الكونغرس بيد الديمقراطيين.. ما الذي يتغير في سياسة ترمب الخارجية؟

بعدما منحته سيطرة الجمهوريين على الكونغرس حرية واسعة في تنفيذ أجندته خلال العامين الأولين من ولايته الثانية، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب واقعاً سياسياً جديداً، إثر فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي التي جرت اليوم.
فمع بدء أعمال الكونغرس الجديد في يناير 2027، يُتوقع أن تكون قدرة الديمقراطيين على عرقلة أجندة ترمب الخارجية تحت الأنظار، حيث يمكن أن يؤثروا في بعض قراراته عبر الرقابة ومراجعة الصفقات وتقييد التمويل.
ولأن ترمب يعرف ذلك جيداً، فقد استبق احتمال خسارة الجمهوريين للكونغرس بالقول إنه قد يصبح “السيد فيتو”، مشيراً في مقابلة مع “فوكس نيوز” إلى أن استخدامه المتكرر لحق النقض ضد مشروعات القوانين التي يدعمها الديمقراطيون قد يدفعهم بمرور الوقت إلى التفاوض معه.
فما هي أبرز ملفات السياسة الخارجية التي قد تشهد شداً وجذباً بين الطرفين بعد الانتخابات؟
حرب إيران
تدخل الديمقراطيين في مسار الحرب مع إيران قد يظهر من خلال التشريعات والرقابة على العمليات العسكرية وتمويلها، بعدما شن الرئيس الحرب دون الحصول على تفويض من الكونغرس.
كان الديمقراطيون قد سعوا قبل الانتخابات إلى تقييد صلاحيات ترمب في مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران دون موافقة الكونغرس، وزيادة الرقابة على أهداف الحرب وتكاليفها. وفي 23 يوليو 2026، وافق مجلس النواب على مشروع قرار يطالب ترمب بوقف العمليات العسكرية ضد إيران ما لم يحصل على موافقة الكونغرس، بينما عرقل مجلس الشيوخ إجراءً مماثلاً.
وفي 24 سبتمبر، رفض مجلس الشيوخ مشروع قرار آخر مدعوماً من الديمقراطيين يطالب الرئيس بإنهاء الحرب أو الحصول على تفويض تشريعي.
ومع انتقال السيطرة على المجلسين إلى الديمقراطيين، قد يكون بإمكانهم إقرار تشريعات تطالب بوقف العمليات العسكرية ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً، كما قد يحاولون تقليص أو تقييد مخصصات الحرب، فضلاً عن استدعاء مسؤولي الإدارة للإدلاء بشهاداتهم بشأن أهداف الحرب وخططها، وتكثيف التحقيقات والرقابة على القرارات العسكرية.
لكن ذلك لن يتحقق قبل تسلم الكونغرس الجديد مهامه في يناير 2027، فخلال الشهرين المتبقيين، يبدو أن ترمب سيحتفظ بهامش واسع لاتخاذ قرارات عسكرية بشأن إيران.
خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل
قد يمثل وقف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل إحدى نقاط الالتقاء بين الرئيس دونالد ترمب والديمقراطيين، بعدما أعلن اتفاقه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إنهاء المساعدات السنوية، البالغة نحو 4 مليارات دولار، بعد نهاية العام الجاري، مشيراً إلى الانتقادات التي وجهها الديمقراطيون للدعم الأميركي لإسرائيل. لكن تعهده بمواصلة بيع الأسلحة إليها وتقديم المساعدة عند الحاجة قد يثير خلافات مع الديمقراطيين، الذين سبق أن سعوا إلى عرقلة صفقات تسليح إسرائيلية.
وبحسب “رويترز”، تراجع تأييد إسرائيل بشدة بين الديمقراطيين بسبب سلوكها خلال حرب غزة، التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، فضلاً عن استمرار العنف في الضفة الغربية المحتلة، وتحالف نتنياهو الوثيق مع الجمهوريين. وكان نحو نصف الديمقراطيين في مجلس النواب قد صوتوا خلال الصيف الماضي لصالح وقف المساعدات لإسرائيل، فيما أيد آخرون فرض قيود على تزويدها بأسلحة مثل القنابل الثقيلة.
وفي أبريل الماضي، أيد أكثر من 30 ديمقراطياً في مجلس الشيوخ محاولتين لمنع بيع قنابل وجرافات لإسرائيل، لكن المجلس رفضهما. كما عارض النائب الديمقراطي غريغوري ميكس في سبتمبر خطة لإدارة ترمب لبيع إسرائيل ذخائر بقيمة 2.8 مليار دولار، بسبب مخاوف بشأن استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان في غزة ولبنان، وفق “رويترز”.
ومع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، قد تتزايد الضغوط على إدارة ترمب بشأن استمرار تسليح إسرائيل، إذ يمكن للأغلبية الجديدة الدفع نحو تشريعات لمنع صفقات أسلحة محددة، ومحاولة فرض قيود على تمويلها، وتكثيف الرقابة على مبيعات السلاح الأميركية. لكن قدرة الديمقراطيين على تغيير هذه السياسة قد تظل محدودة بصلاحيات الرئيس في إدارة العلاقات الخارجية، وإمكانية استخدامه حق النقض.
استئناف المساعدات لأوكرانيا
قد يفتح فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس الباب أمام استئناف المساعدات العسكرية والمالية الأميركية المباشرة لأوكرانيا، التي أوقف ترمب معظمها، إلى جانب تشديد العقوبات على روسيا، في وقت تواصل فيه إدارته مساعيها للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين موسكو وكييف.
وبحسب تحليل نشرته “رويترز” في 25 أكتوبر، يحظى دعم أوكرانيا بتأييد واسع بين المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين، ما قد يتيح للأغلبية الجديدة تمرير حزم مساعدات إضافية، وربما حشد أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز أي نقض رئاسي. كما يمكن للديمقراطيين محاولة عرقلة تخفيف العقوبات على موسكو، بعدما أثار قرار ترمب السماح بعودة صادرات الديزل الروسي إلى الأسواق، وإعفاء جهات روسية من عقوبات، اعتراضات من الحزبين. وكان النائب الديمقراطي غريغوري ميكس قد قدم مشروع قانون بدعم من الحزبين لمنع إعادة الديزل الروسي إلى الأسواق العالمية.
وفي المقابل، تواصل إدارة ترمب جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب، إذ أعلنت واشنطن ترتيبات لعقد محادثات ثلاثية مع روسيا وأوكرانيا في أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر، لبحث إنهاء القتال والضمانات الأمنية وخفض التصعيد، بحسب “رويترز”. وتأتي هذه التحركات بعدما كثف ترمب ضغوطه على كييف للتوصل إلى اتفاق، في ظل استمرار الخلافات بين الطرفين بشأن شروط التسوية.
مراجعة الرسوم الجمركية وإعادة بناء التحالفات
قد يفتح فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس الباب أمام مراجعة سياسة الرئيس دونالد ترمب التجارية تجاه الاتحاد الأوروبي والصين، وبحسب تقرير نشرته “رويترز”، قد يسعى الديمقراطيون إلى إلغاء بعض الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، ومراجعة الصلاحيات القانونية التي استند إليها لفرضها، فضلاً عن تكثيف الرقابة على الإعفاءات الجمركية وتأثير الرسوم في الشركات والمستهلكين الأميركيين. لكن هذه التحركات قد لا تكفي لإحداث تغيير جوهري في السياسة التجارية الأميركية.
ويرى جيمس بوليتي، مدير مكتب صحيفة “فاينانشال تايمز” في واشنطن، أن الديمقراطيين، رغم تأييد معظمهم فرض بعض الرسوم على الصين، قد يتخلون عن نهج ترمب القائم على معاقبة الحلفاء والخصوم على حد سواء. وقد يمهد ذلك لتعزيز التعاون مع الدول الأوروبية والآسيوية في القطاعات الاستراتيجية، وإحياء المحادثات بشأن تبني موقف أميركي أوروبي مشترك تجاه السياسات التجارية الصينية، بعدما لم تحقق المناقشات السابقة خلال إدارة جو بايدن تقدماً يُذكر.
وفي المقابل، نقلت “رويترز” عن محللين أن تراجع نفوذ ترمب المحتمل بعد الانتخابات قد يمنح الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ومن بينهم الصين، مساحة أكبر للتشدد في المفاوضات أو التريث في تنفيذ تعهداتهم الاستثمارية. ومع ذلك، فإن استمرار التوافق بين الحزبين على مواجهة المنافسة الصينية، إلى جانب صلاحيات ترمب التنفيذية وحقه في نقض التشريعات، قد يحد من قدرة الديمقراطيين على تغيير مسار العلاقات التجارية بصورة جوهرية.
وفي هذا السياق، قال د. بندر الجعيد، أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز، في مقابلة مع “تلفزيون الشرق”، إن فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس لن يغير بصورة كبيرة النهج الأميركي تجاه الرسوم الجمركية والقيود على وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة، لارتباطه باعتبارات استراتيجية تتجاوز الانتماء الحزبي. وأوضح أن إدارتَي بايدن وترمب فرضتا رسوماً وقيوداً على الصين، في ظل تقدمها الاقتصادي والتوجهات الاستراتيجية للشركات الأميركية في القطاعات الحيوية والحساسة. كما يوضح الفيديو التالي:
الشراكات الاستراتيجية العربية تتجاوز تغير الأغلبية
تستند علاقات الولايات المتحدة مع المنطقة العربية، وخاصة الخليج، إلى شراكات استراتيجية وأمنية تمتد لعقود، وتتجاوز الانتماءات الحزبية للإدارات الأميركية. لكن ربما أضفى عليها ترمب طابعاً شخصياً واستثمارياً بارزاً، تجلى في علاقاته الوثيقة مع قادة المنطقة وجولته الخليجية في مايو 2025، التي شهدت الإعلان عن اتفاقات استثمارية ودفاعية تقارب تريليوني دولار. وقد تخضع هذه الاتفاقات مع الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس لتدقيق أكبر دون أن يعني ذلك تحولاً جذرياً في العلاقات.
ويرى الجعيد أن التحول في تركيبة الكونجرس لن يغير الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين الرياض وواشنطن، لكنه قد ينعكس على مسار بعض الصفقات.
وفي العراق، سعت إدارة ترمب إلى تقليص النفوذ الإيراني عبر الضغط لإبعاد الفصائل الموالية لطهران عن مؤسسات الدولة. وكشفت “رويترز” في يناير 2026 أن واشنطن لوحت بعقوبات قد تطال تدفقات عائدات النفط العراقية إذا شاركت جماعات مدعومة من إيران في الحكومة. أما في سوريا، فقد تبنى ترمب انفتاحاً واسعاً على الرئيس أحمد الشرع، ودعم رفع العقوبات عن دمشق وإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي، في تحول بارز عن السياسة الأميركية السابقة، وفق “رويترز”.
وفي لبنان، دفعت إدارة ترمب باتجاه مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب، بالتوازي مع ضغوط لنزع سلاح حزب الله وترتيبات أمنية في الجنوب. وفي تركيا، برزت العلاقة الشخصية بين ترمب والرئيس رجب طيب أردوغان، مع بحث رفع العقوبات المرتبطة بشراء أنقرة منظومة دفاع جوي روسية وإمكان استئناف بيع مقاتلات إف-35.
أما مصر، فظلت شريكاً أمنياً ودبلوماسياً مهماً لواشنطن، خصوصاً في جهود الوساطة الإقليمية. وبصورة عامة، قد تزيد الأغلبية الديمقراطية الرقابة على هذه التحركات والاتفاقات، لكن استمرار المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة، إلى جانب الصلاحيات التنفيذية لترمب، يرجحان بقاء الأسس الرئيسية للعلاقات الأميركية مع دول المنطقة كما هي.



