ديفيد فيكلينغ: أوروبا تتبنى سياسة خاطئة حيال “صنع في الصين”

إذا كان الجنون يعني تكرار الفعل نفسه مراراً وتكراراً مع توقع نتائج مختلفة، فكيف يمكن تفسير خطوات التصعيد في الحرب التجارية التي لاحت في الأفق بين الاتحاد الأوروبي والصين؟
تهدف المقترحات الأخيرة التي تقدمت بها فرنسا وألمانيا، وفق أهدافها المعلنة، إلى تزويد بروكسل بأدوات لدعم الصناعات المحلية تضاهي في قوتها تلك التي تستخدمها واشنطن منذ ولاية ترمب الأولى.
ففي رسالة وجهها البلدان الأسبوع الماضي إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، دعوا إلى تعديل القواعد بما يتيح لبروكسل وقف الواردات من دول بعينها، ما لم تعترض أغلبية الدول الأعضاء. ويذهب هذا المقترح، في صيغته الأوسع، إلى مدى أبعد من أي إجراء سبق أن فكر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
الحمائية الأميركية تعجز عن تحقيق أهدافها
اتسمت السياسة التجارية الأميركية بلا شك بالصرامة، لكن نتائجها على أرض الواقع تكشف عن فشل ذريع. وكما كتب زميلي سكوت لينسيكوم، أخفقت الإجراءات الأميركية في تحقيق كافة أهدافها الرئيسية تقريباً، فقد عززت قوة الصين التجارية بدلاً من تقويضها.
ورغم نجاح القيود في تقليص واردات السلع الصينية تامة الصُنع، إلا أن إزالة ملصق “صُنع في الصين” لم يُحدث سوى تأثير سطحي، إذ ظلت نسبة المكونات الصينية في السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة دون تغير يُذكر.
فائض الصين التجاري مع أوروبا يبلغ مستوى قياسياً مع زيادة الخلافات
ورفعت الرسوم الجمركية الأعباء المالية على الأسر الأميركية، وثنتها عن شراء التقنيات النظيفة التي تتفوق فيها الصين. والأسوأ أن شركات صناعة السيارات الأميركية، بدلاً من استغلال الحماية الحكومية للحاق بركب صناعات المستقبل، ضاعفت رهانها على إنتاج سيارات تقليدية شرهة للوقود، موجهة إلى سوق محلية محمية من المنافسة الأجنبية.
تبدو هذه الحصيلة محبطة بصورة خاصة عند مقارنتها بأداء أوروبا. فرغم أن عجز الاتحاد الأوروبي عن بناء قطاع تكنولوجي يضاهي نظيره الأميركي يمثل عبئاً كبيراً على اقتصاده، فإنه تفوق على الولايات المتحدة في التصنيع. فبعد عقد من القيود التجارية، أصبح القطاع الصناعي الأميركي أصغر مما كان عليه في عام 2017، بينما واصلت الصناعة الأوروبية النمو، وإن كان بوتيرة لا ترقى إلى مستوى الطفرة.
الوظائف الصناعية تكشف تباين أداء أوروبا وأميركا
يتكرر النمط ذاته في سوق العمل. فقد انهارت الوظائف الصناعية في الولايات المتحدة خلال جائحة كوفيد-19، ولم تتعافَ فعلياً منذ ذلك الحين. في المقابل، كان التراجع أقل حدة بكثير في الاتحاد الأوروبي، الذي يضم قطاع التصنيع فيه نحو 32 مليون عامل، أي أكثر من ضعف عدد العاملين في نظيره الأميركي، البالغ 15 مليوناً.
ورغم أن دول “قلب أوروبا”، ولا سيما ألمانيا، عانت بلا شك من وطأة أكبر للأزمة، إلا أن ذلك يعود إلى انتقال فرص العمل نحو مناطق أخرى تشهد ازدهاراً داخل التكتل، مثل إسبانيا وبولندا.
وتكمن خطورة إساءة فهم هذه التطورات في أن أوروبا قد تخلط بين مشكلات حفنة من شركات صناعة السيارات وأوضاع قطاع التصنيع بأكمله، ما يدفعها إلى المبالغة في تقدير حجم التهديد الصيني، وكذلك قدرتها على حشد أدوات الضغط إذا تصاعدت التوترات إلى مواجهة تجارية شاملة.
القيود على الواردات تهدد اقتصاد أوروبا
تُعد الولايات المتحدة حالة استثنائية بين الاقتصادات الكبرى من حيث ضعف قطاع التصدير لديها قياساً إلى حجم الاقتصاد ككل. فلا تتجاوز مساهمة صادرات السلع والخدمات 11% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تقل حتى عن نظيرتها في طاجيكستان والكاميرون، اللتين لا تُصنفان ضمن القوى التجارية الكبرى. ولهذا، تمتلك الولايات المتحدة قدرة أفضل من معظم الدول الأخرى على تجاوز تداعيات سياسات تجارية كارثية.
على النقيض تماماً، تشكل صادرات الاتحاد الأوروبي 23% من ناتجه المحلي الإجمالي، ما يجعلها ركيزة اقتصادية أكثر أهمية مما هي عليه في الصين، التي تبلغ فيها هذه النسبة 21%.
وهنا تكمن خطورة المقترح الفرنسي الألماني، إذ إن آلية وقف الواردات التي يدعو إليها لن تعزز الصناعة الأوروبية، بل ستلحق ضرراً بالغاً باقتصاد التكتل نفسه.
يرجع ذلك إلى أن الجانب الذي شهد نمواً في التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة لم يأتِ من السلع الاستهلاكية التي تحمل عبارة “صنع في الصين”، بل من المعدات الصغيرة والمكونات التي تشتريها الشركات الأوروبية لاستخدامها في تصنيع منتجاتها، ويُصدَّر كثير منها لاحقاً.
وتشكل هذه السلع الوسيطة نحو نصف واردات أوروبا من الصين، مقارنة بأقل من الثلث في الولايات المتحدة حين أطلق ترمب الجولة الأولى من الحروب التجارية عام 2018.
أوروبا تخاطر بصناعاتها بتقييد الواردات الصينية
من شأن وقف الواردات إلحاق ضرر بالصناعات الأوروبية يفوق ما قد تتكبده نظيراتها الصينية، إذ تستحوذ الصين على أكثر من 27% من واردات أوروبا من السلع الوسيطة، وهي نسبة تتجاوز بكثير أعلى مستوى سجلته الولايات المتحدة على الإطلاق. وتعتمد استمرارية خطوط الإنتاج على الوصول من دون قيود إلى المكونات والمدخلات الأساسية، وهو ما يهدده المقترح الفرنسي – الألماني.
لنتذكر الفوضى التي أحدثها وقف الصين صادرات مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة إلى الأسواق العالمية العام الماضي، وسط نزاع تجاري مع واشنطن. ثم لنتخيل تكرار تلك الفوضى على نطاق أوسع بكثير من المنتجات، لكن بتحرك من بروكسل هذه المرة، لا بكين.
فالعلاقات التجارية بين أوروبا والصين أعمق وأكثر تشابكاً مما توحي به مجرد إحصاءات أعداد سيارات “إكس بنغ” (XPeng) التي تسير على طرق الدنمارك. وإذا كان القادة الأوروبيون حريصين حقاً على الوظائف والقدرة التنافسية، أكثر من حرصهم على الكبرياء والعناوين الصحفية، فعليهم التفكير ملياً قبل الاقتداء بالنهج الأميركي الكارثي.



