رئيس ستاندرد تشارترد: نموذج المشاريع السعودية نجح والمطلوب تطويره

اعتبر بيل وينترز، الرئيس التنفيذي لمجموعة “ستاندرد تشارترد”، أن النموذج الذي اعتمدته السعودية لتنفيذ مشاريعها العملاقة عبر إسناد المخاطر الأساسية في كثير من الحالات إلى الحكومة أو “صندوق الاستثمارات العامة”، حقق نجاحاً كبيراً على المدى القصير، لكن استدامته تتطلب الانتقال إلى نموذج أكثر تركيزاً، نظراً لحجم اقتصاد المملكة واتساع نطاق مشاريعها.
وأوضح وينترز في مقابلة خاصة مع “الشرق بلومبرغ” في دبي أجرتها الإعلامية صبا عودة، أن السعودية أطلقت “مجموعة واسعة من المشاريع في الفترة نفسها تقريباً، وسعت إلى تنفيذها بالتزامن”، معتبراً أن الضمانات والمخاطر الأساسية أُسندت في كثير من الأحيان إلى الدولة، ما أدى إلى “تركز المخاطر”.
وأضاف الرجل الذي يتولى قيادة المجموعة المصرفية منذ يونيو 2015، بعدما أمضى 26 عاماً لدى بنك “جي بي مورغان” الأميركي، أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير مشاريع قادرة على جذب التمويل بصورة مستقلة، بالاعتماد على جدواها الاقتصادية الخاصة، بدلاً من استمرار ارتباط جدارتها الائتمانية بالدولة.
قد يهمك أيضاً: “جيفريز”: السعودية قد تجمع 12 مليار دولار من أسواق الدين الدولية قبل نهاية 2026 رغم الحرب
لكن الانتقال إلى نموذج تمويل أكثر استقلالية يحتاج إلى وقت، بحسب وينترز، بما يشمل اختبار الأطر القانونية عبر المحاكم، لضمان معالجة المشكلات التي قد تواجه المشاريع بصورة متماسكة، من دون أن تنتقل المسؤولية مجدداً إلى الدولة.
السعودية تعيد ترتيب أولويات المشاريع الكبرى
تتسق تصريحات وينترز مع توجه السلطات السعودية، حيث تأتي في وقت تعيد مؤسسات مثل “صندوق الاستثمارات العامة” ترتيب أولويات الإنفاق على عدد من مشاريعها الكبرى، مع تزايد التركيز على الجدوى الاقتصادية والإنتاجية والتنافسية.
وقال وزير الاستثمار فهد آل سيف في أكتوبر، إن المملكة تنتقل “من الكم إلى النوعية”، مستفيدة من البنية التحتية التي طورتها خلال السنوات الماضية لربط الاستثمارات بسلاسل القيمة العالمية.
وفي تقييم صدر في أكتوبر، توقعت وكالة “موديز” أن تسهم إعادة ترتيب أولويات الإنفاق في حماية المركز المالي للمملكة ومواصلة التنويع الاقتصادي، من خلال توجيه رأس المال نحو المشاريع الأعلى عائداً والأكثر كفاءة.
اقرأ أيضاً: موديز: إعادة ترتيب مشاريع رؤية 2030 تحمي القوة الائتمانية للسعودية
ورجحت الوكالة أن يواصل “صندوق الاستثمارات العامة” وشركات محفظته قيادة الاستثمارات في المراحل المبكرة، قبل زيادة الاعتماد على الاستثمارات المشتركة مع القطاع الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص، عندما تصبح المشاريع الناضجة قادرة على توليد تدفقات نقدية تجذب مستثمرين جدداً.
استثمارات دولية مرتقبة في الطاقة السعودية
رغم التحديات المرتبطة بتمويل المشاريع الكبرى، توقع وينترز أن تجذب السعودية مزيداً من الاستثمارات الدولية إلى قطاع الطاقة، مستفيدة من إمكاناتها الكبيرة في الطاقة الشمسية والوقود الأحفوري، والحاجة إلى تطوير بنية تحتية أكثر قدرة على الصمود.
وقال إن المملكة لم تكن بحاجة إلى جذب استثمارات دولية كبيرة لدعم البنية التحتية لقطاع الطاقة بمعناه الواسع خلال السنوات الماضية، لكنه يرى أن هذه الاستثمارات ستأتي أيضاً في المرحلة المقبلة.
وأبدى ثقته باستمرار الأداء القوي للاستثمارات التي نفذتها السعودية في قطاعات الضيافة والبنية التحتية والمدن الجديدة والطيران والمطارات، مشيراً إلى اتساع نطاق الفرص الاستثمارية في هذه المجالات.
