اخر الاخبار

محاولات إنقاذ الروبية الهندية تزداد يأساً

يبدو أن البنك المركزي الهندي دخل في وضع إدارة الأزمة، فقد أعاد استخدام الأدوات التي لجأ إليها آخر مرة خلال اضطرابات الأسواق في 2013، سعياً لمنع الروبية من الانزلاق الحاد. لكن كلما اشتد دفاعه عن المستوى النفسي المهم البالغ 100 روبية للدولار، زاد خطر تمادي السلطات في تدخلها والتسبب بأضرار جسيمة.

بدأ بنك الاحتياطي الهندي بدفع البنوك إلى اقتراض 133 مليار دولار من الهنود المقيمين في الخارج خلال أقل من ثلاثة أشهر. لكن بعدما أخفقت هذه الحملة، التي انتهت في أغسطس، في تغيير المزاج المتشائم تجاه الروبية، رفع البنك المركزي بداية الشهر تكلفة تحوط البنوك من مخاطر العملة، ووجّه مستوردي النفط إلى شراء الدولار منه مباشرة، متجاوزين سعر الصرف في السوق.

درس 2013 يحذر من الإفراط في التدخل

في الوقت الراهن، استعادت الروبية بعض قوتها لتتداول عند نحو 95 روبية للدولار. لكن هذا التعافي قد لا يدوم طويلاً، في ظل اضطرابات الشرق الأوسط التي تبقي سعر خام “برنت” فوق 100 دولار للبرميل، وارتفاع أسعار الغذاء الذي دفع التضخم إلى أعلى مستوى في عامين، إلى جانب صعود عوائد السندات الأميركية الذي يستنزف رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة.

ويجدر التذكير بأن كثيراً من الإجراءات التي جُرّبت خلال موجة الذعر عام 2013، بعدما أشار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى قرب إنهاء حقبة الأموال الرخيصة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، انتهت بنتائج عكسية. ووصل القلق إلى حد تساؤل المستثمرين عما إذا كان دوفوري سوباراو، محافظ البنك المركزي آنذاك الذي كان يستعد لمغادرة منصبه، سيختتم ولايته بفرض قيود على حركة رؤوس الأموال.

اقرأ أيضاً: الهند تشدد قيود استيراد الذهب لحماية الروبية وسط حرب إيران

ولم يبدأ البنك المركزي باستعادة مصداقيته إلا بعد تولي راغورام راجان، كبير الاقتصاديين السابق في “صندوق النقد الدولي”، منصب المحافظ وإعلانه تشكيل لجنة لترسيخ السياسة النقدية من خلال اعتماد هدف واضح للتضخم. عندها، بدأت الضغوط على الروبية تتراجع.

السياسة النقدية الهندية في قلب الأزمة

وهنا مفتاح حل الأزمة الراهنة: استعادة المصداقية وتقديم عائد للمستثمرين العالميين يعوّضهم بما يكفي عن المخاطر. ففي الآونة الأخيرة، بدا بنك الاحتياطي الهندي متساهلاً أكثر من اللازم مع احتياجات نيودلهي المالية، ومتردداً في التصدي للتضخم.

ومنذ تولي سانجاي مالهوترا منصب المحافظ في ديسمبر 2024، خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 125 نقطة أساس، واشترى خلال 12 شهراً سندات حكومية بقيمة تجاوزت مشترياته في السنة الأولى من جائحة كورونا.

ولم يقدم على أول زيادة في الفائدة، بمقدار 25 نقطة أساس، إلا هذا الشهر. وحتى عند اتخاذ هذه الخطوة، صوّت اثنان من أعضاء لجنة السياسة النقدية الستة ضد تغيير توجه السياسة النقدية من “الحياد” إلى “التشديد المدروس”.

ينبغي أن يبدأ تصحيح المسار بالإقرار بأن الدفاع عن الروبية لا يمكن أن يعتمد على إجراءات غير تقليدية، فيما تُترك أدوات السياسة النقدية المعتادة جانباً. ولا شك أن الجالية الهندية الكبيرة في الخارج تشكل ما يشبه ماكينة صراف آلي للهند، إذ تبدي دائماً استعدادها لتلبية النداء كلما احتاج وطنها إلى العملات الأجنبية.

لكن هذا التمويل باهظ التكلفة. فالبنوك لا تستقطب هذه الودائع الدولارية إلا لأن بنك الاحتياطي الهندي يتحمل مخاطر تقلب سعر الصرف على أصل المبلغ. وكان راغورام راجان قد وافق على توفير هذه الحماية على مضض، فقد ساعدت الـ26 مليار دولار التي جُمعت آنذاك على استقرار احتياطيات النقد الأجنبي.

