طفرة صادرات الذكاء الاصطناعي تمنح ماليزيا فرصة جديدة للتألق

تتمتع منظومة التصدير الماليزية بقوة كبيرة، ما يمنح البلاد، التي طمحت يوماً إلى أن تصبح اقتصاداً متقدماً، فرصة ثانية للتألق. وباعتبارها دولة انتقدت بشدة في بعض الأحيان تقلبات الرأسمالية العالمية، ينبغي لماليزيا اغتنام هذه الفرصة وتأجيل القلق بشأن احتمال انهيار طفرة الذكاء الاصطناعي إلى وقت لاحق.
قد تمهد طفرة أشباه الموصلات الطريق للمرحلة المقبلة من التنمية الاقتصادية، إذا جاءت الاستثمارات في الوقت المناسب. ويستعد ماسايوشي سون، مؤسس شركة “سوفت بنك غروب”، لضخ 50 مليار دولار في الاقتصاد الماليزي عبر استثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فيما تعمل ولاية بينانغ الشمالية على تجريف قاع البحر لإنشاء “سيليكون آيلاند” لاحتضان الموجة المقبلة من الصناعات التكنولوجية.
الطلب على الذكاء الاصطناعي في ماليزيا
فقدت ماليزيا قدراً كبيراً من زخمها الاقتصادي بعد الأزمة المالية الآسيوية في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وأقرت بأن طموحاتها للتحول إلى اقتصاد متقدم بحلول بداية العقد الجاري لم تكن واقعية.
وقد تكون القفزة في الطلب على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هي بالضبط ما تحتاج إليه البلاد لشق مسار جديد نحو المستقبل. وقفزت الصادرات بأكثر من 50% في سبتمبر مقارنة بالفترة نفسها قبل عام، لتصل إلى مستوى قياسي، بعد ارتفاع كبير بلغ 45% في الشهر السابق. كما نما الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة قوية بلغت 5.3% في الربع الثالث، متجاوزاً معظم التوقعات.
ماسايوشي سون يخطط لاستثمار 50 مليار دولار بالذكاء الاصطناعي في ماليزيا.. تفاصيل هنا
لا تصل هذه الأرقام إلى المستويات الاستثنائية المسجلة في كوريا الجنوبية، حيث ارتفعت الصادرات بمقدار الثلثين خلال الأيام العشرين الأولى من الشهر الجاري، مدعومة بروابط قوية مع منظومتي التكنولوجيا في الصين والولايات المتحدة الأميركية. لكن وتيرة النمو الاقتصادي في ماليزيا تتفوق على هاتين القوتين الاقتصاديتين.
وتحصل البلاد الآن على دفعة إضافية من شركات توسع وجودها فيها، بما في ذلك شركات كورية جنوبية. ويأتي ذلك بالتزامن مع اقتراب ماليزيا من بلوغ الحد الذي يعتمده البنك الدولي لتصنيف الاقتصادات مرتفعة الدخل، ما سيضعها في مرتبة متقدمة بفارق كبير عن بقية دول جنوب شرق آسيا، باستثناء سنغافورة وبروناي الغنية بالنفط.
ماليزيا ومكاسب العولمة
ربما لم يتوقع كثيرون هذه الطفرة قبل 18 شهراً، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية واسعة النطاق. فقد سادت مخاوف من تعرض التجارة لانتكاسة شديدة، وكان هناك شبه إجماع على أن عصر العولمة قد انتهى. لكن عمليات شراء السلع وبيعها بين المتعاملين عبر الحدود كانت في الواقع على أعتاب نهضة جديدة، وكانت ماليزيا من أبرز المستفيدين منها.
طالع المزيد: الاتفاق بين ماليزيا وأميركا يثير قلقاً بشأن السيادة التجارية والرسوم
استفادت ماليزيا من هذا الخطأ الكبير في التقديرات. فقد توقع تقرير حديث صادر عن منظمة التجارة العالمية نمو تجارة السلع 3.9% في العام الجاري و4.1% في 2027. ويتجاوز الرقمان التقديرات السابقة، كما يفوقان بسهولة التوقعات للناتج المحلي الإجمالي العالمي.
لكن رغم كل النجاحات التي حققتها، ظلت كوالالمبور تحمل تحفظات جدية بشأن الآثار الجانبية للعولمة. فقد خشيت فقدان سيادتها، ولجأت من حين إلى آخر إلى إجراءات صارمة.
وحث مهاتير محمد، رئيس الوزراء الأطول بقاءً في منصبه في تاريخ البلاد، والذي انتهت آخر فترة له في الحكم عام 2020، المواطنين على “عدم شراء المنتجات البريطانية إلا كخيار أخير”. وخلال الأزمة المالية التي عصفت بالمنطقة، شن هجوماً حاداً على متداولي العملات، وصور الأزمة على أنها مؤامرة معادية للمسلمين دبرها الممول الملياردير جورج سوروس. وفي 1998، فرض قيوداً على حركة رؤوس الأموال.
تضرر سمعة ماليزيا
تضررت سمعة ماليزيا كشريك اقتصادي موثوق، لكن الضرر لم يستمر. ولحسن الحظ، لا يُظهر الفريق الحاكم الحالي بقيادة رئيس الوزراء أنور إبراهيم اهتماماً كبيراً بخوض معارك أيديولوجية.
ويبني المسؤولون الحاليون على أسس متينة. فقد شكلت الخطوات المتخذة لفتح الاقتصاد في سبعينيات القرن الماضي تجربة مهدت للانتعاش الأحدث. وتحظى شركة “إنتل” بإشادة كبيرة لرهانها المبكر على بينانغ، التي تحولت إلى مركز تجاري في أواخر القرن الثامن عشر على يد شركة “الهند الشرقية” (East India)، قبل أن تدخل لاحقاً مرحلة من الركود عندما بدأت المصالح التجارية الاستعمارية تركز اهتمامها على سنغافورة الواقعة جنوباً. وكان قادة الولاية يبحثون عن سبل لتنويع اقتصادها بعيداً عن صيد الأسماك والسياحة. وكانت شركتا “ويسترن ديجيتال” و”مايكرون تكنولوجي” من بين الأسماء المعروفة التي حذت حذو “إنتل”.
اقرأ أيضاً: ماليزيا تراهن على الذكاء الاصطناعي لاستعادة سحرها
تسعى بينانغ الآن إلى تعزيز مكانتها خشية تفويت المزيد من التقدم، وذلك من خلال مشروع سيمتد على مساحة تقارب 3 أمثال مساحة “سنترال بارك” في نيويورك. ويقول المسؤولون إن الولاية تستحوذ على نحو 5% من صادرات أشباه الموصلات العالمية.
لكن رغم هذا النشاط الكبير، ثمة نقطة ضعف، إذ تتركز قدراتها في تجميع الرقائق واختبارها. أما المجالات الأعلى قيمة، مثل تصميم الرقائق والتغليف المتقدم، فلم ترسخ البلاد بعد حضوراً كبيراً فيها. ويدفع المسؤولون التنفيذيون باتجاه تطوير هذه المجالات منذ سنوات، وقد توفر طفرة الذكاء الاصطناعي الحافز الذي تحتاج إليه البلاد لتحقيق ذلك.
إنفاق الذكاء الاصطناعي
تراهن ماليزيا بكل قوتها على استمرار العولمة. لكن ماذا لو انتهى هذا الرهان بانهيار؟ فقد تراجع حماس الأسواق وسط مخاوف بشأن الإفراط في الإنفاق، والتوقيت الذي ستبدأ فيه هذه الاستثمارات بتحقيق عوائد مجدية.
وقدرت شركة الأبحاث “غارتنر” (Gartner) أن إنفاقاً يتجاوز 3.5 تريليون دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يكون معرضاً لخطر انخفاض القيمة الدفترية للأصول بحلول عام 2030، إذا لم تكن الإيرادات كافية لتبرير هذه النفقات.
وفي أسوأ السيناريوهات، قد تتحول مشروعات البنية التحتية العامة التي تبدو استثمارات ذكية طويلة الأجل تهدف إلى الاستفادة من الهوس بالتكنولوجيا، إلى مشروع ضخم آخر لم يحقق الوعود التي صاحبت انطلاقه.
سباق الذكاء الاصطناعي يهدد بخفض قيمة أصول بـ3.5 تريليون دولار.. المزيد من هنا
بالنسبة إلى جنوب شرق آسيا، تبدو هذه مشكلة يمكن التعامل معها في وقت لاحق. وقد لا تشعر ماليزيا أبداً بارتياح حقيقي لربط آفاقها الاقتصادية بالأجانب، لكنها وجدت مراراً أن الاعتماد عليهم يعود عليها بالنفع. وفي الوقت الراهن، يجدر الرهان على ماليزيا.