اقرأ أيضاً: ماذا تخبرنا حفلة فضل شاكر ورحلة في مترو الرياض عن اقتصاد السعودية غير النفطي
وتسعى السعودية إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لدعم مشاريع التنويع الاقتصادي ضمن “رؤية 2030″، في ظل الاحتياجات التمويلية الكبيرة وتوجه المملكة إلى تعزيز دور القطاع الخاص.
وأظهرت البيانات السنوية ارتفاع التدفقات الداخلة للاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 34% خلال 2025 إلى 159.1 مليار ريال، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة إلى 1.06 تريليون ريال.
اهتمام صيني بالاستثمار
في ما يتعلق بالاستثمارات الصينية، قال وينترز إن الشركات الصينية أظهرت استعداداً كبيراً للاستثمار عندما تتوافق الفرص مع أهدافها الاستراتيجية، مشيراً إلى اهتمامها بإقامة علاقات قوية مع السعودية ودول الخليج.
وأوضح أن البنك شهد زيارات مكثفة لوفود صينية إلى السعودية والإمارات، بعدد يضاهي الزيارات القادمة من أي منطقة أخرى في العالم، معتبراً أن هذا الاهتمام له أبعاد اقتصادية ودبلوماسية وجيوسياسية.
وتشمل الفرص المتاحة أمام الشركات الصينية قطاعات الطاقة التقليدية، بما فيها استخراج الوقود الأحفوري ومعالجته، إلى جانب الطاقة المتجددة، في ظل هيمنة الصين على إنتاج الخلايا الكهروضوئية المخصصة للتصدير، وجزء كبير من البنية التحتية المرتبطة بتوليد الكهرباء.
قد يهمك أيضاً: تحالف صيني سعودي يفوز بعقد بـ1.15 مليار ريال في “استاد الأمير محمد بن سلمان” في القدية
وأشار إلى أن المشاريع المرتبطة بالطاقة تتحرك بوتيرة سريعة، وأن ترتيبات تمويلها واضحة ومباشرة نسبياً، مستفيدة من العدد الكبير من الصفقات التي أُبرمت في القطاع على مدى سنوات.
لكنه شدد على أن تحويل الاهتمام الصيني إلى مشاريع قادرة على جذب التمويل بصورة مستقلة يتطلب “تحقيق نجاحات كافية في تنفيذ المشاريع ضمن الجداول الزمنية والميزانيات المحددة، وبعوائد اقتصادية جيدة، من دون الاعتماد على دعم السلطات المركزية أو الخزانة العامة بأي شكل من الأشكال”.
الإقبال الصيني على المملكة لا يقتصر على زيارات الوفود، إذ تعكس بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر تنامي العلاقات الاستثمارية بين البلدين. وارتفعت التدفقات الوافدة من الصين إلى السعودية بنسبة 176% خلال 2025 لتصل إلى 6.2 مليار ريال.
كما تتزايد مشاركة المصارف الصينية في تمويل شركات الطاقة الخليجية، إذ جمعت “قطر للطاقة” قرضاً بقيمة 3 مليارات دولار في أكتوبر، جاء معظمه من مجموعة بنوك صينية، فيما ضمت مجموعة البنوك التي تجري محادثات لتوفير تسهيل ائتماني متجدد بقيمة 10 مليارات دولار لـ”أرامكو السعودية” بنكين صينيين، بحسب معلومات نشرتها “بلومبرغ”.
الخليج يعزز استثمارات البنية التحتية
على مستوى الخليج، قال وينترز إن اقتصادات المنطقة أظهرت قدرة كبيرة على الصمود أمام الصدمات المباشرة الناجمة عن الصراع، رغم ارتفاع أسعار الطاقة والفائدة واضطرابات سلاسل الإمداد.
وتوقع أن تدفع حرب إيران دول المنطقة إلى تعزيز حماية بنيتها التحتية الحيوية، بعدما أصبحت المخاطر التي تواجه مراكز البيانات ومحطات تحلية المياه أكثر وضوحاً، ما يستدعي بذل جهود كبيرة لتعزيز قدرة هذه المرافق على الصمود خلال الصراع، على أن تتطلب المرحلة التالية بناء “قدرة هيكلية أكبر على الصمود”، تشمل تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق والممرات البحرية الحيوية، وتوفير مسارات متعددة لنقل البضائع من المنطقة وإليها، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني وحماية مراكز البيانات.
قد يهمك أيضاً: صندوق النقد: السعودية وعُمان تتميزان خليجياً بنمو الاقتصاد غير النفطي
وتتقاطع هذه التوقعات مع توجه السعودية والإمارات بشكل رئيسي نحو تعزيز مسارات تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، بعدما أبرزت حرب إيران أهمية خطوط الأنابيب والموانئ البديلة في ضمان استمرار تدفق الإمدادات.



