإن تحسن أدائه يدعم استقرار سوق الصرف وتوافر الدولار، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط والأحداث الأخيرة حالا دون أن تغطي موارد النقد الأجنبي المحلية احتياجات الدولة وتفيض عنها. وتابع أن استقرار أسعار النفط العالمية عند مستوياتها السابقة للأحداث الأخيرة كان سيسمح للموارد المحلية بتغطية احتياجات الدولة وتحقيق فائض.
وأشار إلى أن تراجع إيرادات قناة السويس يمثل ضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي، بعدما انخفضت متحصلات رسوم المرور من 8.8 مليار دولار في السنة المالية 2022-2023 إلى 4.4 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026.
وكان مصرفيون ومحللون تحدثوا إلى “الشرق بلومبرغ” قد أرجعوا تراجع الجنيه خلال الأسابيع الماضية إلى تخارج بعض المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية، وارتفاع الدولار عالمياً، فضلاً عن حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الإقليمية.
قد يهمك.. النفط والجنيه المصري.. علاقة وثيقة تكشفها تحركات الأسواق في 2026
وفي تقرير أصدرته في 8 أكتوبر، أشارت وكالة “فيتش ريتنغز” إلى أن اندلاع الحرب في إيران أدى إلى خروج أكثر من 6 مليارات دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية المصرية، وتراجع الجنيه بأكثر من 14% أمام الدولار، قبل عودة التدفقات سريعاً واستعادة العملة معظم خسائرها آنذاك.
ولفتت الوكالة إلى أن السلطات المصرية حافظت على قابلية تحويل العملة بحرية، ولم تتدخل بشكل كبير للحد من خروج رؤوس الأموال أو انخفاض الجنيه.
احتياطيات مصر الأجنبية ترتفع إلى 57.3 مليار دولار
كشف محافظ البنك المركزي المصري أن الاحتياطيات الدولية ارتفعت من 33.2 مليار دولار في سبتمبر 2022 إلى 57.3 مليار دولار في سبتمبر 2026، فيما تحول صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي من عجز بلغ 29 مليار دولار في يناير 2024 إلى فائض قدره 31.2 مليار دولار في أغسطس 2026.
كما ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج من 21.9 مليار دولار خلال السنة المالية 2022-2023 إلى 47.3 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، وزادت مساهمتها في إجمالي الموارد الدولارية بالحساب الجاري من 23% إلى 37% خلال الفترة نفسها.
وأوضح عبد الله أن متوسط الموارد المحلية من النقد الأجنبي ارتفع من نحو ملياري دولار إلى 8.5 مليار دولار، مؤكداً عدم وجود متأخرات لتدبير النقد الأجنبي حتى الآن.
وفي ما يتعلق بالتعاملات بين البنوك، أظهرت بيانات عرضها المحافظ ارتفاع المتوسط اليومي لحجم التعاملات في سوق “الإنتربنك” الدولاري من 56 مليون دولار خلال عام 2023 إلى 341 مليون دولار خلال عام 2026.
كما كشف عن نمو مبيعات النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية بنسبة 276% بين عامي 2023 و2026، وارتفاع حجم تدبير النقد الأجنبي عبر هذه القنوات بنسبة 156% خلال الفترة نفسها. وتراجعت علاوة المخاطر على الدولار إلى نحو 3%، مقارنة بمستويات بلغت 25% سابقاً، بحسب المحافظ.
التضخم المستهدف في 2027
على صعيد السياسة النقدية، جدد محافظ البنك المركزي استهداف خفض متوسط معدل التضخم إلى 7% خلال عام 2027، مشروطاً بعدم وقوع صدمات خارجية أو داخلية.
واستعرض عبد الله تراجع معدل التضخم العام من 38% في سبتمبر 2023 إلى 13.9% في سبتمبر 2026، في إطار جهود البنك المركزي لتحقيق استقرار الأسعار وخفض التضخم.
وأوضح عبد الله أن استخدام أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الناتج عن زيادة الطلب يُعد أسهل نسبياً من التعامل مع الضغوط التضخمية الناجمة عن صدمات العرض، التي تتطلب أدوات إضافية.
اقرأ المزيد: الجنيه المصري يواصل التراجع.. إلى أين سيصل سعر الدولار؟
واعتبر أن الابتكار وإيجاد بدائل للحصول على مستلزمات الإنتاج بتكلفة أقل يمثلان من أبرز الوسائل لمواجهة صدمات العرض، بما يساعد على خفض تكاليف الإنتاج وتحسين النشاط الاقتصادي.
وكانت “فيتش” قد توقعت ارتفاع متوسط التضخم في مصر إلى 12.3% خلال السنة المالية 2026-2027، مقارنة بـ11.6% في السنة السابقة، نتيجة ارتفاع أسعار السلع والطاقة، قبل أن يتراجع إلى أقل من 10% خلال السنة المالية 2027-2028، مدعوماً بزيادة مرونة سعر الصرف وتشديد السياسة النقدية وانخفاض أسعار السلع الأساسية.



