ترمب يدشن نظاماً عالمياً أميركياً جديداً باعتقاله مادورو

بعد ضربته على فنزويلا، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أنه سيطبق نهجه في السياسة الخارجية في مناطق أخرى، ملمحاً إلى رغبته في “مساعدة” كوبا وغرينلاند.
وجهت العملية الأميركية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إنذاراً لحلفاء أميركا وخصومها على حد سواء: الرئيس دونالد ترمب لديه نظام عالمي جديد خاص به.
بعد العملية “المذهلة” التي نفذت في وقت متأخر من الليل وانتهت بنقل مادورو وزوجته من قاعدة عسكرية محصنة قرب كاراكاس إلى سجن في نيويورك، أظهر ترمب مدى استعداد الولايات المتحدة للذهاب بعيداً للقضاء على زعيم ينظر إليه على أنه تهديد للمصالح والأمن الأميركيين.
ما أهداف ترمب من إزاحة مادورو عن حكم فنزويلا؟
قال ترمب في مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه اعتقال مادورو: “سيحدد المستقبل بقدرتنا على حماية التجارة والأراضي والموارد التي تشكل جوهر الأمن القومي. هذه هي القوانين الحديدية التي لطالما حددت موازين القوى العالمية، وسنبقيها كذلك”.
أثارت هذه المقاربة صدمة عالمية، وجذبت انتقادات من برازيليا إلى بكين. وجاءت هذه الخطوة بعد ضربات شنها ترمب خلال ولايته الثانية على الصومال ونيجيريا وسوريا والعراق وإيران، فضلاً عن المياه الدولية، لتمثل ذروة أسلوب أكثر عدوانية في السياسة الخارجية، يعلي مصالح الولايات المتحدة فوق كل اعتبار.
شرخ في النظام العالمي
قال سون تشنغهاو، الباحث في مركز الأمن الدولي والاستراتيجية بجامعة تسينغهوا، في مقابلة، إن الإطاحة بمادورو ستعتبر “درساً قاسياً في سياسة القوة”. أضاف أن هذه الخطوة، بالنسبة لنظرائه العالميين كالصين، “تسرّع وتيرة اتجاه أوسع نحو إعادة تشكيل النظام العالمي”.
بينما ينتظر مادورو المحاكمة في سجن في نيويورك، لم يضع ترمب وقتاً في تأجيج التكهنات حول أهدافه المحتملة التالية. شملت هذه الدول كوبا، التي فقدت فجأة أهم داعميها بسجن مادورو – وقد أعلن ترمب السبت: “نريد مساعدة الشعب هناك“، كما حذر الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي عليه “أن يحذر”. ثم هناك غرينلاند، وهي جزء من أراضي الدنمارك، حليفة الناتو.
قال ترمب يوم الأحد على متن طائرة الرئاسة: “نحن بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي.. الدنمارك لن تكون قادرة على فعل ذلك”.
استنكر رئيس وزراء الدنمارك هذا التوجه، قائلا إن الولايات المتحدة “ليس لها الحق في ضم” أي جزء من أراضيها.
الدنمارك تحث ترمب على وقف تهديداته بالسيطرة على غرينلاند
في حين أن شن هجوم عسكري أميركي على منطقة في القطب الشمالي ما يزال يبدو مستبعداً، إلا أنه يصعب استبعاد أي شيء حالياً. ليس الجيش الأداة الوحيدة المتاحة لترمب: فقد أظهر استعداده لفرض عقوبات تجارية ورسوم جمركية كوسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية. ولم يتردد مساعدو ترمب، ولا سيما نائب الرئيس جيه دي فانس، في إظهار دعمهم لأحزاب المعارضة الأوروبية التي يرون أنها الأنسب لإدارة القارة.
صانع سلام على طريقته
رغم أن الأحداث الأخيرة بدت متناقضة مع مزاعم ترمب السابقة بأنه “صانع سلام”، إلا أنها تلاقت مع النهج الأكثر حزماً الذي اتبعه في ولايته الرئاسية الثانية. ويشمل ذلك نشر الحرس الوطني في مدن أميركية عديدة، وتبنيه حملة لإجبار ملايين المهاجرين على مغادرة الولايات المتحدة.
أكدت مهمة فنزويلا، التي نفذت دون استشارة الحلفاء أو وضع خطط واضحة لما سيحدث لاحقاً في الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، على أن “ترمب يبادر بالتحرك أولا ثم يلتفت إلى ترتيب التفاصيل لاحقاً”.
قال بدر السيف، الأستاذ المساعد بجامعة الكويت والباحث المشارك في تشاثام هاوس: “لقد كُتب الكثير عن صعود عالم متعدد الأقطاب، لكن إدارة ترمب تظهر لنا بوادر نظام إمبريالي”.
في ظل ترمب 2.0، أصبح الحلفاء التاريخيون هدفاً لخطاب أكثر تهديداً. فقد أدلى الرئيس بتصريحات جانبية حول انضمام كندا إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية الحادية والخمسين، وهدد بمهاجمة بنما لمنع الصين من ممارسة نفوذ مفرط على قناة بنما. وفي مقابلة مع فوكس نيوز يوم السبت، حذر من أنه “يجب علينا فعل شيء ما” حيال المكسيك نظراً لما وصفه بعجز الرئيسة كلوديا شينباوم عن قمع عصابات المخدرات.
قال ترمب: “إنها لا تدير المكسيك. عصابات المخدرات هي من تدير المكسيك“.
هل تستطيع المكسيك استرضاء أميركا والصين معاً؟
يرقى كل ذلك إلى رفضٍ صريحٍ لما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي شكل السياسة الخارجية الأميركية بعد الحرب الباردة، وفيه شددت الإدارات المتعاقبة على التعاون مع الحلفاء والعمل من خلال الأمم المتحدة وتكتلات مثل مجموعة العشرين، بقيادة الولايات المتحدة.
كانت هناك استثناءات بارزة، مثل غزو العراق عام 2003، لكن حتى في تلك الحالة، اكتفت الولايات المتحدة بالتظاهر بالسعي للحصول على دعم دولي لتحقيق أهدافها.
هذه المرة، لم يكن ترمب تحت أي ذريعة. لقد تصرف بمفرده. وهذا يعيدنا إلى نموذج استعماري، حيث قد تسمح الولايات المتحدة لحكومات مستقلة اسمياً بإدارة شؤونها الخاصة، بينما تؤكد في الوقت نفسه هيمنتها من خلال الإكراه الاقتصادي والقوة العسكرية.
إن القاسم المشترك لنهج ترمب الجديد، الذي تتبناه الولايات المتحدة في أوكرانيا واليمن والصراع الإسرائيلي الفلسطيني في غزة، حيث ما تزال تفاصيل مجلس السلام الحاكم غامضة، في التركيز على الإنجازات قصيرة الأجل على حساب القضايا الأعقد والأطول أجلاً المتعلقة بالحوكمة والاستقرار.
قال السيف، من جامعة الكويت: “الأحداث في فنزويلا ومجلس السلام المزمع تشكيله لغزة، بالإضافة إلى الإشارات المؤججة المتقطعة إلى غرينلاند وكندا، تشير جميعها إلى تداعيات واسعة النطاق لاضطراب عالمي”.
فلسفة قد تنقلب ضد المصالح الأميركية
يقول بعض منتقدي الرئيس إن نموذج ترمب قد يستخدم كنموذج للصين لاستعادة تايوان، الجزيرة ذاتية الحكم التي تعتبرها بكين مقاطعة منشقة، أو لتشجيع روسيا على تجديد جهودها للإطاحة بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
من جزر سبراتلي في بحر الصين الجنوبي إلى الحدود المتنازع عليها عبر جبال الهيمالايا، قد يحول نهج ترمب في السياسة الخارجية بسرعة بؤرة توتر متفرقة إلى حرب شاملة.
كان ترمب وفريقه صريحين بشأن جانب واحد يوحد أهدافه المتعددة: الهيمنة الاقتصادية. أوضح هو وروبيو أن الولايات المتحدة تسعى للوصول إلى احتياطيات النفط الفنزويلية وهي الأكبر في العالم وتشكل 17% من الإجمالي العالمي.
خطة ترمب لإحياء نفط فنزويلا.. رهان صعب قيمته 100 مليار دولار
أعلن ترمب أن الشركات الأميركية قادرة على إعادة بناء البنية التحتية المتهالكة للطاقة في فنزويلا، وقال: “سنرسل شركات النفط الأميركية العملاقة – الأكبر في العالم – لتستثمر مليارات الدولارات، وتصلح البنية التحتية المتهالكة – البنية التحتية النفطية – وتبدأ في جني الأرباح للبلاد”.
تعد الموارد من أولويات ترمب أيضاً، لا سيما في أوكرانيا، حيث وقعت الولايات المتحدة اتفاقية للوصول إلى مواردها المعدنية في إطار دعمها لحكومة زيلينسكي.
أما في فنزويلا، فهي تتجاوز الموارد النفط. كتبت خيمينا زونيغا، محللة الجغرافيا الاقتصادية لأميركا اللاتينية والخبير الاقتصادي الأرجنتيني في “بلومبيرغ إيكونوميكس” إن الدولة التي يبلغ عدد سكانها 30 مليون نسمة ”لها نحو 3000 كيلومتر من السواحل، بشواطئ كاريبية خلابة تعد وجهة سياحية جاذبة، وموانئ استراتيجية للتجارة البحرية تربط قناة بنما وساحل خليج المكسيك الأميركي وأوروبا.“
ترمب: المكاسب قد تكون هائلة
وجاء في تقرير أعدته زونيغا: “نجاح الإطاحة بمادورو قد يشجع إدارة ترمب على توسيع نطاق حملة الضغط لتشمل كوبا أو غيرها من الأنظمة غير المرغوب فيها، بينما قد يقلل الفشل من رغبتها في التدخل“.
لقد زاد صعوبة فهم منطق الإدارة في توجيه الضربة إلى فنزويلا تضارب الرسائل الصادرة عن قادتها. على قناة ”إن بي سي“ (NBC)، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن هذه الخطوة ما هي إلا إعادة صياغة لمبدأ مونرو الذي يعود للقرن التاسع عشر، الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة أن نصف الكرة الغربي منطقة محظورة على استعمار الدول الأخرى.
هل يصبح ترمب وحيداً كما ظهر في مشهد الأمم المتحدة؟
سرعان ما نقض ترمب هذا الموقف في مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك”، قائلا: “الأمر لا يتعلق بنصف الكرة، بل بالدول على حدة”. وعلى متن طائرة الرئاسة، صرح بأنه يعتقد أن كوبا ستنهار من تلقاء نفسها: “لا أعتقد أننا بحاجة إلى أي تدخل”.
يهدد الهجوم المفاجئ على فنزويلا بتأجيج الانتقادات الموجهة للرئيس بأنه كان أكثر انشغالا بالسياسة الخارجية من اهتمامه بتحسين صورة الأميركيين عن إدارته للاقتصاد، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي بعد نحو عشرة أشهر.
في واشنطن، التف الجمهوريون المتشددون، الذين اعتادوا على تأثير محدود على الرئيس، حوله، بينما كان المحافظون المؤيدون لترمب، الذين عادةً ما يعارضون التدخلات العسكرية الخارجية، أكثر تحفظاً. قد يتغير الوضع في الأسابيع المقبلة، لا سيما إذا انهارت فنزويلا، لكن ائتلافه ظل متماسكا في أعقاب ذلك مباشرة.
السؤال: هل سيستمر هذا التماسك؟
وقالت الاستراتيجية الجمهورية مورا غيليسبي: “هذا ليس ما وعدوا به في حملتهم الانتخابية. عندما تنظر إلى الناس في الداخل، أعتقد أنهم في حيرة من أمرهم. لكن أيضاً، ينصب تركيزهم على: ما علاقة هذا بي؟ كيف سيؤثر علي؟“.
لقد تباينت ردود فعل الحكومات حول العالم على تحركات ترمب في فنزويلا بين الإدانة والتأييد، مع بعض أشد معارضة لهذه الخطوة من عدد قليل من دول أميركا اللاتينية. فقد أدان قادة المكسيك والبرازيل وكولومبيا الضربات، وقالت شينباوم، رئيسة وزراء المكسيك، إنها تعد انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة.
يبدو أن مزيد من الانتقادات أمر لا مفر منه. فقد وصف بيان صادر عن عدة دول في أميركا اللاتينية هذه الخطوة بأنها “سابقة خطيرة جداً على السلام والأمن الإقليمي”.
بعد مادورو يأتي الجزء الأصعب.. إصلاح اقتصاد فنزويلا
كان متوقعاً أيضاً أن يعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – وهو الهيئة التي أُنشئت للتوسط ومنع العمل العسكري الذي شنه ترمب – اجتماعاً طارئاً يوم الاثنين. إلا أن مجلس الأمن يعاني من شللٍ منذ سنوات في محاولاته لمعالجة النزاعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا. ويضمن استخدام الولايات المتحدة لحق النقض “الفيتو” في المجلس عدم التوصل إلى توافق في الآراء.
مع ذلك، لا يُبدي ترمب أي قلق إزاء الغضب الشعبي، ولا أي مؤشر على التراجع.
هذا رد فعل تأخذه دول أخرى على محمل الجد. قال مسؤول حكومي هندي رفيع المستوى أن تركيز الهند الآن سينصب على اكتساب القوة العسكرية. تساءل المحللون عما إذا كانت الصين ستستخدم الخطوة الأمريكية كنموذج لكيفية استهداف قيادة تايوان في نهاية المطاف دون غزو شامل.
قال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش يوم الأحد: “النظام العالمي القديم ينهار. لم يعد هناك قانون دولي”.