كلفة الدفاع عن الروبية تتصاعد

أما هذه المرة، فالمبلغ لا يزيد بخمسة أضعاف فحسب، بل إنه لم ينجح حتى في دعم الاحتياطيات، التي انخفضت بنحو 50 مليار دولار منذ مطلع سبتمبر. وإذا أضفنا إلى ذلك مركزاً سلبياً في عقود الدولار الآجلة بقيمة 200 مليار دولار، يمثل التزامات مستقبلية على بنك الاحتياطي الهندي، فإن احتياطياته البالغة 734 مليار دولار تبدو أقل قوة مما توحي به الأرقام.

ورغم أن بنك الاحتياطي الهندي تحمّل عن البنوك مخاطر تقلب سعر الصرف عند سداد أصل الودائع، فإنها لا تزال بحاجة إلى توفير العملات الأجنبية لدفع الفوائد للمودعين الهنود في الخارج.

ويضع ذلك البنوك أمام طلب آجل على الدولار تُقدّر قيمته الحالية بنحو 35 مليار دولار، وفق أنانث نارايان، المحلل في “أوبزرفاتوري غروب” (Observatory Group)، والمصرفي السابق والمسؤول السابق في هيئة تنظيم الأوراق المالية.

اقرأ أيضاً: بعد تراجعها وسط حرب إيران.. الهند تصدر ضوابطاً لدعم عملتها

وفي خطوة أخرى، فرض بنك الاحتياطي الهندي الاثنين، قيوداً جديدة على تحوّط البنوك من مخاطر العملة، سواء المرتبطة بالتزامات عملائها أو بالتزاماتها الخاصة. لكن ذلك يبدو إفراطاً في التدخل. ففي صيف 2013، لجأ البنك المركزي، وسط تعثر جهوده لاحتواء الأزمة، إلى تعديلات إدارية مماثلة. وبدأ بعض الاقتصاديين بالفعل يدعون مالهوترا إلى تكرار تلك التجربة بحذافيرها.

رفع الفائدة قد يعيد أزمة الائتمان

لكن هل سيكون ذلك خياراً حكيماً؟ في يوليو 2013، رفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة لليلة واحدة دفعة واحدة بمقدار نقطتين مئويتين، لتقفز الفائدة قصيرة الأجل إلى 10.25%. وأشعلت الخطوة سباقاً بين الشركات لتأمين تمويل رأس المال العامل، ما منح البنوك لفترة وجيزة طفرة في القروض مرتفعة التكلفة، قبل أن تدخل في دوامة تراجع استمرت سنوات مع تعثر الشركات المثقلة بالديون.

وبعد سنوات من الضعف، عاد نمو الطلب على الائتمان في الهند ليقترب من 20%، ويستحوذ الإقراض الشخصي على حصة كبيرة منه. أما الشركات، فلا تقترض لتمويل أصول جديدة بقدر ما تلجأ إلى الاقتراض لتمويل المخزونات، بعدما أدى التضخم إلى زيادة تكاليف المواد الخام.

وأي زيادة في أسعار الفائدة قصيرة الأجل الآن قد تقلب منحنى العائد، وتلتهم هوامش أرباح البنوك، وتعطل تدفق الائتمان مجدداً. واتخاذ خطوة كهذه خارج إطار لجنة السياسة النقدية من شأنه أن يتجاوز دورها ويقوّض أهميتها.

وقد يكون الحل الأبسط أن يبيع بنك الاحتياطي الهندي السندات للبنوك، ما يدفع العوائد إلى الارتفاع على امتداد منحنى العائد، بدلاً من رفعها عند الآجال القصيرة وحدها. فعائد السندات لأجل عشر سنوات يتحرك بشكل وثيق مع السيولة المصرفية، وسحب فائض السيولة هو الوسيلة الأضمن لإعادة ضبط أسعار الفائدة طويلة الأجل.

جذب رؤوس الأموال بثمن أعلى

الأولوية يجب أن تكون لاستعادة فارق العائد الذي كانت تتمتع به الهند على سندات الخزانة الأميركية، بعدما تآكل. فالفارق بين عوائد السندات لأجل عشر سنوات، الذي بلغ 600 نقطة أساس في 2013، تقلص إلى نحو 200 نقطة أساس حالياً. ومن دون عائد كافٍ يعوّض المستثمرين العالميين عن المخاطر، لن تتدفق رؤوس الأموال إلى الهند.

قد يؤدي اضطرار الحكومة إلى الاقتراض بأسعار فائدة أعلى، في وقت يستدعي الجفاف الناجم عن ظاهرة “إل نينيو” زيادة الإنفاق لدعم سبل العيش في المناطق الريفية، إلى تفاقم الهشاشة المزمنة في وضع المالية العامة في الهند. لكن بنك الاحتياطي الهندي قدّم بالفعل ما يكفي من الدعم لنيودلهي، وينبغي أن ينصب تركيزه الآن على هدف أكثر إلحاحاً: استعادة ثقة المستثمرين.

فمعركة 2013 لم تُحسم باللجوء إلى أدوات غير تقليدية، بل باستعادة البنك المركزي مصداقيته. واليوم أيضاً، لا طريق مختصراً إلى ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *