الدرهم الرقمي.. المغرب يبحث خفض “الكاش” دون إرباك البنوك

يواجه مشروع الدرهم الرقمي في المغرب اختباراً يتجاوز إمكانات إصداره تقنياً، إلى قدرته على تغيير سلوك الدفع لدى الأفراد والشركات، في اقتصاد لا يزال يعتمد بقوة على النقد.
بينما يُنظر إلى العملة الرقمية للبنك المركزي بكونها خطوة لتوسيع الشمول المالي وخفض تكاليف المدفوعات، تُحذّر دراسة حديثة من مخاطر انتقال الودائع البنكية إذا تحوّلت إلى منافس مباشر للحسابات المصرفية، فيما يعتبر خبراء أن نجاحها يرتبط ببناء الثقة وتقديم مزايا ملموسة للمستخدمين.
وتستعرض دراسة “العملة الرقمية للبنك المركزي: رهانات ودروس للمغرب”، التي أعدّتها شيماء الشاوي وكمال لحلو ومحمد ميكو ونشرها بنك المغرب المركزي الشهر الجاري، الخيارات التقنية والاقتصادية المتاحة، مستندةً إلى التجارب الدولية. ولا تعني الدراسة اتخاذ قرار رسمي بإصدار الدرهم الرقمي، بل تطرح الخيارات التي يمكن الاستفادة منها في حال المضي في المشروع.
اقرأ أيضاً: لماذا يتعرض الدرهم المغربي لضغوط أمام الدولار؟
النقد يهيمن رغم انتشار البطاقات
تأتي الدراسة في وقت ارتفع فيه حجم النقد المتداول في المملكة من قرابة 70 مليار درهم في 2001 إلى أكثر من 500 مليار درهم (50 مليار دولار) في 2025، رغم تجاوز عدد البطاقات البنكية 22 مليون بطاقة. لكن استخدام هذه البطاقات لا يزال موجهاً أساساً إلى سحب الأموال، أكثر من الدفع، يضاف إليها محدودية انتشار خدمة الدفع عبر الهاتف المحمول رغم إطلاقها في 2019.
وتبرز هذه المؤشرات حجم التحدي أمام أي تحول نحو المدفوعات الرقمية، خصوصاً أن نسبة الأفراد المقيمين الذين يمتلكون حسابات بنكية لم تتجاوز 62% في 2025، وفق الدراسة. كما يمثل الاقتصاد غير الرسمي نحو 30% من الناتج المحلي، ويساهم بنحو 75% من التشغيل، بينما لا يمتلك سوى 2% من رؤساء وحدات الإنتاج غير الرسمية حسابات بنكية مخصصة لأنشطتهم.
يرى سليمان العمراني، مدير “مرصد التحول الرقمي” ومقره العاصمة الرباط، أن الدرهم الرقمي يمكن أن يُشكّل رافعة للتحول الرقمي وإدماج أنشطة الاقتصاد غير الرسمي في الدورة الاقتصادية، فضلاً عن فوائده المحتملة للأفراد والقطاع الخاص والمالية العمومية.
وقال العمراني لـ”الشرق بلومبرغ” إن اعتماد العملة الرقمية أصبح ضرورة في سياق عالمي يتجه نحو هذا النوع من وسائل الدفع، لكنه شدّد على أن الانتقال إليها يتطلب معالجة الاختلالات القائمة في علاقة البنوك بعملائها، والتصدي للاحتيال المالي، وتقييم أسباب محدودية تجربة الدفع الرقمي.
عملة مكمّلة للنقد
توصي الدراسة بالتوجه نحو عملة رقمية مخصصة للأفراد والشركات، تستهدف المدفوعات اليومية وتكمل وسائل الدفع القائمة، بدلاً من أن تحل محل النقد التقليدي، ويشترط هذا النموذج أن تكون سهلة الاستخدام ومنخفضة التكلفة، وأن تعمل بالتكامل مع أنظمة الدفع الحالية، مع إتاحة إمكانية إجراء المعاملات دون اتصال بالإنترنت.
وتقترح الدراسة بنية تقوم على مستويين، يتولى فيهما بنك المغرب المركزي إصدار العملة والإشراف عليها، فيما تتكفل البنوك ومؤسسات الدفع بتوزيعها وتقديم الخدمات للمستخدمين. كما تطرح الجمع بين الحسابات والرموز الرقمية، بما يسمح بتحديد مستويات مختلفة للتعريف بالمستخدم وسقوف الاستخدام.
لكن إصدار العملة الرقمية لا يكفي، في حد ذاته، لدفع المغاربة إلى التخلي عن “الكاش” أو اعتماد وسائل الدفع الرقمية على نطاق أوسع في ظل استمرار عدة تحديات.
اقرأ أيضاً: أي العملات العربية تكبدت أكبر الخسائر منذ بداية 2026؟
قال بدر بلاج، خبير البلوكتشين والعملات الرقمية، إن التحدي الأساسي يتمثل في بناء منظومة تجعل الدرهم الرقمي جذاباً وآمناً وموثوقاً، من خلال خفض تكلفة الدفع وتبسيط الوصول إلى الخدمات المالية وتوفير ضمانات لحماية الخصوصية.
واعتبر بلاج، في تصريح لـ”الشرق بلومبرغ”، أن تجربة الدفع عبر الهاتف المحمول في المغرب تطرح تساؤلات بشأن استعداد المستخدمين لتبني وسائل رقمية جديدة، مؤكداً أن نجاح الدرهم الرقمي يتوقف على تقديم قيمة مضافة حقيقية، وليس مجرد توفير وسيلة دفع إضافية.
الودائع البنكية تحت الاختبار
يُمثل تأثير الدرهم الرقمي على تمويل البنوك أحد أبرز المخاطر التي تتناولها الدراسة. فإذا اقتصر استخدامه على المدفوعات التي تتم حالياً بالنقد، فقد تظلّ انعكاساته على القطاع المصرفي محدودة. أما إذا أصبح بديلاً مباشراً للودائع البنكية، فقد ترتفع تكلفة تمويل البنوك وتتراجع ربحيتها، مع احتمال التأثير في انتقال آثار السياسة النقدية إلى الاقتصاد.
وتشير المحاكاة التي أُجريت بمساعدة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن النظام المصرفي المغربي يمتلك هوامش لاستيعاب انتقال جزئي للودائع، ما دام الإقبال على العملة الرقمية معتدلاً، وفقاً للدراسة.
قد يهمك أيضاً: كيف يواجه المغرب معضلة زيادة “الكاش”؟
وللحد من هذه المخاطر، تقترح الدراسة إصدار الدرهم الرقمي دون فوائد في البداية، ووضع سقوف للاحتفاظ به ولحجم المعاملات، إلى جانب اعتماد إطلاق تدريجي. كما تُشدّد على ضرورة توفير إطار قانوني واضح يحدد مسؤوليات الجهات المعنية، مع ضمان الأمن السيبراني وحماية البيانات واستمرارية الخدمات.
وكان بنك المغرب المركزي قد أنجز، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اختباراً تقنياً لنموذج أولي للعملة الرقمية الموجهة للأفراد. وشمل الاختبار الإصدار والتوزيع والاحتفاظ بالعملة عبر المحافظ الرقمية، والمدفوعات بين الأفراد، والتشغيل البيني مع البنية المالية القائمة.
وخلص الاختبار إلى تأكيد الجدوى التقنية لإصدار عملة رقمية للأفراد في المغرب، مع إبراز تحديات تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البيانات وقدرة البنية التحتية على استيعاب الاستخدام المتزايد.
غير أن بلاج يرى أن الدراسة لا تُقدّم تصوراً تنفيذياً متكاملاً بشأن كيفية إطلاق الدرهم الرقمي، داعياً إلى نشر نتائج أكثر تفصيلاً عن التجارب التقنية التي أجراها البنك المركزي، بما يسمح بفهم العقبات التي كشفت عنها وتقييم مدى ملاءمة الخيارات المطروحة لاحتياجات العملاء.
الثقة والخصوصية تحددان الإقبال
لا تقتصر العقبات على الجوانب التقنية والمصرفية، بل تمتدّ إلى مخاوف المستخدمين بشأن الخصوصية وإمكانية تتبع المعاملات الرقمية. ويحذر بلاج من أن المخاوف المرتبطة باستخدام البيانات لأغراض ضريبية قد تدفع بعض الأفراد والأنشطة الاقتصادية إلى مواصلة تفضيل النقد، خصوصاً في الاقتصاد غير الرسمي.
وتطرح الدراسة إمكانية توفير قدر من الخصوصية للمعاملات الصغيرة وفق مستويات التعريف بالمستخدم، مع الالتزام بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويظل تحقيق التوازن بين حماية البيانات والرقابة على المعاملات أحد الشروط الأساسية لبناء الثقة في النظام الجديد.
من جهته، شدّد العمراني على أهمية التواصل والنقاش لتهيئة المستخدمين لهذا التحول، إلى جانب العمل التشاركي بين بنك المغرب والقطاعات الحكومية والقطاع الخاص والإعلام والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية. واعتبر أن استمرار هيمنة النقد يمثل تحدّياً يمكن الحد منه بتعبئة مختلف الأطراف، محذراً من أن التحولات النوعية في وسائل الدفع قد تواجه مُقاومةً إذا لم تُهيأ شروط نجاحها مسبقاً.
اقرأ أيضاً: الدفع الرقمي يتقدم في المغرب.. لكن “الكاش” لا يزال مسيطراً
التحويلات الدولية فرصة إضافية
إلى جانب المدفوعات المحلية، تطرح العملة الرقمية فرصاً لتطوير التحويلات عبر الحدود، التي تمثل مجالاً مهماً للاقتصاد المغربي في ظل بلوغ تحويلات المغتربين ما يعادل في المتوسط نحو 8% من الناتج المحلي خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب الدراسة، يمكن أن يُساهم تقليص عدد الوسطاء وتحسين الربط بين أنظمة الدفع في خفض تكلفة التحويلات وتسريع وصولها. وتستشهد في هذا السياق بمشروع “إم بريدج” (mBridge)، الذي شاركت فيه بنوك مركزية عدة، وأتاح في بعض الحالات خفض تكاليف التحويلات بما يصل إلى 50%، وتنفيذ المعاملات في ثوانٍ بدلاً من أيام.
كما تشير إلى مشروع تجريبي للمدفوعات العابرة للحدود يجري العمل عليه بالشراكة مع البنك المركزي المصري وبدعم من البنك الدولي، لدراسة سبل تقليص التكلفة والوقت وتعزيز الربط بين أنظمة الدفع.
اقرأ أيضاً: هذه تفاصيل أول مشروع قانون للأصول المشفرة في المغرب
وتخلص الدراسة إلى أن إدخال الدرهم الرقمي ينبغي أن يتم تدريجياً وعلى المدى الطويل، ضمن مسار أوسع لتطوير منظومة المدفوعات. وبينما توفر التجارب التقنية أساساً لدراسة إمكانات الإصدار، يبقى نجاح المشروع مرتبطاً بقدرته على كسب ثقة المستخدمين، وتوسيع الاستخدام الفعلي للدفع الرقمي، مع حماية استقرار البنوك وضمان الخصوصية.



