صدام رقمي أميركي أوروبي يهدد الاتفاق التجاري

يشكل قرار الولايات المتحدة حظر إصدار تأشيرات دخول لخمسة مواطنين أوروبيين -بدعوى أن الاتحاد الأوروبي يعمد إلى التمحيص فيما يخص المواطنين الأميركيين- جبهةً جديدةً في النزاع حول حرية التعبير ومشروع السيادة الرقمية الأوروبي.
قد يكون لأي تصعيد إضافي آثار بعيدة المدى على المفاوضات التجارية وعلى أكثر من 400 مليار دولار من التعاملات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الخدمات الرقمية.
لطالما شكلت اللوائح الرقمية للاتحاد الأوروبي نقطة خلاف بالنسبة للولايات المتحدة لسنوات، إلا أن الفجوة عبر الأطلسي اتسعت لتصبح هوة سحيقة في عهد إدارة ترمب.
أميركا تعاقب مسؤولاً أوروبياً سابقاً وآخرين بسبب استهداف شركات التكنولوجيا
وقد تعهد ترمب شركات التقنية الأميركية الكبرى الغاضبة مما تعتبره معاملة تمييزية من الاتحاد الأوروبي ضد شركات التقنية الأميركية. وجاء حظر التأشيرات بعد انتقادات مشابهة من مسؤول التجارة الأميركي البارز جيمسون غرير الذي ردد هذه المخاوف وهدد بفرض قيود أو رسوم على كبرى شركات تقديم الخدمات الأوروبية العاملة في الولايات المتحدة- بما في ذلك ”سيمنز“ و“أكسنتشر“ و“سبوتيفاي“ وغيرها.
على عكس تجارة السلع، تتمتع الولايات المتحدة بفائض كبير في تجارة الخدمات مع الاتحاد الأوروبي، مدفوعاً بشكل رئيسي بشركات التقنية الأميركية الكبرى. وتُعدّ أوروبا ذات أهمية بالغة لهذه الشركات: فقد بلغت قيمة الخدمات الرقمية الأميركية المُقدمة إلى الاتحاد الأوروبي 302 مليار دولار، ما يُمثل 40% من الصادرات العالمية في عام 2024.
بروكسل ترد على واشنطن: تخفيف قوانين التكنولوجيا ليس للتفاوض
يرى كبار مسؤولي إدارة ترمب أن سياسات أوروبا المتعلقة بحرية التعبير تتعارض مع القيم الأميركية، وقد أصبحت هذه القضية جزءاً محورياً من استراتيجية ترمب للأمن القومي.
يعكس رد فعل القادة الأوروبيين الغاضب مدى مركزية سياسات السيادة الرقمية للاتحاد الأوروبي في المشروع الأوروبي الحديث، ما يُشير إلى إمكانية تصاعد هذه القضية.
كما أشرنا في نوفمبر، ما تزال هناك عقبات كبيرة أمام إبرام اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد يصعب التغلب على هذا النزاع الجديد، لأنه يمس أولويات ترمب السياسية الأساسية وسيادة الاتحاد الأوروبي.
هل يتعلق الأمر بشركات التقنية الكبرى أم بحرية التعبير؟ كلاهما، وأكثر
إن تيري بريتون، المفوض الأوروبي السابق ومهندس قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، والذي لطالما كان شوكة في خاصرة شركات التقنية الأميركية، الهدف الأبرز لحظر التأشيرات.
تُمثل الشركات الأميركية الغالبية العظمى من إجراءات الإنفاذ الكبرى والغرامات المالية التي تفرضها المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء على شركات التقنية.
انتقدت الإدارات الأميركية المتعاقبة قانون الخدمات الرقمية بشدة بسبب تنظيمه المتشدد للاقتصاد الرقمي، ولا سيما تشديده الرقابة على “المنصات الإلكترونية الضخمة جداً” التي تخدم ما لا يقل عن 45 مليون مستخدم أوروبي شهرياً.
الاتحاد الأوروبي يغرم منصة “إكس” وسط خلاف حرية التعبير مع أميركا
شكلت الشركات الأميركية 14 من أصل 17 منصة إلكترونية ضخمة جداً في أول تصنيف في عام 2023، واتُّهم الاتحاد الأوروبي بوضع عتبات ذريعة لاستهداف شركات التقنية الأميركية. وقد صدر أول إجراء إنفاذ رئيسي بموجب قانون الأمن القومي ضد شركة ”إكس“ (X) ”تويتر“ سابقاً التابعة لحليف ترمب، إيلون ماسك، في ديسمبر 2025.
من جانبه، تبنى بريتون صورة العدو اللدود لشركات التقنية الكبرى، مستغلاً منصبه لانتقاد قادة التقنية بانتظام، ومنهم ماسك.
مع ذلك، سيكون الظن أن الأمر برمته يتعلق بحماية شركات التقنية الكبرى مغلوطاً. بينما لم تكن إدارة ترمب متسقة في دفاعها عن حرية التعبير، انتقد مسؤولون نافذون في الإدارة وحلفاء خارجيون بشدة تنظيم حرية التعبير في أوروبا والمملكة المتحدة، لا سيما حرية التعبير عبر الإنترنت.
رغم ضغوط ترمب.. الاتحاد الأوروبي يحذر عمالقة التكنولوجيا: سنطبق لوائحنا على الجميع
أبرز هؤلاء كان نائب الرئيس جيه دي فانس، إذ صدم الحلفاء الأوروبيين خلال أول رحلة له إلى أوروبا في فبراير بهجوم لاذع على سياسات حرية التعبير.
لكن فانس ليس الوحيد في هذا الرأي. فاستراتيجية الأمن القومي الجديدة لترمب تنتقد بشدة العواصم الأوروبية بسبب لوائحها المتعلقة بحرية التعبير، ما يعكس آراء مشتركة بين مسؤولين رفيعي المستوى في الإدارة. يأتي حظر التأشيرات في أعقاب إجراءات أخرى اتخذتها الولايات المتحدة لإدراج اعتبارات حرية التعبير في عملية البتّ في طلبات التأشيرات.
يدير عمران أحمد، أحد الأفراد الأربعة الآخرين الذين شملهم حظر التأشيرات، مركز مكافحة الكراهية الرقمية، الذي رفع ماسك دعوى قضائية ضده عام 2023 بسبب جهوده في توثيق تنامي خطاب الكراهية عبر منصة ”إكس“.
مفاهيم حرية التعبير وحدودها
يمثل هذا مشكلة كبيرة لأوروبا. فكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدّعيان التزامهما بحرية التعبير، لكن ثمة اختلافات جوهرية يصعب التوفيق بينها.
رسخت أحكام المحكمة العليا الأميركية خلال الخمسين عاماً الماضية حقاً شبه مطلق في حرية التعبير في الولايات المتحدة، مع استثناءات محدودة للتهديدات الحقيقية والتحريض والتشهير وغيرها من الحالات الطارئة (وحتى هذه الاستثناءات أضيق بكثير من نظيراتها في الاتحاد الأوروبي). يجدر ذكر أن دعوى ماسك ضد مركز مكافحة الكراهية الرقمية رُفضت استناداً إلى التعديل الأول للدستور الأميركي.
إيلون ماسك يراهن بـ44 مليار دولار على مستقبل حرية التعبير
من جهة أخرى، لا يكفل الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء حقاً دستورياً في حرية التعبير، وقد سنّوا قوانين ضد خطاب الكراهية لا يُسمح بها في الولايات المتحدة.
قد يكون هذا مقبولاً في الواقع عند تحديد الحدود القضائية واحترام السيادة. لكن الأمور تتعقد على الإنترنت، وتعتبر واشنطن الجهود الأوروبية لإجبار شركات التقنية الأميركية على إزالة المحتوى المخالف لقانون الاتحاد الأوروبي -حتى لو كان منتجاً خارج الاتحاد- هجوماً مباشراً على سمة أساسية من سمات الهوية الأميركية.
يُرجح أن ترمب ليس القوة الدافعة وراء الهجمات الواسعة على تنظيم حرية التعبير في أوروبا، لكن هذه الإجراءات الأخيرة تصب في قضية أقرب إلى هويته السياسية، هي ما يُسمى “التدخل في الانتخابات” من جماعات مثل مركز مكافحة الكراهية الرقمية، الذي يقول الجمهوريون إنه يتهم وسائل الإعلام المحافظة زوراً بنشر معلومات مضللة.
في هذا السياق، تصب الإجراءات الأخيرة في صميم أولويات ترمب: معاقبة الشركات والشخصيات العامة التي يُعتقد أنها قوّضت حملته الرئاسية الفاشلة عام 2020، والعمل على دعم الأحزاب السياسية اليمينية في أوروبا.
طريق وعرة في الأفق
يكمن التحدي الآن في إيجاد مخرج. تتعرض بروكسل والعواصم الأوروبية لضغوط للرد على الخطوة الأخيرة، التي يراها كثيرون هجوماً مباشراً على السيادة الأوروبية.
لا يُرجح أن يُسهم رد الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى حلٍّ للخلاف الأخير، بل يُخاطر بالمساهمة في انهيار المحادثات التجارية، الأمر الذي قد تكون له عواقب اقتصادية وخيمة على كلا الجانبين.
لا يشغل أيٌّ من الأفراد المستهدفين بحظر التأشيرات حالياً منصباً رسمياً في الاتحاد الأوروبي أو إحدى دوله الأعضاء، ما قد يُتيح رداً أكثر توازناً. وتشير التقارير إلى أن إدارة ترمب كانت تدرس فرض عقوبات على مسؤولين حكوميين في الاتحاد الأوروبي في أغسطس بسبب اللوائح الرقمية.
أدريان ولدريدج: حرية التعبير المطلقة التي يؤيدها إيلون ماسك مليئة بالعيوب
هناك أيضاً مسألة القدرة التنافسية الأوروبية. كان الاتحاد الأوروبي يدرس إصلاحات للوائحه الرقمية لمعالجة انتقادات واسعة التي تُفيد بأن كثرة القواعد تعيق تطوير اقتصاد رقمي أوروبي قابل للاستمرار.
قد يُساعد ذلك في تهدئة المخاوف بشأن تنظيم التقنية، لكن قدرة بروكسل على التحكم في حرية التعبير على الإنترنت محدودة، حيث تحتفظ الدول الأعضاء بصلاحياتها، ويشير التاريخ إلى ضعف الإقبال على حرية التعبير على النمط الأميركي.
في النهاية، قد تجد بروكسل أنه يُفضل صياغة خطط الإصلاح بطريقة تُرضي الولايات المتحدة جزئياً على الأقل، وتؤجل مسألة حرية التعبير الأكثر جوهرية إلى وقت لاحق.



