اخر الاخبار

دانيال موس: مستهدف النمو في الصين أصبح فخاً لشي جين بينغ

قوبلت أحدث محاولة من الصين لدعم سوق الإسكان المنهكة وتحفيز الاقتصاد باستقبال فاتر. فقد جاءت الإجراءات دون المستوى المأمول، ولا يُرجح أن تحقق الكثير سوى تحسين فرص بكين في بلوغ طموحاتها المتحفظة أصلاً للنمو.

يعد ذلك إشادة فاترة بالمبادرة ترقى إلى درجة الذم. فالمشكلة الأعمق تكمن في الطريقة التي تقيس بها الصين النجاح الاقتصادي.

وتتحمل الحكومة نفسها جزءاً من اللوم: فهي لا تطمح إلى تجاوز التوقعات، بل إلى مجرد تلبيتها. وتُحدَد هذه التوقعات في بداية كل عام مع الإعلان الذي يحظى بترويج واسع عن مستهدف النمو الاقتصادي. وينبغي للصين أن تتخلى عنه.

يساعد الاستقبال السلبي لحزمة العقارات، التي تشمل قروضاً مدعومة ودعماً للقطاعات المفضلة، في تفسير سبب جدوى تغيير النهج. فالرئيس شي جين بينغ يحاول منذ سنوات إعادة سوق العقارات إلى عافيتها، بنجاح محدود. ولا عيب في التجريب حين لا تُجدي العلاجات القائمة نفعاً. فقد حاولت واشنطن مراراً احتواء أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر بين عامي 2007 و2009. وثبت قصور عدة إجراءات قبل أن يستعيد صناع السياسات الثقة في نهاية المطاف.

فخ مستهدفات النمو في الصين

لكن الانتقادات تغفل أيضاً نقطة أكثر جوهرية. فالمستثمرون والشركات لم يتكيفوا بالكامل بعد مع واقع أن هذه ليست الصين التي عرفوها سابقاً. سيكون النمو أبطأ وأكثر تواضعاً، ومن المرجح أن ينجرف نحو مستويات أدنى بمرور الوقت.

ويمكن لمستهدفات الناتج المحلي الإجمالي السنوية التي تضعها بكين أن تساعد في إدارة هذا التحول، من خلال الإشارة إلى ما يعتبره صناع السياسات وتيرة توسع مقبولة. لكنها قد تتحول أيضاً إلى فخ. فمن خلال تحويل هذا الرقم إلى اختبار لنجاح الاقتصاد أو فشله، تشجع الحكومة سياسات تهدف إلى بلوغ المستهدف بدلاً من مواجهة المشكلات الأعمق التي تعرقل النمو.

لا توجد أي مؤشرات على أن حزمة تحفيز كبرى على غرار عام 2008 قيد الإعداد. ولا يعني ذلك عدم الحاجة إلى دفعة جديدة على صعيد السياسات. لكن المطلوب هو سردية جديدة. فكل دفعة من البيانات تقدم الصورة ذاتها إلى حد كبير، وتقابَل بردة فعل مماثلة تغلب عليها خيبة الأمل: الطلب المحلي ضعيف، فيما تواصل الصادرات اندفاعها. ومن غير المرجح أن تغير أرقام سبتمبر وبيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث، المقرر صدورها بعد أسبوعين، هذه الرواية.

يكاد يمكن كتابة بطاقة التقييم مسبقاً؛ إذ ستُقيَّم الأرقام إلى حد كبير بناءً على ما إذا كانت تُبقي الصين على المسار الصحيح لتحقيق تطلعاتها للنمو. فإذا تخلفت كثيراً عن الركب، ستتصاعد الدعوات إلى جرعة تحفيز أخرى؛ وإذا بقيت عند المستهدف، فبوسع صناع السياسات تحمّل الانتظار.

وفي الربع السابق، نما الاقتصاد 4.3% على أساس سنوي، وهو ما يقل قليلاً عن الحد الأدنى لنطاق 4.5%-5% الذي أعلنه شي. وكانت الوصفة التي أجمع عليها الجميع تقريباً هي زيادة الإنفاق العام. لكن التيسير النقدي بدا آنذاك احتمالاً بعيداً، ولا يزال كذلك. وشدد مسؤولو بنك الشعب الصيني مراراً على أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم.

اقتصاد الصين ومعيار مصطنع

تقف الأهداف المعلنة عائقاً أمام إجراء تقييم موضوعي لأداء الاقتصاد الصيني. فهي ترسي معايير مفيدة وتتيح بعض الفهم لتوقعات كبار صناع القرار، لكنها تخلق أيضاً معياراً مصطنعاً لما ليس قابلاً للتحقيق فحسب، بل مرغوباً أيضاً. فإذا بدا الهدف في المتناول بسهولة، يمكن للجميع الاسترخاء. وإذا بدا بعيداً، أو قابلاً للتحقيق فقط ببذل جهد كبير، تتعزز الحجة لصالح التحفيز. وفي كلتا الحالتين، ينتهي الأمر بالمستهدف إلى توجيه التفسير. ونادراً ما تُترك الأرقام لتُقيَّم بمفردها.

تؤدي المستهدفات بالفعل دوراً مفيداً في إرسال الإشارات. فهي تتيح لبكين الإشارة إلى وتيرة النمو الاقتصادي التي تريدها، ودرجة الضعف التي تستعد لتحمّلها. وطوال جزء كبير من فترة ما بعد جائحة كوفيد، ظل المستهدف يحوم حول 5%. ويُشير الانتقال إلى نطاق محدد إلى احتمال أن يكون النمو أقل من تلك الوتيرة، وإلى أن أوقاتاً أصعب تنتظرنا.

لكن اللوم لا يقع على بكين وحدها. فجزء من المشكلة يكمن فينا نحن الذين نقيّم الصين. إذا كان أداء الاقتصاد ضعيفاً، فعلينا أن نقول ذلك؛ ويجب ألا يتوقف هذا الحكم على تحقيق مستهدف رسمي من عدمه.

وثمة الكثير مما يستحق الانتقاد. فلسنوات، عُلّقت الآمال على إعادة توازن النمو بعيداً عن الصادرات ونحو الطلب المحلي. ولم يتحقق ذلك بعد. وهذا ليس انتقاداً جديداً على الإطلاق، لكنه لا يزال وجيهاً.

سردية اقتصاد الصين العالقة

باتت السردية المحيطة بالاقتصاد الصيني عالقة. فالأرقام ليست رائعة، لكنها ليست سيئة للغاية أيضاً، هذا إذا افترضنا أنه يمكن تصديقها.

ومن الطبيعي حدوث بعض التباطؤ: فكلما كبر حجم الاقتصاد، ازدادت صعوبة مواصلة تحقيق مكاسب استثنائية. ويبدو على نحو متزايد أن الدعم الحكومي مصمم لتحقيق الاستقرار في التوسع، لا لتسريعه. وكما تشير “بلومبرغ إيكونوميكس”، فهذا ليس سباق عدْو سريع. إذ يزداد احتمال حدوث تباطؤ تدريجي نحو نمو سنوي يبلغ نحو 2% خلال العقد المقبل.

يتطلب الأمر طريقة جديدة في التفكير بشأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لا تعتمد على قراءة الكوادر للطالع. عندها فقط يمكننا الحكم على ما إذا كان أداء الصين جيداً، أو ضعيفاً، أو أنها تتدبر أمرها بالكاد. لا تتوقعوا حدوث هذا التحول في أي وقت قريب. فسواء كانت نسبة 4.5% مضمونة بارتياح، أو تبدو قريبة على نحو مغرٍ لكنها بعيدة المنال، توقعوا أن تهيمن على النقاش حول تقرير الربع الثالث.

سيكون من الحكمة أن يتخلى شي عن مستهدفات النمو الرقمية. بعد تحقيق المستهدف الحالي، بطبيعة الحال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *