اخر الاخبار

موديز: إعادة ترتيب مشاريع رؤية 2030 تحمي القوة الائتمانية للسعودية

توقعت “موديز” أن تسهم إعادة ترتيب أولويات الإنفاق ضمن “رؤية السعودية 2030” في حماية المركز المالي للمملكة ومواصلة مسار التنويع الاقتصادي، رغم تباطؤ تنفيذ بعض المشاريع العملاقة، مشيرةً إلى أن هذا التحول قد يمنح البنوك متنفساً بعد سنوات من النمو السريع للائتمان والضغوط على السيولة.

وقالت وكالة التصنيف، في تقرير صدر اليوم الثلاثاء، إن إعادة توجيه رأس المال نحو المشاريع الأعلى من حيث العائد المعدل بالمخاطر وكفاءة استخدام رأس المال تعكس قدرة المملكة على تعديل وتيرة الاستثمار من دون التخلي عن أهداف التنويع. وتتوقع الوكالة ألا تتأثر الجودة الائتمانية للمقترضين بصورة كبيرة خلال الأشهر الـ12 إلى الـ18 المقبلة، شريطة استمرار الانضباط المالي.

وتصنف “موديز” السعودية عند “Aa3” مع نظرة مستقبلية مستقرة. ويأتي تقييم الوكالة في وقت تتجه المرحلة المقبلة من “رؤية 2030” بصورة أكبر نحو المفاضلة بين المشاريع وفق العائد والكفاءة الرأسمالية، بالتوازي مع الحفاظ على هوامش مالية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

انكماش متوقع للاقتصاد

غير أن هذا التحول يأتي، وفق سيناريو “موديز”، في ظل بيئة جيوسياسية أكثر صعوبة. وتتوقع الوكالة انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية بنحو 3.3% في 2026، نتيجة اضطراب تدفقات تجارة النفط والبنية التحتية للتصدير، بالتزامن مع انخفاض إنتاج قطاع الهيدروكربونات بنسبة 16%.

كما تتوقع تباطؤ نمو القطاع الخاص غير النفطي إلى نحو 1%، قبل تعافيه إلى نطاق يتراوح بين 4.5% و5.5% سنوياً مع انحسار التوترات وعودة طرق التجارة إلى طبيعتها، علماً أن وزارة المالية توقعت نمو الأنشطة غير النفطية 3.2% هذا العام. 

وبحسب تقرير الوكالة، فإن الصدمة المتوقعة ستتركز بصورة أساسية في القطاع النفطي خلال 2026، قبل تسجيل ارتداد قوي في العام التالي. في المقابل، يبدو مسار الاقتصاد الخاص غير النفطي أقل تقلباً، ما يدعم رؤية “موديز” بأن زخم التنويع الاقتصادي يمكن أن يستمر رغم انكماش الاقتصاد الكلي.

800 مليار ريال إنفاقاً محتملاً للصندوق

لا تعني إعادة ترتيب الأولويات، وفق التقرير، انحسار دور صندوق الاستثمارات العامة، وإنما انتقاله إلى مرحلة أكثر انتقائية في تخصيص رأس المال.

وتتوقع “موديز” أن ينفق الصندوق ما بين 600 و800 مليار ريال حتى 2030، بعدما بلغ إنفاقه نحو 750 مليار ريال خلال الفترة من 2021 إلى 2025.

ومن المرجح أن يواصل الصندوق وشركات محفظته قيادة الاستثمارات في المراحل المبكرة، قبل زيادة الاعتماد على الاستثمارات المشتركة مع القطاع الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص، عندما تصبح المشاريع الناضجة قادرة على توليد تدفقات نقدية تجذب مستثمرين جدداً.

وبالنسبة إلى “موديز”، فإن استخدام صندوق الاستثمارات العامة أداة رئيسية للإنفاق الرأسمالي يمنح الحكومة مرونة أكبر في تعديل حجم الاستثمارات وتوقيتها، ويحد في الوقت نفسه من انتقال الالتزامات المحتملة مباشرة إلى الميزانية العامة.

وتقدر الوكالة الأصول المالية الحكومية السائلة، بعد خصم ديون صندوق الاستثمارات العامة، بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تتجاوز الودائع المتاحة لدى البنك المركزي السعودي 9% من الناتج، وهي احتياطات تعتبرها الوكالة مصدراً مهماً للمرونة المالية.

مشاريع عملاقة بوتيرة مختلفة

ستكون شركات المقاولات والعقارات من بين الأكثر تعرضاً لتداعيات المرحلة الجديدة، إذ أشارت “موديز” إلى تمديد الجداول الزمنية لبعض المشاريع التي تراجعت أولويتها، وإعادة هيكلة تمويل مشاريع أخرى، من بينها “نيوم”.

ويكشف التقرير أيضاً حجم التحول في سوق الإنشاءات، فمع أن قيمة عقود المقاولات الممنوحة في الأشهر الثمانية الأولى من 2026 قد بلغت 116.2 مليار ريال، متخطية حجم عقود العام الماضي (112 مليار ريال) بالكامل، فإنها لا تزال أقل من 267.9 مليار ريال المسجلة في 2024، بحسب بيانات الوكالة المنقولة عن الهيئة السعودية للمقاولين. 

وترى “موديز” أن هذا التراجع العام قد يفرض ضغوطاً على رأس المال العامل للشركات المرتبطة بقطاعات الإنشاءات والعقارات وسلاسل التوريد.

لكن خفض وتيرة بعض المشاريع سيقابله، بحسب “موديز”، توجيه مزيد من الموارد إلى قطاعات مرتبطة بمرونة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والتصنيع والبنية التحتية الرقمية.

وتشير الوكالة إلى شركتي “البحري” و”سير” للسيارات الكهربائية بوصفهما مثالين على الأنشطة المتوافقة مع الأولويات الجديدة. فتعزيز قدرات الشحن والخدمات اللوجستية يكتسب أهمية إضافية مع اضطراب طرق التجارة، بينما يدعم تطوير صناعة السيارات الكهربائية أهداف توطين سلاسل الإمداد ونقل التكنولوجيا وخلق الوظائف.

الذكاء الاصطناعي يتصدر أولويات الإنفاق

تبرز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات بوصفها من أبرز المستفيدين من إعادة توجيه الاستثمارات.

وتشير “موديز” إلى أهداف لبناء نحو 1.5 غيغاواط من قدرات مراكز البيانات و1.9 غيغاواط من قدرات الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي بحلول 2030، وهي استثمارات ستتطلب بدورها توسعات كبيرة في شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية.

تتولى “هيوماين”، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، دوراً محورياً في هذه الاستراتيجية. وتخطط الشركة لتشغيل 250 ميغاواط من قدرات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في السعودية بنهاية العام الجاري، على أن ترفعها إلى غيغاواط واحد في 2027، ضمن خطة تستهدف بناء قدرات تصل إلى 6 غيغاواط في المملكة.

وترى الوكالة أن نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني سيوفر فرصاً لشركات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية، وإن كان اقتناص هذه الفرص سيتطلب إنفاقاً رأسمالياً كبيراً.

البنوك قد تكون من أكبر المستفيدين

قد يحمل إبطاء بعض المشاريع الكبرى أثراً إيجابياً على النظام المصرفي السعودي، بعدما أدى تسارع الإقراض خلال السنوات الماضية إلى اتساع الفجوة بين القروض والودائع، ودفع البنوك إلى الاعتماد على مصادر تمويل أعلى تكلفة.

وتتوقع الوكالة أن يؤدي تمديد الجداول الزمنية للمشاريع إلى اعتدال الطلب على الائتمان، ما يقلص حاجة البنوك إلى المنافسة الشديدة على الودائع واللجوء إلى التمويل بالجملة، ويدعم استقرار نسب السيولة وربحية القطاع.

كما لا ترجح “موديز” أن يتحول تباطؤ الائتمان إلى انكماش حاد في النشاط المصرفي، إذ سيواصل الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية ومشاركة القطاع الخاص والنمو غير النفطي توليد الطلب على التمويل.

في المقابل، قد يؤدي تأخير بعض المشاريع إلى ضغوط محدودة على جودة الأصول، خصوصاً لدى المقاولين والمطورين والموردين الذين تعتمد تدفقاتهم النقدية على سرعة تنفيذ المشاريع. إلا أن الوكالة تتوقع ارتفاعاً طفيفاً فقط في القروض المتعثرة، في ظل قوة المخصصات والربحية ورأس المال لدى البنوك.

شركات التأمين أمام موجة اندماجات

أما قطاع التأمين، فتتوقع “موديز” أن يظل الأثر الائتماني الإجمالي لإعادة ترتيب مشروعات “رؤية 2030” محدوداً، رغم المخاطر المرتبطة بتقلب قيم الأصول وتباطؤ الاقتصاد وارتفاع تكلفة المطالبات.

ويُظهر التقرير تحسن إيرادات شركات التأمين وصافي أرباحها وإجمالي حقوق الملكية خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

لكن الوكالة تتوقع استمرار عمليات الاندماج في السوق، إذ يمنح الحجم الأكبر الشركات قدرة أعلى على التنويع وتحسين كفاءة استخدام رأس المال. وربطت “موديز” استمرار اتجاه الاندماجات أيضاً بتزايد المتطلبات التنظيمية واقتراب تطبيق إطار رأس المال المبني على المخاطر.

وترسم “موديز” ملامح مرحلة ثانية أكثر انتقائية من الإنفاق المرتبط بـ”رؤية 2030″، تتسم بوتيرة أبطأ لبعض المشاريع كثيفة الإنشاءات، مقابل تركيز أكبر لرأس المال على الذكاء الاصطناعي والتصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة والبنية التحتية الاستراتيجية. أي توجيهه نحو المشاريع الأعلى عائداً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانضباط المالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *