اخر الاخبار

“جيفريز”: الإصلاحات تحمي اقتصادات المنطقة من صدمات الحرب

يشكل الالتزام بالإصلاحات المالية والنقدية ركيزة لحماية اقتصادات الشرق الأوسط من تداعيات حرب إيران والحفاظ على ثقة المستثمرين، بحسب علياء مُبيّض، كبيرة الاقتصاديين في شركة “جيفريز” (Jefferies)، التي رأت أن السندات السعودية لا تزال تحظى بطلب يدعم قدرتها على الصمود، وأن استمرار مرونة سعر الصرف يمثل عاملاً أساسياً لثقة المستثمرين في مصر.

وفي المقابل، اعتبرت مُبيّض أن برنامجاً إصلاحياً مع صندوق النقد الدولي قد يسهل عودة العراق إلى الاقتراض الخارجي، فيما يظل حصول لبنان على التمويل رهناً بمعالجة أزمتي الدين والقطاع المصرفي.

وقالت مُبيّض، في حوار أجرته الزميلة نور عماشة من “الشرق بلومبرغ”، إن رسائل المسؤولين خلال الاجتماعات أكدت التمسك بالإصلاحات رغم الأزمة، لكنها حذرت من أن إطالة أمد الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يفرضان استمرار السياسات الانكماشية، بما يضغط على النمو والوظائف والقدرة الشرائية.

الإصلاحات في أوقات الأزمات تدعم ثقة المستثمرين

برز الالتزام بالإصلاحات المالية والنقدية بوصفه رسالة مشتركة في لقاءات المسؤولين مع المستثمرين، وفق مُبيّض، التي أشارت إلى سماع هذا التوجه من مصر والأردن والمغرب، رغم تفاوت تأثر هذه الاقتصادات بتداعيات الحرب في الخليج والمنطقة.

وقالت: “في مرحلة الأزمات، فإن الالتزام بالإصلاحات يخفف من الصدمات على النمو، ويكبح الضغوط التضخمية، ويعمق ثقة المستثمرين في هذه البلدان”، مشيرة إلى أن هذه الثقة تشجعهم على الاحتفاظ بسندات الدول التي تمضي في الإصلاح.

لكن استمرار الأزمة يضع هذه السياسات أمام اختبار أطول، إذ قد تتزايد كلفة التشديد المالي والنقدي على النشاط الاقتصادي. وقالت: “كلما طالت الأزمة، استمر الالتزام بسياسات مالية ونقدية انكماشية قد تكون لها انعكاسات على النمو والوظائف”، مضيفة أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وعدم اليقين يضغطان على القدرة الشرائية، وقد يؤثران على الاستقرار السياسي في دول تعاني تعثراً في الإصلاح.

السعودية: طلب المستثمرين يدعم صمود السندات

رغم التحديات الجيوسياسية والمخاطر الأمنية التي تواجه اقتصاد السعودية، لم ترصد مُبيّض تحولاً هيكلياً في تسعير مخاطره السيادية. وأوضحت أن فترات انخفاض أسعار السندات جذبت مشترين جدداً، ما ساعد على احتواء اتساع هوامش العائد، أي الفارق بين عوائد السندات السعودية والسندات المرجعية الأميركية وبعض السندات الأوروبية.

وقالت: “كلما انخفضت أسعار السندات، رأينا مشترين آخرين”، موضحة أن بعض المستثمرين كانوا يحتفظون بأوزان أقل من السندات السعودية في محافظهم، قبل أن تصبح عوائدها أكثر جاذبية مقارنة بسندات سيادية أميركية وأوروبية، وإصدارات ذات تصنيف استثماري في الاقتصادات النامية.

البنك الدولي: السعودية تمتلك حيزاً مالياً واسعاً لاحتواء تداعيات الحرب

شمل الطلب مستثمرين ينشطون في أسواق ديون الدول المتقدمة والناشئة معاً، بما يوسع قاعدة المشترين المحتملين عند إعادة تسعير السندات. ويساعد هذا الشراء على رفع أسعارها وخفض عوائدها، ما يفسر انحسار بعض الارتفاعات المؤقتة في هوامش العائد.

وعلى صعيد الاقتصاد، ربطت مُبيّض القدرة على مواجهة الصدمات باستمرار النشاط غير النفطي والإنفاق على المشاريع الاستثمارية الأساسية، إلى جانب عودة الإنتاج النفطي وإصلاح خط أنابيب “شرق–غرب”، بما يحد من انكماش الناتج النفطي.

وقالت إن استمرار الإنفاق على مشاريع “تدفع بتحسين البنية التحتية وتعزيز نمو القطاع الخاص” يساهم في احتواء الانكماش. وأشارت إلى ظهور طلب متزايد على السيولة محلياً، لكنها اعتبرت أن الاحتياطيات وقدرة البنك المركزي على توفير السيولة تشكلان عوامل دعم تستبعد الحاجة للقلق في الوقت الراهن.

ومع ارتفاع توقعات عجز الموازنة إلى 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بتقدير سابق عند 3.3%، وفق الأرقام التي أوردتها مُبيّض، تتزايد الاحتياجات التمويلية للسعودية التي تمول جزءاً كبيراً من هذه الاحتياجات من أسواق الدين المحلية، ما قد يضغط على السيولة، في حين تظل الأسواق الخارجية متاحة، بحسب تقييمها.

وقالت: “الأسواق مفتوحة، وهوامش العائد لا تزال في نطاقات جيدة، والتوقيت هو المهم”.

مصر: مرونة الصرف تدعم الثقة بعد برنامج الصندوق

تمحور النقاش بشأن مصر حول قدرة القاهرة على الحفاظ على ثقة المستثمرين واستمرار الانضباط المالي بعد انتهاء البرنامج التمويلي الحالي مع صندوق النقد الدولي، مع تأكيد المسؤولين المصريين، بحسب ما نقلته مُبيّض، استمرار التعاون الفني والتشاوري مع المؤسسة.

وقالت مُبيّض إن لقاءات المستثمرين مع المسؤولين المصريين أظهرت تقييماً إيجابياً لمسار الاقتصاد ومصداقية السياسات المالية والنقدية، مع استمرار استهداف الحكومة تحقيق فوائض أولية تدور حول 5% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أشارت إلى إشادة المستثمرين بمرونة سعر الصرف وإطار إدارة التدفقات إلى سوق الدين المحلية، مقدرة حجم مراكزهم الاستثمارية بنحو 30 مليار دولار. وقالت: “هذا يؤكد استمرار ثقة المستثمرين بالسياسة النقدية في مصر”.

مصر تعد قواعد للدين والاستثمار العام لمرحلة ما بعد برنامج صندوق النقد

وتكمن أهمية مرونة الصرف، وفق مُبيّض، في تخفيف وقع الصدمات على الاحتياطيات الخارجية، مشيرة إلى أن مصر تمكنت من زيادتها. أما القلق من انتهاء البرنامج، فيرتبط بالدور الذي يؤديه صندوق النقد بوصفه مرجعية تدعم الثقة في استمرارية السياسات.

وقالت إن المسؤولين المصريين أكدوا للمستثمرين أن “التعاون مع الصندوق سيستمر في المرحلة المقبلة على صعيد المتابعة والاستشارة والمساعدات التقنية”، معتبرة أن استمرار مرونة سعر الصرف سيدعم تقبل المستثمرين للمرحلة المقبلة، رغم مخاطر ارتفاع أسعار النفط والتقلبات الجيوسياسية.

العراق: الإصلاح قد يخفض كلفة العودة إلى الاقتراض

مع اتساع العجز المالي العراقي بفعل الأزمة، تتزايد الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل، فيما يترقب المستثمرون عودة البلاد إلى أسواق السندات الدولية، بحسب مُبيّض، التي أشارت إلى وجود سند دولي عراقي يستحق في 2028.

وأوضحت أنها لم تعقد اجتماعات مع مسؤولين عراقيين خلال هذه الجولة، وأن ما فهمته من مسؤولين آخرين يشير إلى محادثات مع صندوق النقد، من دون حسم ما إذا كانت تتعلق بالاستشارات أم ببرنامج تمويلي.

إنفوغراف: العراق قد يواجه أسوأ انكماش اقتصادي منذ أكثر من عقدين

وقالت: “سيكون إيجابياً إذا طلب العراق من صندوق النقد الدخول في برنامج للإصلاحات الهيكلية”، معتبرة أن ذلك “سيمهد الطريق أمام العراق، ويسهل عليه الاستدانة من أسواق المال الخارجية بفوائد أقل”.

لبنان: التمويل مرهون بحسم إعادة الهيكلة

في لبنان، يتوقع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد انفراجة في المحادثات مع صندوق النقد الدولي بنهاية العام بشأن قانون استرداد الودائع العالقة منذ الأزمة المالية، لكن مُبيّض ترى أن الأهم من الاتفاق هو آلية نهوض الاقتصاد اللبناني من كبوته ومعالجته مشكلة إعادة هيكلة القطاع العام والدين من جهة وحل مشكلة الخسائر في القطاع المالي والمصرفي وفي مصرف لبنان من جهة أخرى.

وربطت مُبيّض استعادة القدرة على جذب التمويل بمعالجة هذين الملفين المتداخلين خصوصاً بعد تعثر البلاد في سداد سنداتها الدولية في مارس 2020.

وقالت: “من دون حل هاتين المشكلتين، لن يستطيع لبنان الحصول على أي تمويل، لا من اللبنانيين أنفسهم في الخارج الذين يتوقون إلى الاستثمار في لبنان، ولا من جهة خارجية بما فيها صندوق النقد”.

وتزداد حاجة البلاد إلى التمويل مع متطلبات إعادة الإعمار ومساعدة النازحين وتسليح الجيش والمضي في حصر السلاح. وفي هذا السياق، اعتبرت مُبيّض أن برنامجاً مع صندوق النقد يمنح السياسات مصداقية أكبر، لكنه لا يغني عن تنفيذ الإصلاحات.

حاكم مصرف لبنان “واثق جداً” من التوصل لاتفاق مع صندوق النقد قبل نهاية العام

ووسط حالة عدم اليقين الكبيرة المرتبطة بالحالة السياسية، أشارت إلى أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في بلورة تفاصيل قانون استرداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة المالية، بما يوازن بين استدامة الدين وإمكانية إعادة الودائع على فترات تتناسب مع قدرات الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص.

لكن إصلاح المصارف يحتاج إلى تقدم موازٍ في الكهرباء والمؤسسات العامة. وقالت: “أي تقدم في عملية إصلاح القطاع المصرفي لا بد أن يوازيه تقدم في الإصلاحات الهيكلية المتعلقة بإصلاح القطاع العام والكهرباء”.

وحذرت من أن تأخير قرارات إعادة الهيكلة يضاعف الأعباء على المجتمع، بعدما تحمل المودعون كلفة الأزمة. وأضافت: “كلما طالت فترة عدم اتخاذ قرار بموضوع الهيكلة، زادت الأعباء على الناس عبر التضخم”.

ودعت مجلس النواب إلى تحمل مسؤولياته وتسريع النظر في التشريعات اللازمة، مع استمرار إعداد التعديلات على مشروع قانون استرداد الودائع، ليكون جاهزاً للبحث عند أول فرصة بعد الانتهاء من مشروع الموازنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *