اخر الاخبار

من حرب أكتوبر إلى نفط النيجر.. لماذا يعبر جيش الجزائر الحدود؟

خلال حرب أكتوبر 1973، اتّخذت الجزائر قراراً بإرسال وحدات من جيشها خارج حدودها للمشاركة في القتال إلى جانب مصر ضد إسرائيل. وبعد 53 عاماً، وفي الشهر نفسه، تتخذ قراراً مشابهاً، لكن الوجهة هذه المرة هي النيجر، والهدف ليس المشاركة في حرب معلنة، بل حماية المصالح النفطية ومنشآت الطاقة، في بلد بات يحتل موقعاً متقدماً في حساباتها الاقتصادية والأمنية.

فالقرار يأتي في ظل توسّع استثمارات شركة “سوناطراك” الجزائرية في استكشاف النفط شمال النيجر، وتنامي التعاون العسكري بين البلدين، بالتوازي مع تقدم مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي تراهن عليه الجزائر لتعزيز دورها في نقل الغاز الأفريقي إلى الأسواق الأوروبية.

وصادق البرلمان الجزائري، الأحد، على طلب تقدّم به الرئيس عبد المجيد تبون، يقضي بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، في خطوة تستهدف “حماية المصالح الطاقوية” الجزائرية وتنفيذ اتفاقية ثنائية بين البلدين، بحسب بيان لمجلس الأمة نقلته وكالة الأنباء الجزائرية. ولم يًحدّد البيان عدد القوات أو أماكن انتشارها.

قد يهمك أيضاً: صندوق النقد يدعو الجزائر إلى “ضبط مالي كبير” لتفادي استنزاف الاحتياطيات

ويستند القرار إلى المادة 91 من الدستور الجزائري، التي تشترط موافقة ثلثي أعضاء كل من غرفتي البرلمان لإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج. وقدّم وزير الخارجية أحمد عطاف، ممثلاً للرئيس تبون، عرضاً بشأن العملية بحضور مسؤولين حكوميين وضباط كبار في الجيش.

المصالح النفطية تعزز التقارب بين الجزائر والنيجر

تتجاوز المصالح الاقتصادية للجزائر في النيجر مشروعات الاستكشاف التي تنفذها “سوناطراك” وشركاتها التابعة، لتشمل تطوير خدمات الحفر والمسح الجيوفيزيائي وتوزيع المحروقات، في وقت تسعى نيامي إلى جذب الاستثمارات وتطوير مواردها النفطية.

ويبرز مشروع “كفرة” النفطي في منطقة أغاديز شمال النيجر بوصفه أحد أهم هذه المشروعات، إذ وضعت “سوناطراك” وشركة النفط النيجرية “سونيداب” في 13 أغسطس الماضي حجر الأساس لبرنامج حفر أربع آبار استكشافية جديدة، تتولّى تنفيذه المؤسسة الوطنية للحفر “إينافور” (ENAFOR) التابعة للمجموعة الجزائرية، بهدف تقييم الموارد النفطية وتحديد إنتاجية المكامن وجدوى تطويرها تجارياً. 

ويعود وجود “سوناطراك” في منطقة الامتياز إلى عام 2005، عبر شركتها التابعة “سيباكس” (SIPEX)، التي نفّذت أعمال مسح زلزالي ثنائي الأبعاد امتدت لنحو 2200 كيلومتر، وأخرى ثلاثية الأبعاد غطّت 760 كيلومتراً مربعاً، إلى جانب حفر بئرين استكشافيين في عامي 2018 و2019، أسفرت أعمالهما عن اكتشاف موارد نفطية في بئر “كفرة-1”.

وفي 15 أبريل 2026، مدّدت السلطات النيجرية فترة تقييم الرخصة لعامين إضافيين، بما يُتيح استكمال الدراسات وأعمال تحديد امتداد المكامن وتقييم إمكان تطوير الحقل. وتبلغ مساحة الرخصة نحو 23.7 ألف كيلومتر مربع، وفق بيانات الحكومة النيجرية. 

وامتد التعاون إلى الخدمات النفطية، بعدما وقّعت ثلاث شركات تابعة لـ”سوناطراك” مذكرات تفاهم مع “سونيداب” في يونيو الماضي، شملت التعاون في المسوحات الزلزالية ومعالجة بياناتها بين المؤسسة الوطنية للجيوفيزياء والشركة النيجرية، ومشروع تأسيس شركة مشتركة للحفر بين “إينافور” و”سونيداب”، إلى جانب اتفاق مع “نفطال” بشأن توزيع المنتجات النفطية وإنشاء مراكز تعبئة، وآخر للتدريب ومشروع مشترك للزفت.

قد يهمك أيضاً: الرئيس الجزائري ينتقد اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ويدعو لمراجعته

وفي أغسطس الماضي، توسّعت العلاقة إلى تجارة الطاقة، إذ بدأت “سوناطراك” تسليم وقود الطائرات إلى النيجر بموجب عقد مع “سونيداب”، كما أعلنت الشركتان تنفيذ أول عملية تسويق مشتركة لشحنة من النفط الخام النيجري، في خطوة توسع التعاون من الاستكشاف والخدمات الفنية إلى تجارة النفط ومشتقاته، وفق بيانات الشركة الجزائرية.

ولا تقتصر المصالح الجزائرية على قطاع النفط، إذ أشار “معهد الدراسات الأمنية الأفريقي” إلى تعهد الجزائر بتقديم محطة كهرباء بقدرة 40 ميغاواط للنيجر، ضمن مساعي تعزيز التعاون الاقتصادي بعد فترة من التوتر الدبلوماسي. 

من القطيعة الدبلوماسية إلى التعاون العسكري

جاء توسيع التعاون الاقتصادي بعد أزمة دبلوماسية بين الجزائر ودول الساحل. ففي أبريل 2025، سحبت النيجر ومالي وبوركينا فاسو سفراءها على خلفية إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود، ما أدى إلى تدهور العلاقات بين الجزائر ودول “تحالف الساحل”.

لكن الجزائر بدأت مطلع 2026 جهوداً لإعادة بناء علاقاتها مع دول المنطقة، خصوصاً النيجر وبوركينا فاسو. وشهد شهر فبراير زيارة الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني إلى الجزائر، في مؤشر على تحسن العلاقات بعد الخلافات السابقة. 

وسرعان ما انتقل التقارب إلى الجانب العسكري. ففي 9 أغسطس، قدّمت الجزائر للجيش النيجري أربع مروحيات عسكرية، اثنتين من طراز “مي-24 في” واثنتين من طراز “مي-171″، إلى جانب ذخائر وقطع غيار ومعدات للصيانة والإسناد اللوجستي، بحسب وزارة الدفاع الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: ممر الهيدروجين الجزائري إلى أوروبا يبحث الانتقال إلى مرحلة التمويل

بعد نحو ثلاثة أسابيع، اتّخذ التعاون منحى أكثر مباشرة، عندما أرسلت الجزائر أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30” ترافقها طائرة للتزود بالوقود إلى نيامي في 30 أغسطس، استجابةً لطلب السلطات النيجرية عقب أحداث وصفتها وزارة الدفاع الجزائرية بأنها محاولة لزعزعة استقرار البلاد.

وقالت الوزارة إن الطائرات أُرسلت في مهمة لدعم الجيش النيجري، فيما كان رئيس الوزراء النيجري محمد لمين زين في استقبالها بمطار نيامي، حيث أعرب عن شكره للجزائر على المساندة العسكرية. 

وجاء توقيع بروتوكول التعاون العسكري خلال زيارة وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي إلى الجزائر في أكتوبر، قُبيل الموافقة على إرسال وحدات برية. ولم تُعلن تفاصيل البروتوكول. 

مخاطر أمنية حول المصالح الاقتصادية

تأتي الخطوة أيضاً في ظلّ استمرار نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش” في منطقة الساحل، والتحديات الناجمة عن تهريب الأسلحة والجريمة المنظمة عبر الحدود الصحراوية، ما يجعل استقرار النيجر مرتبطاً بأمن الحدود الجنوبية للجزائر.

وذكرت “رويترز” أن الترتيبات المتعلقة بالانتشار المحتمل تشمل منطقة “ماداما” شمال النيجر قرب الحدود الليبية، في موقع قاعدة عسكرية سبق أن استخدمتها القوات الفرنسية خلال عملية “برخان”.

قد يهمك أيضاً: تبون يرسم ملامح الاقتصاد: سيارة جزائرية في 2028 وصادرات أعلى

ونقلت الوكالة عن مصدر أمني نيجري أن القوات الجزائرية لم تكن قد انتشرت رسمياً حتى وقت إعداد تقريرها في 25 أكتوبر، مُشيرةً إلى أن رئيس أركان الرئاسة النيجرية الجنرال بشارو إيبرو أمادو كان يجري زيارات لمنطقة كاوار منذ 19 أكتوبر، وشملت تحركاته ماداما لإجراء محادثات مع القادة العسكريين بشأن ترتيبات القاعدة. 

ويشير موقع الانتشار المحتمل قرب الحدود الليبية إلى أن المهمة قد تتجاوز حراسة المنشآت النفطية مباشرة، لتشمل تأمين الممرات الصحراوية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. لكن السلطات لم تعلن نطاق الانتشار أو قواعد عمل القوات، ولا تُوجد أدلة مؤكدة على تعرض مشروعات “سوناطراك” لهجمات استدعت التحرك العسكري.

أنبوب الغاز العابر للصحراء.. رهان استراتيجي بمليارات الدولارات

إذا كانت استثمارات “سوناطراك” في الحقول النفطية تمنح الجزائر مصالح مباشرة في شمال النيجر، فإن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يرفع أهمية استقرار البلاد إلى مستوى استراتيجي أوسع، باعتبارها حلقة الوصل بين موارد الغاز النيجيرية وشبكات النقل والتصدير الجزائرية.

ويستهدف المشروع ربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، عبر أنبوب يبلغ طوله نحو 4200 كيلومتر، بطاقة أولية مستهدفة تُقارب 20 مليار متر مكعب سنوياً، مع إمكان زيادتها إلى 30 مليار متر مكعب، وفق وزارة المحروقات والمناجم الجزائرية. 

وتقدر وزارة التجارة الأميركية الاستثمارات المطلوبة للمشروع بنحو 13 مليار دولار، بينها 10 مليارات دولار للإنشاءات والتجهيزات و3 مليارات لمراكز تجميع الغاز، وفق تقديرات نشرتها عام 2022. ولا تمثل هذه الأرقام تكلفة نهائية محدثة، خصوصاً بعد إعادة دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع. 

وشهد المشروع تطوراً في يونيو الماضي، بعدما اعتمدت الجزائر والنيجر ونيجيريا التقرير النهائي لدراسة الجدوى المحدثة، واتخذته مرجعاً فنياً واقتصادياً للانتقال إلى مراحل التنفيذ التالية.

وفي الشهر نفسه، أعلنت “سوناطراك” إطلاق أعمال إنشاء الجزء الجزائري من الأنبوب في ولاية أدرار، بحضور وزراء الطاقة في البلدان الثلاثة، على أن يمتد الجزء الجزائري من الحدود مع النيجر بمحاذاة الطريق العابر للصحراء إلى مركز توزيع الغاز في حاسي الرمل، ومنه إلى شبكات نقل الغاز ومنشآت التصدير القائمة. 

ويمنح المشروع الجزائر فرصة لتعزيز دورها ممراً لصادرات الغاز الأفريقية نحو الأسواق الأوروبية، ويوفر لنيجيريا مساراً إضافياً لتصدير الغاز، فيما يتيح للنيجر الاستفادة من موقعها الجغرافي بوصفها دولة عبور، فضلاً عن الفرص المحتملة لتطوير البنية التحتية للطاقة.

منافسة مع المغرب على ممرات الطاقة

بالتزامن مع الرهان الجزائري، يدفع المغرب مشروعاً آخر لربط نيجيريا بأسواق الغاز عبر دول غرب أفريقيا وساحل المحيط الأطلسي، إلى جانب مبادرة لتوفير منفذ بحري لدول الساحل غير الساحلية، في إطار تنافس إقليمي على تطوير ممرات التجارة والطاقة.

اقرأ أيضاً: من أين ستأتي 25 مليار دولار لتمويل أنبوب غاز “نيجيريا-المغرب”؟

وفي دراسة نشرها “معهد الدراسات الأمنية الأفريقي” في 16 مارس الماضي، رأى الباحثون أن الجزائر تعتمد التعاون الاقتصادي لاستعادة نفوذها في الساحل بعد التوترات الدبلوماسية مع دول المنطقة، فيما تشكل المبادرات المغربية أحد عناصر المنافسة الإقليمية.

وتضع الدراسة مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء ضمن الأدوات التي تستخدمها الجزائر لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع النيجر. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *