آلات حفر صينية بوزن 5 آلاف طن تشكل تهديداً للهند تجارياً

استطاعت الصين تحقيق نفوذ تفاوضي كبير بفضل هيمنتها شبه الاحتكارية على المعادن الأرضية النادرة. والآن تسعى إلى تكرار التجربة في قطاع أقل بريقاً، لكنه لا يقل أهمية، وهو معدات البناء، وربما تستخدمه للضغط على منافس آسيوي رئيسي.
تستهدف أحدث قيود التصدير التي فرضتها بكين معدات البناء، بما فيها آلات حفر الأنفاق، وهي من أكبر المعدات الصناعية وأكثرها تعقيداً في العالم. وتُستخدم هذه الآلات في إنشاء خطوط مترو الأنفاق، وشق الطرق وخطوط السكك الحديدية عبر الجبال. وتسيطر الصين على حصة كبيرة من السوق العالمية لهذه المعدات، فيما تُعد الهند من أبرز عملائها.
لا تبدو مواقع البناء على الأرجح نقطة اختناق واضحة في الاقتصاد العالمي، على خلاف تقنيات الذكاء الاصطناعي التي اقترحت بكين أيضاً إدراجها ضمن قائمة الصادرات المقيدة، أو المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في الهواتف الذكية والأسلحة المتطورة.
نفوذ صيني قد يحفز المنافسين
فضلاً عن ذلك، فإن هيمنة الصين على هذه الصناعة قوية، لكنها ليست مطلقة، وقد يؤدي السعي إلى توظيفها ورقة ضغط إلى تحفيز دول أخرى على تطوير قدراتها للحاق بها.
قال كايل تشان، الباحث في معهد “بروكينغز”: “باتت بكين تنظر بشكل متزايد إلى موقعها باعتبارها أحد أبرز المنتجين العالميين لمعدات البناء من منظور استراتيجي”. وأضاف أن ذلك يزيد مخاطر الاعتماد على الصين، ويحفز الدول الأخرى على محاولة تقليص هذا الاعتماد.
ومع ذلك، يصعب تحقيق ذلك على المدى القصير. وفي الوقت نفسه، سلطت الحرب الدائرة في أوكرانيا والصراع في إيران الضوء على الأهمية العسكرية المتزايدة للمنشآت تحت الأرض.
اقرأ أيضاً: الصين والهند تبحثان استئناف التجارة الحدودية بعد توقف 5 سنوات
أما بالنسبة إلى الهند، فتكتسب القيود الجديدة أهمية خاصة، إذ من المُقرّر أن تدخل حيز التنفيذ في وقت لاحق من هذا الشهر. وبالإضافة إلى آلات حفر الأنفاق، تشمل القيود معدات بناء أخرى، من بينها الآلات المستخدمة في رش الخرسانة على ارتفاعات شاهقة.
مبررات الصين لفرض القيود
برّرت بكين هذه الإجراءات باحتمال استخدام المعدات في مشروعات ذات أغراض مزدوجة، مدنية وعسكرية، وقالت إن “الدول والمناطق الحساسة التي لديها نزاعات مع الصين” ستخضع لقواعد أكثر صرامة.
وهناك ما يدعو القادة الهنود إلى الاعتقاد بأن هذه التصريحات تستهدف بلادهم. فالحدود الممتدة عبر جبال الهيمالايا بين أكبر بلدين في العالم من حيث عدد السكان لطالما شكلت بؤرة توتر، وتجددت التوترات عناك الأسبوع الماضي.
وتعمل الهند على إنشاء خطوط للسكك الحديدية وطرق في المنطقة، بهدف تقليص الوقت اللازم لتحريك القوات العسكرية. وستحتاج هذه المشروعات إلى حفر عدد كبير من الأنفاق.
اقرأ أيضاً: الصين والهند تتفقان على مواصلة الحوار بشأن قضية الحدود
كتب شيتنا كومار المحلل لدى “بلومبرغ إيكونوميكس” في مذكرة:” قد تؤدي القيود المفروضة على معدات البناء المتخصصة إلى إبطاء بعض مشروعات البنية التحتية، بما فيها مشروعات الإنشاءات الاستراتيجية على امتداد الحدود المتنازع عليها بين البلدين في جبال الهيمالايا”، وأضاف: “لكن تشديد الصين لنظام الرقابة على الصادرات قد يعزز أيضاً فرص الهند لتصبح قاعدة بديلة للتصنيع… الشركات الأجنبية المصنّعة للمعدات سيكون لديها حافز لإضافة طاقات إنتاجية في أسواق كبيرة مثل الهند”.
وقال سون تشنغهاو، الباحث لدى “مركز الأمن والاستراتيجية الدوليين بجامعة تسينغهوا” في بكين، إن إدراج معدات العمل المستخدمة في المرتفعات الشاهقة ضمن قائمة الصادرات المقيدة قد يشير إلى اهتمام خاص “بالمناطق ذات الحساسية الاستراتيجية”.
وأضاف سون: “يتمثل الشاغل الرئيسي للصين في معرفة الأماكن التي تُستخدم فيها قدراتها الهندسية، وما إذا كان من الممكن أن تسهم في تعزيز البنية التحتية العسكرية لدولة أخرى”.
قيود صينية تعرقل مساعي شركة ألمانية
سبق أن استعرضت الصين نفوذها بصفتها أكبر مُصدّر لآلات حفر الأنفاق في العالم. ففي 2024، عرقلت بكين مساعي شركة “هيرينكنخت” (Herrenknecht) الألمانية، التي تصنّع بعض آلات الحفر التابعة لها في الصين، لبيع هذه المعدات إلى الهند لاستخدامها في مشروعات مثل خط القطار فائق السرعة بين أحمد آباد ومومباي ومترو دلهي.
قال متحدث باسم “هيرينكنخت” إن الشركة تدرس أحدث القيود الصينية.
أوضح أجاي سريفاستافا، مؤسس مبادرة أبحاث التجارة العالمية ومقرها نيودلهي، أن الهند تستطيع نقل المعدات من مواقع أخرى لاستخدامها في أي “مشروع ذي أولوية”. لكن هناك عقبة أخرى، تتمثل في أن القيود الصينية الجديدة تشمل المكونات أيضاً.
وأضاف: “تتعرض هذه الآلات لاستهلاك وتآكل كبيرين، ولذلك نحتاج إلى إمدادات منتظمة من قطع الغيار”، مشيراً إلى أن ذلك سيؤثر في المخزون الحالي من المعدات، فضلاً عن عمليات شراء الآلات الجديدة.
ولا تقتصر الهند على كونها من أبرز مشتري معدات حفر الأنفاق الصينية، إذ تُعد بكين مورداً رئيسياً لهذه المعدات إلى الأسواق العالمية. وذكرت وسائل إعلام حكومية صينية أن حصة البلاد من هذه الصناعة عالمياً تبلغ نحو 70%.
معدات صينية مستخدمة في 36 دولة
تقول شركة “تشاينا ريلواي إنجينيرينغ إكويبمنت غروب” (China Railway Engineering Equipment Group Co)، أكبر منتج في هذا القطاع، إن معداتها تُستخدم في 36 دولة، من بينها الدنمارك وفرنسا.
إلى جانب “هيرينكنخت”، توجد شركات تصنيع أخرى في الولايات المتحدة واليابان تنتج معدات يمكن أن تكون بدائل محتملة. على المدى الطويل، قد تتحول القيود الصينية إلى فرصة لصالح بعض هذه الشركات، لكن التحول الفوري إلى موردين غير صينيين يظل صعباً بالنسبة إلى معظم العملاء.
قد يهمك: رغم تفوق نيودلهي في عدد السكان.. لماذا لن تتحول الهند إلى صين جديدة؟
وينطبق الأمر نفسه على بناء قدرات إنتاج محلية، وهو خيار جذاب لدولة كبيرة مثل الهند، لديها خطط طموحة لتطوير بنيتها التحتية.
الهند تستهدف استثمارات ضخمة في حفر الأنفاق
قال وزير النقل البري والطرق السريعة الهندي نيتين غادكاري، إن بلاده تستهدف استثمار 9.6 مليار دولار في مشروعات حفر الأنفاق خلال السنوات الخمس المقبلة، داعياً الشركات المحلية إلى تصنيع آلات الحفر. وأفادت تقارير بأن الحكومة تدرس خطة حوافز بقيمة 1.2 مليار دولار لمصنعي معدات البناء.
وقال آر شانكار رامان، رئيس شركة “لارسن آند توبرو” (Larsen & Toubro) العملاقة للهندسة، ومقرها مومباي، إن شركته تعمل على تطوير نموذج أوّلي لآلة حفر أنفاق، وإنها قد تتمكن من تصنيع معداتها بنفسها وبيعها لشركات أخرى “إذا أثبتت تجربتنا نجاحها”.
اقرأ أيضاً: زيارة شي إلى الهند.. باب للتهدئة مع مودي بعد سنوات من التوتر
لكن الهند لا تزال في مرحلة مبكرة من التصنيع، في حين تنتج الصين هذه المعدات على نطاق واسع، ما يجعل المنافسة معها من حيث التكلفة أمراً مستحيلاً. وأضاف رامان: “إذا استمر الناس في مقارنة الأسعار بنظيرتها الصينية ويبحثون عن طرق لاستيراد المعدات من الصين، فستكون الهند في وضع تنافسي أضعف”.



