اخر الاخبار

ما الذي جعل كل شيء يبدو كرسوم “استوديو جيبلي”؟

جميعنا يعلم أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تُبرز المحتوى الذي نتفاعل معه، وعادةً ما يكون ذلك مزعجاً. لكن جاءت هنيهة الأسبوع الماضي تبعث على شيء من الراحة عندما أصبح كل شيء فجأة مزداناً بأسلوب استوديو الرسوم المتحركة الياباني المميز “استوديو جيبلي”، بعدما أصدرت “أوبن إيه آي” أداة جديدة لإنتاج الصور لا تحكمها ضوابط كثيرة.

لا أحد يعلم سبب انتشارها كالنار في الهشيم، ويبدو أن ذلك بدأ بتغريدة بريئة تشير إلى جماليات تحويل الصور العائلية إلى أسلوب “استوديو جيبلي” (Ghibli Studio).

بالطبع يستطيع “جي بي تي-4 أو” أن يستخدم أساليب أخرى، قد يكون منها إعادة إنتاج الصور بأسلوب رسوم مصورة مثل “ون بيس” (One Piece) أو “ذا موبيتس” (the Muppets) أو “ريك آند مورتي” (Rick and Morty).

لكن الناس طلبوا “جيبلي”، وفي غضون ساعات، تم تحويل كل ما يمكن تحويله إلى “جيبلي”. ربما يعود سبب الإقبال عليه هو السكينة التي تلف عالمه، لا سيما في ظل بيئة عالمية مضطربة تتداعى فيها الصداقات القديمة، والتغيير السريع في الاقتصاد الذي يتصدره الذكاء الاصطناعي.

تُضفي صور “استوديو جيبلي” لمسةً على الواقع فتجعل ما هو عادي ساحراً. في معظم الأفلام التي أنتجها الاستوديو، حتى الأشرار يمكن فهمهم، ومن منا لم يرغب في ركوب حافلة “Catbus” من فيلم “My Neighbor Totoro”، أو الانغماس في الراحة التي تجلبها كرات أرز أونيغيري من فيلم “Spirited Away”.

فظاظة تصاحب الطرافة

من أسباب نجاحه أيضاً بالتأكيد إسقاط عالم “جيبلي” الحالم على أهوال الحياة الواقعية. بعضٌ من أكثر استخدامات الفلتر طرافةً وانتشاراً كانت أكثرها فظاظةً، ومن ذلك مشهد اغتيال جون كينيدي على طريقة “استوديو جيبلي” وجوزف ستالين في الصورة الشهيرة التي أُزيل منها نيكولاي يجوف بعد إعدامه.

بالطبع، لم يدم هذا طويلاً. فكل هذه الطفرات لا تثير الاهتمام إلا إن بقيت طبيعية. لقد ساء الأمر بما يكفي حين غيّر سام ألتمان، رئيس “أوبن إيه آي” التنفيذي، الصورة التي يستخدمها في ملف تعريفه إلى صورة كرتونية، لكن بمجرد أن غرّد حساب البيت الأبيض صورةً للرئيس دونالد ترمب على نمط ”جيبلي“ فيما كان يكبل تاجر مخدرات بالأصفاد فيما كان يبكي، تحولت هذه النزعة من غريبة إلى مُحرجة في أقل من 48 ساعة.

بعد ذلك مباشرةً، جاءت ردود فعل عنيفة من فنانين، وتنوعت الشكاوى من مخاوف مشروعة بشأن فرص العمل المستقبلية، ومن استخدام الأثرياء للأداة بدلاً من تكليف فنان بشري، إلى نظرية مُحيرة مفادها أن فن الذكاء الاصطناعي نفسه فاشي بطبيعته.

بيّن كثيرون أن هاياو ميازاكي، العبقري المسؤول عن أشهر أعمال الاستوديو، لن يوافق على ذلك. لكن اقتباسه الشهير عن فن الذكاء الاصطناعي، الذي بدا فيه وكأنه يعلن أن هذه التقنية “إهانة للحياة بحد ذاتها”، غالباً ما يُستخدم بعيداً عن سياقه الصحيح.

لقد كان ميازاكي يتحدث تحديداً عن عرضٍ يُظهر الذكاء الاصطناعي يرسم شخصياتٍ مخيفة بلا أطراف تشبه الزومبي، وشعر بأنه يُهين ذوي الإعاقة. في الفيلم الوثائقي نفسه، يتمتم قائلاً إن العرض جعله يشعر “بأننا نقترب من نهاية العالم”. برغم أنه لم يُعلق علناً على الطفرة الأخيرة (إن افترضنا أنه علم بشأنها)، يُفترض أنه لن يُوافق عليها، على الأقل في ما يتعلق بالصور التي يستخدمها البيت الأبيض.

مع ذلك، يبدو رد الفعل الانفعالي الذي يخلط بين كل عملٍ للذكاء الاصطناعي وبين الانحدار مبالغاً فيه. لا تسيئوا فهمي: أنا أكره المحتالين الذين كانوا قبل عامين يسوقون رموزاً غير قابلة للاستبدال على شكل قرود، والحسابات المزيفة التي تعيد إنتاج هراءٍ مُولّدٍ صناعياً والساعين للانخراط الذين يسيئون استخدامها.

شرٌّ لا بد منه

لكن كأي أداةٍ أخرى، يُمكن استخدام فن الذكاء الاصطناعي للخير أو الشر. مقابل كل تغريدةٍ سيئةٍ للبيت الأبيض، كان هناك من يستمتع بهذه التقنية. وحتى لو لم يكن ميازاكي من المعجبين به، فقد دمج أدوات الرسوم المتحركة الحاسوبية في الاستوديو بعد فترة طويلة من المعارضة.

بل إن “استوديو جيبلي” أصدر فيلم رسوم متحركة ثلاثي الأبعاد بالكامل في 2020 من إخراج غورو، ابن ميازاكي، برغم أنه يبدو كمشهد سينمائي رديء آت من لعبة فيديو من التسعينيات، وقد عبّر تلقيه عن ذلك. لكن الرسوم المتحركة الحاسوبية بحد ذاتها توسّع بشكل كبير قدرتنا على تحويل رؤانا إلى واقع، وقد أظهرت استوديوهات مثل ”بيكسار“ كيفية جعلها تبدو وكأنما بها روح- وهو ما يغيب حالياً عن أسوأ محاولات إنتاج فن.

حقوق النشر

هناك كثير من المناطق الرمادية، لكنني أتردد في استخلاص استنتاجات مسبقة. لا يمكن عادةً تحصين أساليب الفن عبر حقوق الطبع والنشر، إذ إن ”تشات جي بي تي“ قد يجعل أي شيء شبيهاً بما ينتجه ”جيبلي“، لكنه لن يرسم شخصية توتورو ما لم يدخل عليها بعض التعديلات.

إن قوانين اليابان المتعلقة باستنباطات الذكاء الاصطناعي متساهلة جداً، كما أشارت زميلتي كاثرين ثوربيك. ربما يرفع المبدعون بعض الدعاوى القضائية، لكن على أقل تقدير، ما حدث كان بمثابة إعلان مجاني يُظهر قوة علامتهم التجارية. ستتلاشى اللقطات المعدة بأسلوب ”جيبلي“ على الإنترنت، إن لم تكن قد بدأت تختفي فعلاً. لكن كما يشير نقاد، فإن عمل الاستوديو يحمل عمقاً أكبر بكثير من أن يكون أشبه بفلتر “سناب شات” متقدم.

على أي حال، هذه التقنية لن تنكفئ. مؤكد أن لفن الذكاء الاصطناعي آثار على الفنانين ورسامي الرسوم المتحركة، تماماً كما كانت الأتمتة في الماضي على صرافي البنوك أو وكلاء السفر أو الطباعين أو مشغلي أكشاك الرسوم.

كون هذه الوظائف غير إبداعية لا يعني أنها غير مهمة، وكذلك فإن العمل الإبداعي ليس فئةً محميةً متفردة عما سواها. تعاني اليابان من نقصٍ حادٍّ في رسامي الرسوم المتحركة، الذين يعملون لساعاتٍ طويلةٍ بأجورٍ زهيدة. إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرةً على تخفيف هذا النقص، فينبغي الترحيب بها.

وتيرة التغيير التقني هذه تثير قلقنا. في النهاية، لأن العالم مليءٌ بهذا القدر من عدم اليقين، فقد لجأنا إلى ”استوديو جيبلي“ ليتيح لنا ولو لفترةٍ وجيزةٍ العيش في عالمٍ أبسط وأكثر راحةً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *