بلومبرغ: بنوك الإمارات ترفع الفوائد وسط شح السيولة وزيادة الإقراض

على مدى سنوات، تمتعت البنوك في الإمارات العربية المتحدة بوفرة في السيولة، إذ اجتذبت الطفرة الاقتصادية المحلية وانعدام اليقين الجيوسياسي في مناطق أخرى تدفقات رأسمالية قوية. أما الآن، فتتنافس كبرى البنوك على استقطاب ودائع جديدة، في ظل اصطدام طفرة الطلب على الإقراض بشح السيولة.
فمع دخول الحرب الإقليمية شهرها الثامن، يتسارع الطلب على الائتمان، مدفوعاً بمشروعات بنية تحتية بمليارات الدولارات ضمن مبادرة “صفر هرمز” (Zero Hormuz)، الرامية إلى تجاوز الممر المائي الحيوي. وتفاقمت الضغوط على السيولة بفعل سحب الهنود غير المقيمين لتدفقات مالية كبيرة، وزاد ضغط هذه السحوبات بعد إطلاق نيودلهي لبرنامج خاص يستهدف جذب الودائع الدولارية.
تتجلى مؤشرات شح السيولة في الفارق بين سعر الفائدة المرجعي للإقراض بين البنوك الإماراتية لأجل ثلاثة أشهر “إيبور” (Eibor) وأسعار الفائدة الأميركية، فبعدما ظل الفارق في النطاق السلبي معظم الوقت خلال العامين الماضيين، ارتفع بعد اندلاع الحرب في أواخر فبراير.
بنوك الإمارات تسارع لجذب الودائع
في ظل هذه الظروف، سارعت أكبر بنوك الإمارات إلى تقديم أسعار فائدة جذابة.
فقد قدم بنك “أبوظبي الأول”، أكبر بنوك الإمارات من حيث الأصول، فائدة تبلغ 5.6% للمقيمين في الدولة على الأموال الجديدة المودعة في حسابات التوفير بين سبتمبر وديسمبر من العام الجاري، دون اشتراط حد أدنى للرصيد أو فرض قيود على عمليات السحب، مقارنة بفائدة بلغت 4% ضمن حملته الترويجية السابقة التي انتهت في 31 أغسطس.
بدوره، أعلن بنك “الإمارات دبي الوطني”، أكبر بنوك دبي، عن أسعار فائدة تصل إلى 5.5% على بعض الودائع الجديدة الأكبر قيمة، ضمن عرض ترويجي يمتد ثلاثة أشهر من أكتوبر إلى ديسمبر. غير أن أسعار الفائدة المرتفعة لم تكن حكراً على التحركات الأخيرة، فعلى سبيل المثال، سبق وأن أعلن بنك “المشرق” عن فائدة تبلغ 6.25% على حسابات التوفير.
تفوق هذه العروض سعر الفائدة المرجعي بفارق كبير. فقد رفع مصرف الإمارات المركزي سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.9% في سبتمبر، تماشياً مع قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في ظل ربط الدرهم الإماراتي بالدولار.
تأثير حرب إيران على القطاع المصرفي الإماراتي
انكمشت القاعدة النقدية في الإمارات بنحو 13.5% منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بحسب ناريش بيلانداني، العضو المنتدب ورئيس قسم أبحاث الأسهم للمنطقة لدى شركة “جيفريز” (Jefferies).
وقال بيلانداني: “يتزامن هذا التشدد النقدي مع استمرار الزخم القوي للائتمان، بدعم من الإنفاق الرأسمالي لكيانات القطاع العام في الإمارات والطلب المستمر على قروض الأفراد. بما يدفع البنوك إلى تحمل تكاليف أعلى للودائع لتمويل نمو الائتمان”.
وتفوّق نمو الائتمان على الودائع بفارق ملحوظ خلال العام الجاري، بقيادة الإقراض الموجه للحكومة والقطاع العام، الذي تجاوز نموه أداء السوق ككل. وارتفع حجم القروض بنسبة 18.1% على أساس سنوي في الربع الثاني، مقابل نمو الودائع بنحو 14%، بحسب بيانات مصرف الإمارات المركزي.
دفع اتساع هذه الفجوة نسبة القروض إلى الودائع لتتجاوز 80% حالياً، ارتفاعاً من نحو 77.7% في عام 2025، وفقاً لبيانات المصرف المركزي. ورغم ذلك، لا تزال النسبة ضمن الحدود المريحة للجهات التنظيمية، وأقل من مستوياتها في بعض دول المنطقة، بما فيها السعودية.
من جهته، قال إدموند كريستو، المحلل لدى “بلومبرغ إنتليجنس”، إن المنافسة على استقطاب ودائع جديدة اشتدت، في ظل تدابير دعم السيولة التي أعلنها المصرف المركزي في بداية الحرب، وكان من المقرر انتهاء العمل بها في سبتمبر، ما يستلزم من البنوك الإماراتية -التي استفادت من هذه التسهيلات في تغطية ما يصل إلى 30% من متطلبات احتياطياتها النقدية- سداد التمويل.
وأضاف: “في الوقت نفسه، ربما يلقي الصراع الإقليمي بظلاله على تدفقات رؤوس الأموال الوافدة، ما يقلص حجم الأموال الجديدة التي تدخل النظام المالي مقارنة بالعام الماضي”.
لم يستجب المصرف المركزي لطلب التعليق، فيما رفض بنك “الإمارات دبي الوطني” التعليق، ولم يقدم بنكا “أبوظبي الأول” و”المشرق” رداً فورياً على طلبات مماثلة.
خروج بعض ودائع الهنود عامل ضغط إضافي
قالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين لدى بنك “أبوظبي التجاري”، إن “البنوك ترى قائمة قوية من الطلبات الائتمانية المرتقبة”، بما يشمل كيانات مرتبطة بالحكومة تواصل تنفيذ مشروعات البنية التحتية وغيرها من المشروعات.
وواجهت البنوك الإماراتية استنزافاً إضافياً للودائع في وقت سابق من العام الجاري، إذ قال أشخاص مطلعون لـ”بلومبرغ نيوز” إن الجزء الأكبر من الودائع المقومة بالعملات الأجنبية، البالغة قيمتها نحو 130 مليار دولار والتي جرى إيداعها عبر تسهيل خاص للمواطنين الهنود المقيمين في الخارج، جاء من منطقة الخليج.
ورغم عدم توافر بيانات تفصيلية بحسب الدول، شاركت بنوك إماراتية في البرنامج، إذ عرض بنك “أبوظبي الأول” تمويلاً يصل إلى 1.5 مليار دولار للهنود غير المقيمين المستثمرين فيه، بحسب “بلومبرغ نيوز”. وتستضيف الإمارات شريحة كبيرة من الجالية الهندية المقيمة في الخليج، وتشكل أحد أهم ممرات التحويلات المالية عالمياً.
قد تختبر مساعي البنوك الإماراتية الحالية لاستقطاب الودائع مدى ثقة السوق واستجابة المودعين للعروض المطروحة.
فقد أشار بيلانداني، من “جيفريز”، إلى صعوبة جذب أموال جديدة، خصوصاً من الشركات، في ظل تزايد احتياجاتها لرأس المال العامل في أعقاب الحرب.
بينما يرى كريستو، من “بلومبرغ إنتليجنس”، أن احتدام المنافسة على الودائع، بالتزامن مع ضعف تدفقات الأموال الجديدة، يعني أن “البنوك تدفع علاوة للحصول على السيولة”.



