كيف تفاعلت الأسواق مع فوز الديمقراطيين في الانتخابات الأميركية؟

قلّصت الأسواق العالمية خسائرها التي أثارها اكتساح الديمقراطيين انتخابات الكونغرس الأميركي، بعدما أعاد المستثمرون تقييم تداعيات تشديد الرقابة على سياسات الرئيس دونالد ترمب، في مقابل القيود التي ستواجه المشرعين عند محاولة تغيير أجندته.
تعرضت أسهم التكنولوجيا الآسيوية والدولار لضغوط في البداية، بينما ارتفعت سندات الخزانة الأميركية، مع دفع احتمالات الجمود السياسي في واشنطن المستثمرين إلى إعادة النظر في رهاناتهم المرتبطة بتوجهات ترمب نحو تخفيف القيود التنظيمية، وخفض الضرائب، والتوسع السريع في الذكاء الاصطناعي.
قد يسعى الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون إلى تكثيف الرقابة على إنشاء مراكز البيانات والطعن في بعض جوانب الأجندة الاقتصادية لترمب. لكن امتلاك الرئيس سلطة النقض (الفيتو) سيحد من قدرة المشرعين على تمرير تغييرات واسعة في السياسات، وهو ما ساعد الأسهم الكورية على محو خسائرها.
فيما يلي نظرة على كيفية تفاعل الأسواق مع نتائج الانتخابات الأميركية:
الذكاء الاصطناعي
يدرس المستثمرون احتمالات تشديد الرقابة على قطاع التكنولوجيا، وما قد يترتب على ذلك من تأخير في إنشاء مراكز البيانات بالولايات المتحدة. وقد جعل مرشحو الحزبين مراكز البيانات أحد محاور الانتخابات، ما أضاف إلى المخاوف القائمة بشأن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والعوائد المتوقعة منه.
وتصدر مؤشر نيكاي 225 الياباني، الذي يضم وزناً كبيراً لأسهم التكنولوجيا، التراجعات بعدما هبط بنحو 5% قبل أن يقلص خسائره. كما محا مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي تراجعاً وصل إلى 4%، مع انخفاض سهمي “سامسونغ إلكترونيكس” و”إس كيه هاينكس” بنحو 1% لكل منهما. كذلك قلص مؤشر تايكس التايواني خسائره إلى 0.8%.
قال تومو كينوشيتا، استراتيجي الأسواق العالمية لدى “إنفيسكو لإدارة الأصول”، إن التوقعات بسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس أثارت مخاوف بشأن تشديد الرقابة على الذكاء الاصطناعي، ما ضغط على الأسهم المرتبطة بالقطاع في أنحاء آسيا.
وأضاف: “مع ذلك، يبدو أن رد فعل الأسواق مبالغ فيه إلى حد ما. فحتى إذا أقر الكونغرس المقبل تشريعات لتشديد تنظيم الذكاء الاصطناعي، سيظل بإمكان الرئيس ترمب استخدام حق النقض ضدها”.
الطاقة النظيفة
قفزت أسهم شركات الطاقة الشمسية، مع رهان المستثمرين على أن اكتساح الديمقراطيين قد يبطئ بعض الإجراءات التي اتخذها ترمب وتستهدف مشروعات الطاقة النظيفة، أو يعكس مسار بعضها، بما قد يصب في مصلحة شركات الطاقة الشمسية والبطاريات وشبكات الكهرباء الآسيوية التي لديها انكشاف على السوق الأميركية.
وارتفع سهم “هانوا سوليوشنز” الكورية الجنوبية بنسبة تصل إلى 22%، فيما صعد سهما “إتش دي هيونداي إنرجي سوليوشنز” و”أو سي آي هولدينغز” بما لا يقل عن 12% لكل منهما.
كما ارتفعت أسهم شركات الطاقة الشمسية الأميركية على منصة “بلو أوشن” للتداول البديل. وصعد سهما “إنفيس” و”سولار إيدج تكنولوجيز” بنسبة وصلت إلى 12%، فيما ارتفع سهما “فيرست سولار” و”سن رن” بنسبة 11% و8.7% على التوالي.
الدولار وسندات الخزانة
تراجع الدولار أمام جميع عملات مجموعة العشر، وسط مخاوف من أن يؤدي اكتساح الديمقراطيين إلى تقويض جاذبية الاستثنائية الأميركية، خصوصاً إذا أثرت زيادة الرقابة على استثمارات الذكاء الاصطناعي سلباً على النمو الاقتصادي.
وهبط مؤشر بلومبرغ للدولار بنسبة وصلت إلى 0.4%، وهو أكبر تراجع له في شهر، بينما ارتفع الفرنك السويسري والين الياباني مع اتجاه المستثمرين إلى الأصول التي تُعد ملاذات آمنة نسبياً.
في المقابل، ارتفعت سندات الخزانة الأميركية، مع تراجع العوائد على مختلف آجال الاستحقاق، وسط رهانات على أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تقيد أجندة ترمب المتعلقة بالضرائب والإنفاق، ما يقلص احتمالات التحفيز المالي وزيادة الاقتراض الحكومي.
وهبطت عوائد السندات لأجل خمس سنوات بما يصل إلى 9 نقاط أساس إلى 4.68%، فيما تراجعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات بواقع 7 نقاط أساس إلى 4.89%، قبل أن تقلص جانباً من خسائرها.
العملات المشفرة
تراجعت العملات المشفرة بالتوازي مع الأصول عالية المخاطر، بعدما أثارت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية شكوكاً بشأن فرص تمرير التشريعات التي يحظى القطاع بدعمها، قبل أن تمحو معظم خسائرها.
وكان ترمب من أبرز الداعمين للقطاع، إذ تعهد بجعل الولايات المتحدة “عاصمة العملات المشفرة في العالم”، وإنشاء احتياطي استراتيجي من بتكوين، وتخفيف الضغوط التنظيمية، بما يمهد لبيئة أكثر دعماً للأصول الرقمية.
وهبطت بتكوين بنسبة وصلت إلى 2.8% إلى ما دون 76 ألف دولار مع ظهور نتائج الانتخابات، فيما تراجعت سولانا أيضاً. وجاء ذلك في وقت كانت فيه العملات المشفرة تتعرض بالفعل لضغوط جراء خروج تدفقات من صناديق بتكوين المتداولة في البورصة، وتداعيات الاختراق القياسي الذي تعرضت له منصة “باينانس” الأسبوع الماضي.
النفط وإيران
حافظت أسعار النفط على تراجعاتها الأخيرة، بينما يقيّم المستثمرون فرص تجدد جهود السلام بين الولايات المتحدة وإيران.
وتداول خام برنت قرب مستوى 104 دولارات للبرميل، ما يوفر بعض الارتياح للاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة بعد أسابيع من الأسعار المرتفعة. وجاء التراجع الأخير مدفوعاً باستئناف التحركات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، رغم استمرار المخاوف من تجدد الضربات الأميركية بعد انتخابات التجديد النصفي.
وقد تؤدي سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس إلى زيادة الضغوط على إدارة ترمب بشأن الحرب، لكنها لن تمنح المشرعين سلطة تحديد السياسة العسكرية أو الخارجية الأميركية. وهو ما يبقي النفط عاملاً رئيسياً يصعب التنبؤ بتأثيره في الأسواق الآسيوية، خصوصاً الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد مثل الهند.
الذهب والنحاس
واصل النحاس خسائره الأخيرة، مع زيادة نتائج الانتخابات من عزوف المستثمرين عن المخاطرة وإثارتها تساؤلات بشأن ركيزتين أساسيتين وراء موجة صعود المعدن هذا العام: طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وخطط ترمب للرسوم الجمركية.
وهبط المعدن بنسبة وصلت إلى 1.5% يوم الأربعاء، مع إعادة المستثمرين تقييم طفرة الإنفاق على مراكز البيانات وشبكات الكهرباء. كما يدرس المتعاملون مستقبل الرسوم الجمركية التي اقترح ترمب فرضها على النحاس المكرر، والتي دفعت كميات ضخمة من المعدن إلى الولايات المتحدة وأسهمت في وصول الأسعار إلى مستويات قياسية هذا العام.
في المقابل، يقيّم متداولو الذهب ما إذا كان الأداء القوي للديمقراطيين قد يقيد الأجندة المالية لترمب ويحد من توقعات زيادة الإنفاق الحكومي. وارتفعت أسعار المعدن الأصفر بنسبة وصلت إلى 2.1% لتتجاوز 4 آلاف دولار للأونصة، مع محو تراجع محدود سجلته خلال الجلسة السابقة.



