“توتال إنرجيز” تقتحم سوق الكهرباء وتنجح حيث تعثرت منافساتها

لطالما كانت لـ”توتال إنرجيز” (TotalEnergies) بصمة خاصة يصعب وصفها، تميّزها في قطاع النفط الذي تهيمن عليه الشركات الأنغلوساكسونية العملاقة. واليوم، تبرز شركة النفط التي تتخذ في باريس مقراً لها، أكثر من أي وقت مضى، بعدما نجحت في اقتحام سوق لم تتمكن أي من منافساتها من إتقان العمل فيها، ألا وهي الكهرباء.
مع تداول النفط قرب 100 دولار للبرميل، وبلوغ هوامش أرباح التكرير مستويات قياسية، لا تزال وحدة الكهرباء الناشئة أصغر من أن تترك أثراً ملموساً على الأداء المالي للشركة.
لكن إذا استمرت بالنمو بوتيرتها الحالية، تتوقع “توتال” أن تتمكن أنشطة الكهرباء خلال أربع سنوات من تحقيق أرباح تكفي لتغطية 25% من توزيعات الأرباح السنوية، ما يمنح الشركة متنفساً مالياً في حال تعرضت أعمالها الأساسية في قطاع الهيدروكربون لأي انتكاسة.
رهان “توتال” على الكهرباء يؤتي ثماره
سلكت “توتال” طريقاً وسطاً في خضم الجدل حول المناخ، الذي أحدث انقساماً في المجتمع وقطاع الطاقة على حد سواء. فمع أن التحول في قطاع الطاقة يدفع نحو زيادة استهلاك الكهرباء، لا يزال توليدها يعتمد في معظمه على محطات تعمل بالوقود الأحفوري المسبّب للانبعاثات الكربونية.
راهنت شركتا “شل” (Shell) و”بي بي” (BP) البريطانيتان بمليارات الدولارات على الطاقة المتجددة للتوسع في توليد الكهرباء، لكن رهانهما انتهى بالخسارة. في المقابل، تجنّب عملاقا النفط الأميركيان “إكسون موبيل” و”شيفرون” دخول هذه السوق إلى حد كبير.
أما “توتال إنرجيز”، فتبنّت استراتيجية تجمع بين مصادر الطاقة المتجددة ومحطات توليد الكهرباء بالغاز، ما يمكّنها من تعويض تقلبات الإنتاج الناجمة عن الطبيعة المتقطعة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
في البداية، تساءل كثير من المستثمرين عمّا إذا كانت “توتال إنرجيز” تسير على خطى “بي بي” و”شل”، وتكرر أخطاءهما في الرهان على الطاقة الخضراء. لكن استثمارات الشركة الفرنسية بدأت تؤتي ثمارها، إذ حققت وحدة الكهرباء صافي دخل تشغيلي بلغ نحو 2.25 مليار دولار خلال الأرباع الأربعة الماضية، بما يعادل قرابة 10% من إجمالي صافي الدخل التشغيلي للشركة. واللافت أن أرباح الوحدة باتت تتجاوز ما تحققه محطات الوقود التي تُعدّ من الأنشطة التقليدية لشركات النفط الكبرى.
وقال ستيفان ميشيل، رئيس أنشطة الغاز والكهرباء في الشركة، للمستثمرين مؤخراً: “بعد خمس سنوات من العمل، نعتقد أننا نجحنا في بناء نموذج أعمال أثبت جدواه”.
تكامل الغاز والطاقة المتجددة يعزز أرباح “توتال”
يُتوقع أن تتمكن الوحدة من تغطية تكاليفها هذا العام، على أن تبدأ بتحقيق فائض في العام المقبل. وإذا بلغت أهدافها، فقد تصل أرباحها الصافية إلى نحو 4 مليارات دولار بحلول عام 2030.
وبتطبيق مضاعف الربحية المعتاد لشركات المرافق الأوروبية، البالغ 15 مرة، على هذه الأرباح، تصل القيمة التقديرية لوحدة الكهرباء إلى 60 مليار دولار، مقارنةً بالقيمة السوقية لشركة “توتال إنرجيز” بأكملها، البالغة نحو 188 مليار يورو (212 مليار دولار).
اقرأ أيضاً: “توتال” تدرس بيع نصف أصولها بالطاقة الخضراء في أوروبا
وللمقارنة، تقترب القيمة السوقية لشركة “إيبردرولا” (Iberdrola SA)، أكبر شركة كهرباء في أوروبا من حيث القيمة السوقية، من 150 مليار يورو، بعدما حققت أرباحاً صافية بلغت 6.8 مليار يورو العام الماضي.
لكن يبقى أن نرى ما إذا كان المستثمرون سيمنحون أنشطة توليد الكهرباء التابعة لشركة نفطية تقييماً يقترب من ذلك الذي تحظى به شركات الكهرباء المتخصصة.
تعزو “توتال إنرجيز” نجاحها إلى التركيز على الاستثمار في مناطق تتكامل فيها محطات توليد الكهرباء بالغاز مع مصادر الطاقة المتجددة، ما يتيح لها جني الأرباح من “تقلبات السوق والقفزات السعرية عبر أنشطة التداول”، عندما لا تكون الظروف الجوية مواتية لتوليد الكهرباء من الشمس والرياح.
من تكساس إلى أوروبا.. الكهرباء تفتح آفاقاً جديدة
تصف الشركة تكساس، معقل صناعة النفط الأميركية، بأنها “أولوية”، بعدما أصبحت وجهة رئيسية لمراكز البيانات الضخمة التي يشيدها قطاع الذكاء الاصطناعي.
لكن انتخاب الديمقراطية جينا هينوجوسا حاكمةً للولاية في انتخابات التجديد النصفي يوم الثلاثاء، بعدما دعت إلى وقف فوري لبناء مراكز البيانات، قد يبطئ وتيرة التوسع في هذه المنشآت.
وتعتبر الشركة أن هذا النموذج يحقق نجاحاً أيضاً في الساحل الشرقي للولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة والبرازيل.
اقرأ أيضاً: “توتال” تشتري 3 محطات كهرباء في تكساس بـ635 مليون دولار
يصبّ أيضاً في مصلحة “توتال إنرجيز” أن رئيسها التنفيذي، الفرنسي باتريك بويانيه البالغ من العمر 63 عاماً، نجح حتى الآن في إدارة مسار التحول في قطاع الطاقة من دون الوقوع في كثير من الأخطاء.
في المقابل، اضطرت الشركات الأوروبية المنافسة إلى تسجيل تخفيضات كبيرة في قيمة مشاريعها المكلفة للطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، أشك في أن تتمكن “بي بي” من الحصول على سعر مجزٍ مقابل شركة الطاقة الشمسية “لايت سورس” (Lightsource) التي عرضتها للبيع.
عندما ترتفع أسعار النفط والغاز، قد يبقى نشاط الكهرباء محدود الأهمية بالنسبة إلى “توتال إنرجيز”. لكن عندما تنقلب دورة الأسعار، كما يحدث دائماً، قد يسطع نجم هذا النشاط، بفضل قدرته على تحقيق الأرباح بمعزل عن أسعار الوقود الأحفوري.
وعلى خلاف استخراج النفط الخام الذي يتطلب استثمارات مستمرة، يمكن أن يظل توليد الكهرباء مربحاً حتى مع تقليص الإنفاق الرأسمالي، ما يمنح الشركة حماية إضافية من الصدمات في فترات تراجع الأرباح.
قد لا يدرّ نشاط الكهرباء أرباحاً طائلة كتلك التي يحققها النفط، لكن “توتال إنرجيز” أثبتت أنه قادر على توفير إيرادات كبيرة ومستقرة بمخاطر منخفضة، مهما تقلبت أسعار السلع الأولية. فلتحيا الكهرباء!



