اخر الاخبار

بين نفقات الاستهلاك وأسعار المستهلكين: أي مؤشر يحسم قرار الفيدرالي؟

استغل رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش فرصته الأخيرة قبل فترة الصمت التي تسبق اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في أكتوبر، ليشير إلى أن البنك المركزي الأميركي ليس في عجلة من أمره لرفع أسعار الفائدة، حتى بعد أن جاءت بيانات مؤشري أسعار المستهلكين وأسعار المنتجين لشهر سبتمبر مرتفعة.

ويعود السبب في ذلك إلى أن وارش قال إنه يولي “الاتجاهات” اهتماماً أكبر من بيانات أي شهر بمفرده. ويشير مؤشره المفضل لاتساع نطاق التضخم إلى أن الاتجاه يسير نحو التباطؤ، لا التسارع.

إضافة إلى ذلك، بدت تداولات الذكاء الاصطناعي أكثر اهتزازاً في الأسابيع الأخيرة مع تشدد الأوضاع المالية. ونتوقع أن يمتد هذا التذبذب على الأقل حتى نهاية العام. وإذا أضفنا إلى ذلك حالة عدم اليقين الناجمة عن انتخابات التجديد النصفي، فإننا لا نزال نعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي سيُبقي أسعار الفائدة دون تغيير خلال ما تبقى من العام.

جاءت قراءات مؤشر أسعار المستهلكين ومؤشر أسعار المنتجين لشهر سبتمبر مرتفعة. واستناداً إلى هذه المدخلات، نقدّر أن التضخم العام وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي ارتفع 0.51% على أساس شهري في سبتمبر (مقابل 0.31% في القراءة السابقة)، مع صعود المعدل السنوي إلى 3.6% (مقابل 3.4% سابقاً).

اقرأ أيضاً: وارش يتجنب حسم مسار الفائدة والأسواق ترجح إبقاءها دون تغيير

يُرجّح أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي تسارع بـ0.34% (مقابل 0.25% سابقاً)، مع صعود المعدل السنوي إلى 3.1% (مقابل 3.0% سابقاً).

وهذا يعني أن التضخم المحسوب على أساس سنوي تسارع إلى 4.2% على أساس شهر واحد (مقابل 3.0% سابقاً)، و2.9% على أساس ثلاثة أشهر (مقابل 2.0%)، و2.9% (مقابل 2.7%) على أساس ستة أشهر.

مؤشر الاحتياطي الفيدرالي المفضل

غير أن المؤشر المفضل لدى وارش، وهو حصة مكونات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الذي ارتفع بأكثر من 3%، يُظهر تراجع اتساع نطاق التضخم. وفي خطابه في جاكسون هول، ذكر وارش مقياسَي الأشهر الستة والاثني عشر لهذا المؤشر بوصفهما “اتجاهات” يهتم بها.

طالع أيضاً: وارش تحت ضغط التضخم.. هل يرفع الفيدرالي الفائدة في أكتوبر؟

نقدّر أن مؤشر الاثني عشر شهراً سينخفض قليلاً إلى 48% في سبتمبر من 52%، ضمن نطاق مرجّح بين 46% و50%. وعلى أساس سنوي لفترة ستة أشهر، يُفترض أن ينخفض من 45% إلى 43%، ضمن نطاق بين 42% و44%.

تقارب المؤشرين العام المقبل

تباعد مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي ومؤشر أسعار المستهلكين بشكل حاد هذا العام، إذ يتجه مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي إلى الارتفاع 3.1% على أساس سنوي في سبتمبر، في حين ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي 2.6%. واعتباراً من أكتوبر، يُفترض أن يتجه مؤشر أسعار المستهلكين نحو الارتفاع حتى الربع الأول من 2027، مدعوماً بنحو 30 نقطة أساس بفعل آثار سنة الأساس الناجمة عن الإغلاق الحكومي في الخريف الماضي، قبل أن ينخفض صوب 2.5% في أبريل 2027، عندما يزول هذا التشوه.

في غضون ذلك، تبدو العوامل التي دفعت مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي إلى الارتفاع، ولا سيما البرمجيات ورقائق الذاكرة، في طريقها إلى بلوغ ذروتها. ويشير ذلك إلى أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي سيتقارب مع مؤشر أسعار المستهلكين العام المقبل.

إجمالاً، تشير مؤشرات التضخم المختلفة إلى أن التضخم الكامن يدور حول 2.5%-2.6%. ولا يزال ذلك أعلى من المستهدف، لكنه أقل إثارة للقلق مما يوحي به التضخم العام وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، ولا يشير إلى أي حاجة ملحّة لرفع أسعار الفائدة في اجتماعين متتاليين.

تشدد الأوضاع المالية

إضافة إلى ذلك، بدت تداولات الذكاء الاصطناعي أكثر اهتزازاً في الأسابيع الأخيرة، ويعود ذلك جزئياً إلى الارتفاع الحاد في عوائد السندات طويلة الأجل. ونقدّر أن نحو نصف الارتفاع في العوائد طويلة الأجل يعكس ارتفاع علاوة الأجل، وهو ما يشدد الأوضاع المالية بمعزل عن الاحتياطي الفيدرالي. ومع اقتران ذلك بخطر حدوث تصحيح في السوق بعد انتخابات التجديد النصفي، يُفترض أن يُخرج ذلك أي زيادات إضافية في أسعار الفائدة من الحسابات هذا العام.

وارش: الذكاء الاصطناعي سيزيد ثروة الاقتصاد لكن الطريق لن يكون سلساً

خلاصة القول: يُرجّح أن تأتي قراءة مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي لشهر سبتمبر مرتفعة، لكن الصورة الإجمالية للتضخم أكثر تعقيداً. ونعتقد أن الوتيرة الكامنة للتضخم تدور حول 2.5%-2.6%، وهي ليست مقلقة بما يكفي لتبرير رفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس إضافية الذي تسعّره السوق حتى العام المقبل.

تلميح وارش إلى الإبقاء على الفائدة

جاءت تصريحات وارش في بانكوك رغم أن موظفي الاحتياطي الفيدرالي أطلعوه على الأرجح بالفعل على مدى السوء الذي قد تظهر عليه قراءة مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر سبتمبر في 29 أكتوبر، أي بعد يوم من القرار التالي للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بشأن أسعار الفائدة.

اقرأ أيضاً: ترمب يطالب بخفض الفائدة إلى 1% أو أقل بعد قرار “الفيدرالي”

واستناداً إلى مدخلات مؤشرَي أسعار المستهلكين والمنتجين، نقدّر أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي سيتسارع إلى 3.1% على أساس سنوي. ويمتد هذا الارتفاع إلى مؤشرات أخرى لتضخم أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي: فعلى سبيل المثال، يُرجّح أن التضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي القائم على أسعار السوق ارتفع إلى 3.2% على أساس سنوي (مقابل 3.0% سابقاً)، في حين زادت أسعار الخدمات الأساسية باستثناء السكن، أو ما يُعرف بالتضخم فائق الأساس، بوتيرة شهرية بلغت 0.4% في سبتمبر.

قفزة تكاليف النقل

يعود جزء كبير من الزيادة إلى ارتفاع تكاليف الوقود التي تؤثر في خدمات النقل. ويُرجّح أن أسعار تذاكر الطيران قفزت 6.0% (مقابل 3.2% في أغسطس)، مع مواصلة شركات الطيران تمرير تكاليف وقود الطائرات إلى المستهلكين. ويُفترض أن تقفز أسعار النقل داخل المدن، مثل النقل العام وخدمات مشاركة الركوب، 2.2% (مقابل 0.8% سابقاً)، في حين تتجه أسعار النقل بين المدن إلى الارتفاع 1.5% (مقابل -0.2% سابقاً).

تسارع تضخم السلع أيضاً، ويُرجّح أن أسعار المركبات وقطع غيارها ارتفعت 0.3% (مقابل 0.0% سابقاً)، بقيادة السيارات المستعملة. ومن المرجح أن تقفز أسعار الألعاب 4.2% (مقابل -2.3% سابقاً).

غير أن هناك جانباً إيجابياً، إذ يبدو أن التضخم المدفوع بالذكاء الاصطناعي آخذ في الاعتدال. ويبدو أن البرمجيات الحاسوبية، التي قادت معظم الزيادة في تضخم مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي حتى الآن هذا العام، بلغت ذروتها.

تباعد مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي ومؤشر أسعار المستهلكين الأساسي خلال معظم هذا العام. وعند نحو 0.6 نقطة مئوية، لم تبلغ الفجوة بينهما هذا الحجم إلا في 4% من الأشهر منذ 1960.

يتمثل المستهدف الرسمي للاحتياطي الفيدرالي في التضخم العام وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، لكن صانعو السياسات النقدية يستخدمون مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي مقياساً لضغوط الأسعار الكامنة. وبعد أن خفّضت المراجعات الأخيرة تضخم مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي لشهر أغسطس بمقدار 36 نقطة أساس، ربما يتساءل البعض عمّا إذا كان مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي أم مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي هو الأقرب إلى الحقيقة.

قد يهمك: تضخم أسعار المنتجين الأميركيين يقفز بأسرع وتيرة في أكثر من أربع سنوات

يتمثل أحد الاختبارات في معرفة أي المقياسين سيتقارب في نهاية المطاف مع الآخر: فخلال ما تبقى من 2026 وحتى الربع الأول من 2027، نتوقع أن يبدو الأمر وكأن مؤشر أسعار المستهلكين يتجه نحو مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي. لكن جزءاً كبيراً من هذا التقارب سيكون مصطنعاً.

أثر الإغلاق الحكومي

اعتباراً من الربع الأخير من 2026، سيتلقى مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي دعماً من آثار سنة الأساس الناجمة عن الإغلاق الحكومي في أكتوبر ونوفمبر الماضيين، حين أدرج مكتب إحصاءات العمل تقديراً صفرياً لتضخم الإيجارات لأنه لم يتمكن من جمع البيانات الأساسية.

ومن خلال بناء سيناريو افتراضي باستخدام ملايين الملاحظات التي جُمعت عبر مشروع بلومبرغ للأسعار (BPP)، نقدّر أن ذلك سيرفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي على أساس سنوي بصورة مصطنعة بنحو 30 نقطة أساس، ليدفعه إلى 2.8% في الربع الأخير من 2026.

لن يحصل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي على الدفعة نفسها، لأن مكتب التحليل الاقتصادي عالج بيانات أكتوبر 2025 المفقودة بأسلوب التمهيد، كما أنه يمنح الإيجارات وزناً أقل. وسيستمر التشوه في مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي حتى مارس المقبل، لكن عندما يزول أثر سنة الأساس المرتبط بالإغلاق في أبريل، نتوقع أن يتراجع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي بحدة، على الأرجح إلى 2.4% أو أقل.

سيسير التقارب الأكثر هيكلية، من وجهة نظرنا، في الاتجاه المعاكس، أي تحرك مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي نحو قراءة مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي الأدنى.

نشأ جزء كبير من التباعد بين المؤشرين خلال النصف الأول من 2026، إذ استحوذت فئة السلع الترفيهية والمركبات، وهي فعلياً البرمجيات الحاسوبية، على حصة كبيرة من الفجوة.

منذ تحديث منهجية مكتب التحليل الاقتصادي في سبتمبر، لم تعد البرمجيات الحاسوبية تسهم في تضخم مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي بقدر يقارب ما كانت تسهم به سابقاً. ولن نُفاجأ إذا أدت المراجعات المستقبلية إلى خفض تضخم مؤشر أ|سعار نفقات الاستهلاك الشخصي أكثر، مع إجراء الهيئات الإحصائية تعديلات لمراعاة تحسينات الجودة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.

ذروة رقائق الذاكرة

يُفترض أن يتلاشى قريباً مصدر آخر للضغوط على مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، إذ نقدّر أن التضخم المدفوع بأسعار رقائق الذاكرة سيبلغ ذروته في أكتوبر-نوفمبر.

يشير التغيير في طريقة قياس البرمجيات وبلوغ تضخم أسعار رقائق الذاكرة ذروته، مجتمعَين، إلى تراجع أكثر حدة في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي مطلع العام المقبل.

لا يُرجّح أيضاً أن تولّد العوامل الرئيسية الأخرى المساهمة في ارتفاع قراءات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي مقارنة بمؤشر أسعار المستهلكين، وهي الرعاية الصحية والخدمات المالية والتأمين، قدراً كبيراً من الضغوط التضخمية اللاحقة، كما أن لبعضها في بعض الحالات خصوصياته الذاتية في القياس.

“بلومبرغ إيكونوميكس”: قرار رفع الفائدة الأميركية أقل حسماً مما توحي به الأسواق

تكتسب تكاليف الرعاية الصحية والتأمين أهمية خاصة، إذ يرصد مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي التكاليف التي يدفعها أصحاب العمل نيابة عن الموظفين. ومن المرجح بدرجة أكبر أن يدفع ارتفاع تكاليف المزايا الوظيفية أصحاب العمل إلى التردد في التوظيف في ظل سعيهم إلى احتواء تكاليف العمالة، وهو ما نلاحظه في محاضر مؤتمرات إعلان الأرباح. ويؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إضعاف الطلب على العمالة وضغوط الأسعار، بدلاً من توليد ذلك النوع من الضغوط التضخمية اللاحقة الناجمة عن دفع التكاليف، الذي من شأنه أن يستدعي مزيداً من التشديد من جانب الاحتياطي الفيدرالي.

منهجية الخدمات المالية

تُعد الخدمات المالية حالة غريبة أخرى: فبموجب المنهجية الجديدة لمكتب التحليل الاقتصادي، ترتبط كمية خدمات إدارة المحافظ أساساً بالتوظيف وساعات العمل في القطاع، في حين يُستمد السعر ضمنياً من الإيرادات الاسمية نسبةً إلى مدخلات العمل تلك. ويبدو ذلك شبيهاً إلى حد كبير بمقياس لإنتاجية العمل.

يساعد ارتفاع الإنتاجية عادةً في تخفيف ضغوط التضخم. لكن في هذه الحالة، إذا ارتفعت الإيرادات بوتيرة أسرع من التوظيف وساعات العمل، فإن تضخم مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي المسجل محكوم آلياً بالارتفاع.

إذن، أي المؤشرين أقرب إلى الحقيقة؟ ربما يكون هذا هو السؤال الخطأ. فقد قال وارش إن “المصرفي المركزي الحديث ينبغي أن تكون لديه فسيفساء من المعلومات”. وتشير هذه الفسيفساء إلى أن الوتيرة الكامنة للتضخم أقرب حالياً إلى 2.5%-2.6%.

يتجاوز ذلك المستهدف البالغ 2%، لكنه أقل إثارة للقلق بكثير من القراءة الحالية لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي. والأهم من ذلك أنه لا يبرر رفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس إضافية الذي تسعّره الأسواق حتى 2027.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *