245 مليون دولار لشباك التذاكر.. لكن القصة في صعود الفيلم السعودي

بين فيلم سعودي ينافس الإنتاجات الأميركية في شباك التذاكر، وآخر يحصد جائزة دولية، وثالث يشق طريقه إلى التوزيع خارج المملكة، بدت 2025 عاماً انتقل فيه نمو السينما السعودية من اتساع السوق إلى صعود المحتوى المحلي نفسه.
بلغت إيرادات شباك التذاكر في السعودية نحو 921 مليون ريال العام الماضي، بما يعادل 245 مليون دولار، بزيادة تقارب 9% عن 2024، فيما ارتفعت مبيعات التذاكر إلى أعلى مستوى لها منذ 2020، بحسب التقرير السنوي لصناعة الأفلام السعودية 2025، الصادر عن هيئة الأفلام خلال النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي.
لكن التحول الأبرز جاء من الأفلام السعودية، التي قفزت إيراداتها 117% إلى نحو 123 مليون ريال (32.8 مليون دولار)، لترتفع حصتها السوقية إلى أكثر من 13%، بعدما كانت أقل من 7% قبل عام. وبذلك، أصبح الإنتاج المحلي المحرك الرئيسي تقريباً لنمو الإيرادات، في إشارة إلى أن السؤال لم يعد يقتصر على حجم السوق السعودية، بل بات يتعلق أيضاً بالحصة التي يستطيع الفيلم السعودي انتزاعها منها.
اقرأ أيضاً: رؤية السعودية 2030.. كيف تحولت “جودة الحياة” من برنامج اجتماعي إلى محرك للاقتصاد غير النفطي؟
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في سوق لم يمض على عودة دور العرض إليها سوى أقل من عقد. فمنذ إعادة افتتاح السينما في 2018، تركز الجزء الأكبر من القصة على بناء الصالات، وجذب المشغلين، وتوسيع قاعدة الجمهور، بينما ظلت الأفلام الأجنبية، ولا سيما الأميركية والمصرية، تستحوذ على معظم إنفاق المشاهدين.
وفي أبريل 2025، خلصت قراءة لمسار السوق خلال سبع سنوات إلى أن التحدي التالي لم يعد فتح المزيد من القاعات، بقدر ما أصبح صناعة محتوى محلي قادر على منافسة الأفلام العالمية، ونقل المملكة تدريجياً من سوق كبيرة للاستهلاك إلى قاعدة للإنتاج أيضاً. وجاءت نتائج العام لتقدم أول اختبار واضح لهذه الفرضية.
الفيلم المحلي ينتزع حصة أكبر
لم يكن نمو السوق في 2025 استثنائياً في حد ذاته. فقد عادت الإيرادات إلى الارتفاع بعد تراجعها في العام السابق، لكنها بقيت أقل بقليل من مستوى 2023. الجديد كان في مصدر النمو.
ففي الوقت الذي تراجعت فيه إيرادات الأفلام الأميركية والمصرية بشكل محدود، تضاعفت تقريباً إيرادات الأفلام السعودية، حتى إن الزيادة التي أضافها الإنتاج المحلي عادلت معظم صافي النمو الذي حققته السوق خلال العام.
اقرأ أيضاً: لماذا تباطأت سرعة وصول السينما السعودية لهدف مليار دولار سنوياً؟
وهذا يغير طريقة قراءة الأرقام. فبدلاً من أن ينمو شباك التذاكر فقط لأن مزيداً من الجمهور شاهد إنتاجات هوليوود، أصبح الفيلم السعودي نفسه عاملاً في توسيع الإيرادات.
وتقدم قائمة الأعمال الأكثر نجاحاً صورة واضحة عن هذا التحول. فقد تصدر “الزرفة” الأفلام السعودية، ووصل إلى المركز الثالث بين جميع الأفلام المعروضة في المملكة، خلف “إف 1” و”ليلو وستيتش”، فيما برزت أعمال مثل “شباب البومب 2″ و”هوبال” و”إسعاف” و”سوار” ضمن أبرز الإنتاجات المحلية.
واللافت أن هذه الأفلام لا تنتمي إلى قالب واحد. فهناك الكوميديا الموجهة إلى جمهور واسع، وأعمال تستفيد من شخصيات وعلامات مألوفة، إلى جانب الدراما الاجتماعية والقصص الصحراوية، وأفلام تراهن على هوية بصرية وسردية أكثر خصوصية.
بمعنى آخر، لم يعد التحدي العثور على “نوع سعودي” واحد قادر على النجاح، بل بناء سوق تستطيع استيعاب أكثر من نوع والوصول إلى أكثر من شريحة من الجمهور.
“هوبال” يكسر معادلة الفيلم الفني
كان “هوبال” من أوضح الأمثلة على ذلك.
فعندما تصدر الفيلم شباك التذاكر في بداية 2025، وُصف بأنه مفاجأة تستحق التوقف عندها، بعدما تمكن عمل درامي بعيد نسبياً عن وصفات الكوميديا التجارية التقليدية من التقدم على أفلام عربية وأجنبية في السوق.
اقرأ أيضاً: صناعة السينما السعودية تدعو هوليوود لاحتضان المواهب المحلية
واستمر نجاحه لاحقاً، ليصبح واحداً من أبرز الأفلام السعودية من حيث إيرادات العام.
ولا تنبع أهمية التجربة من الرقم الذي حققه وحده، بل من كسرها افتراضاً كان يضع الفيلم الفني والجمهور التجاري في مسارين منفصلين. فقد أظهر “هوبال” أن العمل المرتبط ببيئته المحلية، والقادر على تقديم تجربة بصرية مختلفة، يمكن أن يجد جمهوراً واسعاً عندما تلتقي القصة بالتوقيت والتسويق والتوزيع المناسب.
وهذه نتيجة مهمة لصناعة لا تزال تختبر اقتصاديات الإنتاج. فإذا اقتصرت السوق على الأفلام ذات الطابع الجماهيري المباشر، ستظل مساحة التجريب محدودة، أما قدرة أعمال مختلفة على الوصول إلى الجمهور فتعني إمكان بناء محفظة إنتاج أوسع وأكثر تنوعاً.
من شباك التذاكر إلى فينيسيا
لكن 2025 لم تكن سنة شباك التذاكر وحده.
فعلى مسار مختلف، وصل فيلم “هجرة” للمخرجة شهد أمين إلى مهرجان فينيسيا، حيث حصد جائزة “نتباك” لأفضل فيلم آسيوي، بعد رحلة إنتاج استفادت من منظومة دعم وتمويل سعودية، وامتدت عبر مواقع تصوير داخل المملكة.
وتكشف تجربة “هجرة” جانباً آخر من الصناعة التي يجري بناؤها. فالفيلم لا يحقق قيمته فقط عندما يبيع تذاكر محلية، بل يمكن أن يصبح أيضاً بوابة إلى المهرجانات وأسواق البيع والتوزيع، وأداة لبناء السمعة المهنية للمخرجين والمنتجين والممثلين.
اقرأ أيضاً: فيلم “7Dogs” .. نقطة تحول في صناعة السينما السعودية والعربية
وفي اتجاه ثالث، أخذت المخرجة هيفاء المنصور فيلمها “المجهولة” إلى عرضه العالمي الأول في مهرجان تورونتو، بينما حصلت “سوني بيكتشرز كلاسيكس” على حقوق توزيعه في أميركا الشمالية.
وبين “الزرفة” و”هوبال” و”هجرة” و”المجهولة”، تظهر مسارات مختلفة للنجاح: فيلم ينافس على الإيرادات، وآخر يجمع بين الحس الفني والجاذبية الجماهيرية، وثالث يتحرك عبر المهرجانات، ورابع يصل إلى موزع دولي.
وقد يكون وجود هذه المسارات مجتمعة أكثر أهمية للصناعة من نجاح فيلم واحد استثنائي، لأن السوق المستدامة تحتاج إلى أكثر من نموذج لتحقيق العائد.



