5 دروس مستفادة من مغامرة ترمب الجمركية الفاشلة

في الكوميديا الكلاسيكية الغربية “بلازينغ سادلس” (Blazing Saddles) للمخرج ميل بروكس، يواجه الممثل كليفون ليتل، الذي يلعب دور الشريف بارت، حشداً غاضباً من سكان بلدة روك ريدج بعد تعيينه عمدة لها. لكنه فكر سريعاً، ولجأ إلى عرض هستيري يُجسد انفصام الشخصية، حيث وجه مسدساً إلى رأسه وتظاهر باحتجاز نفسه كرهينة، مما أربك السكان ودفعهم لإلقاء أسلحتهم، وهو أمر مكنه من الفرار.
لمدة أسبوعين، قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمحاكاة هذا المشهد على الصعيد الاقتصادي من خلال التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كندا والمكسيك، و10% على الصين. ثم فجأة، اختفت معظم هذه التهديدات في لمح البصر. فقد أوقف البيت الأبيض بشكل مؤقت خطتي الرسوم الأكبر على كندا والمكسيك، بينما دخلت الرسوم المفروضة على الصين حيز التنفيذ، لكن المحادثات بشأنها تبدو وشيكة.
ماذا تعلمنا من هذه التجربة؟
ما نُفذ حتى الآن محدود لكنه يعد خطوة إلى الوراء
حزمة الرسوم الجمركية التي اقترحها ترمب في البداية على ثلاث دول كانت ستكلف الأسرة الأميركية المتوسطة 1250 دولاراً سنوياً، مع زيادة في الأسعار تقدر بنحو نقطة مئوية واحدة، وفقاً لتحليل “بدجت لاب” (Budget Lab) التابع لجامعة ييل، وهو مركز غير حزبي.
ويفترض أنه إذا فشلت المفاوضات مع كندا والمكسيك خلال شهر، فقد تعود الحزمة الجمركية الكاملة إلى الطاولة. لكن ما دخل حيز التنفيذ في الوقت الحالي كان أكثر تواضعاً، حيث ستكلف الرسوم الجمركية البالغة 10% على الصين الأسرة الأميركية نحو 223 دولاراً سنوياً، وسترفع الأسعار بنسبة تتراوح بين 0.1% و0.2%.
اقرأ أيضاً: حرب الرسوم التجارية تفاقم مخاوف التضخم في وول ستريت
ليس كل الأسر تتأثر بنفس الدرجة من العبء المتوسط. فعلى المدى القصير، تعد الرسوم الجمركية “خطوة إلى الوراء”، فهي تلحق ضرراً أكبر بالأسر من الطبقة العاملة وذوي الدخل المتوسط مقارنة بالأسر ذات الدخل المرتفع. فبشكل عام، كلما انخفض الدخل، زادت نسبة ما يُنفق منه على الاستهلاك، وزادت الحصة المخصصة للسلع المستوردة من إجمالي الميزانية. وستكون الخسارة الاستهلاكية الناجمة عن الرسوم البالغة 10% على الصين العام المقبل للأسر في الشريحة الثانية من الدخل أكثر من ضعف ما ستتكبده الأسر في الشريحة الأعلى دخلاً.
المزيد من الرسوم الجمركية قادمة
لا ينبغي للأسواق أن تطمئن للسرعة التي تم بها تعليق الرسوم المفروضة على كندا والمكسيك. فقد حدد ترمب أهدافاً طموحة لإيرادات الرسوم الجمركية، سواء لتعويض تكلفة تمديد قانون خفض الضرائب والوظائف لعام 2017 الذي سينتهي في وقت لاحق من هذا العام، أو كبديل لبعض إيرادات ضريبة الدخل.
لكن الرسوم البالغة 10% على الصين ستوفر فقط 400 مليار دولار على مدار 10 سنوات وفقاً للتقديرات التقليدية، بل وأقل من ذلك عند احتساب التأثيرات الديناميكية للضرر الاقتصادي الناجم عنها.
وبشكل عام، فإن هذا المبلغ لا يشكل سوى أقل من عُشر تكلفة تمديد قانون خفض الضرائب والوظائف، ولن يعوض سوى 1% من إجمالي عائدات ضريبة الدخل المتوقعة خلال العقد المقبل. ولتحقيق تقدم ملموس في أي من الهدفين، ستحتاج إدارة ترمب إلى اقتراح مزيد من الرسوم الجمركية، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الإيرادات الإضافية ستأتي من رسوم على دول تعاملنا معها سابقاً (مثل كندا والمكسيك والصين)، أم ستتوسع لتشمل دولاً أخرى (مثل الاتحاد الأوروبي).
الدول الأخرى سترد.. لكن ليس بالمثل
لم يكن واضحاً في البداية ما إذا كانت الدول المتضررة ستتخذ تدابير انتقامية ضد الرسوم الجمركية الأميركية، ومدى قوة هذه الردود، لكن جميع الأطراف المعنية، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، ستصبح أكثر فقراً بسبب رسوم ترمب. لكن التأثير على كندا والمكسيك سيكون أشد وطأة، حيث يتفاقم الضرر إذا اختارتا الرد بالمثل على الولايات المتحدة. وتُظهر نماذج “بدجت لاب” أن الاقتصاد الكندي سيتقلص بنسبة 1.3% على المدى الطويل إذا لم ترد، بينما سيتهاوى بنسبة 5% إذا فرضت تدابير انتقامية ضد الولايات المتحدة.
اقرأ أيضاً: ما أهداف ترمب من فرض رسوم جمركية جديدة؟
من منظور الولايات المتحدة، يشكل الانتقام عاملاً مهماً لأنه يحد من ارتفاع قيمة الدولار، وهو ما من شأنه أن يخفف من تأثير الرسوم الجمركية على المستهلكين الأميركيين، لكنه في المقابل يضر بالمصدرين الأميركيين.
وكما تبين لاحقاً، كانت لدى جميع الدول الثلاث قوائم بالرسوم الانتقامية. ومع ذلك، بينما فرضت الولايات المتحدة رسوماً واسعة النطاق شملت كافة الواردات، جاءت الرسوم الانتقامية المخطط لها من المكسيك وكندا، والاستجابة الفعلية من الصين، أكثر انتقائية، فهي لم تشمل جميع الصادرات الأميركية.
قد يكون السبب وراء هذا النهج هو أن كندا والمكسيك والصين أرادت فقط تصعيد الرسوم تدريجياً ومنح المفاوضات التجارية فرصة لتحقيق تقدم، كما أن اختيار المنتجات المستهدفة يعكس استراتيجية تهدف إلى إلحاق أكبر ضرر ممكن بالاقتصاد الأميركي، مع تقليل التأثير على المستهلكين المحليين في تلك الدول. والحقيقة أن الرد الانتقامي لم يكن شاملاً بنفس الدرجة التي اتسمت بها الإجراءت الأميركية، وتشير إلى أننا نستطيع أن نتوقع ارتفاع صافي قيمة الدولار نتيجة للنزاعات الجمركية في المستقبل.
لا استراتيجية شاملة حتى الآن لاحتواء قوة الدولار
تساءل البعض عما إذا كان تعيين شخصيات ذات خبرة في أسواق العملات، مثل سكوت بيسنت وزيراً للخزانة الأميركية وستيفن ميران في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض، قد يشير إلى أن الإدارة الأميركية تتبنى استراتيجية مدروسة للحد من ارتفاع قيمة الدولار الذي قد ينتج عن فرض الرسوم الجمركية. ففي النهاية، يؤدي ارتفاع الدولار جراء هذه السياسات إلى الإضرار بالمصنعين الأميركيين، وهو ما يتعارض مع أجندة ترمب. ومع ذلك، لم تظهر أي استراتيجية منسقة بهذا الشأن خلال الأسبوع الماضي.
إدارة ترمب حساسة تجاه الأسواق
تراجع البيت الأبيض عن فرض رسوم جمركية على كندا والمكسيك، في مقابل الحصول على بعض التنازلات الجديدة من البلدين. وأعلنت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم عن إجراءات حدودية كانت بلادها قد بدأت بتنفيذها بالفعل خلال إدارات سابقة، كما تمكنت من إقناع الولايات المتحدة بالمساعدة في وقف تدفق الأسلحة إلى المكسيك. أما رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، فقد تفادى رسوم ترمب بالكامل تقريباً من خلال إعادة تأكيد التزامات تمويل الحدود التي كانت حكومته قد أعلنتها في ديسمبر.
اقرأ أيضاً: لماذا تثير خطط ترمب لزيادة الرسوم الجمركية جدلاً واسعاً؟
لكن لماذا تراجع البيت الأبيض بهذه السهولة؟ السبب الأكثر ترجيحاً هو رد فعل الأسواق المالية. فقد انخفض مؤشر “إس آند بي 500” بنحو 2% خلال تعاملات الاثنين الماضي، مع تراجع أسهم شركات صناعة السيارات بشكل أكبر وسط توقعات بمزيد من الخسائر. لكن قرار تعليق الرسوم خلال اليوم ساعد في الحد من التراجع، مما أبقى الخسائر اليومية عند 0.8%، وهو تراجع يمكن السيطرة عليه. ثم تعافى مؤشر “إس آند بي 500” بالكامل تقريباً يوم الثلاثاء.
من جهة أخرى، تعد استجابة البيت الأبيض لرد فعل الأسواق ومحاولته إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه من أزمة صنعها بنفسه أمراً مطمئناً. لكن، كما ذكرنا في النقطة الثانية أعلاه، فإن الإدارة على الأرجح ستحاول مجدداً فرض رسوم أعلى بغض النظر عن تحذيرات الأسواق. وهذا يعني أن الاقتصاد الأميركي قد يجد نفسه مجدداً، وربما قريباً، في مواجهة “مسدس اقتصادي” موجه إلى رأسه. وكما قد يقول سكان روك ريدج في فيلم “بلازينغ سادلس”: “ألا يوجد من ينقذ هذا الرجل المسكين؟”.