اخر الاخبار

رهان العبار في سوريا.. هل تتحول مليارات العقار إلى دورة استثمار؟

لا يقتصر رهان محمد العبار على بناء أبراج وفيلات ومارينا في سوريا، بل يمثل اختباراً لقدرة البلاد على استعادة جاذبيتها الاستثمارية بعد سنوات من المخاطر السياسية والعقوبات وضعف النظام المالي.

وقعت الحكومة السورية و”إيجل هيلز” الإماراتية، يوم الإثنين، اتفاقاً إطارياً لتطوير مشروعي “تلال دمشق” واللاذقية، ضمن موجة استثمارات خليجية تشمل العقار والموانئ والاتصالات والأسمنت والبنية التحتية.

وتشير التقديرات الأولية إلى تدفقات بالعملات الأجنبية بنحو 14 مليار دولار لـ”تلال دمشق”، و9 مليارات دولار لمشروع “اللاذقية السياحي”، فيما قد يصل النشاط الاقتصادي للمشروعين إلى 41 مليار دولار على امتداد عمرهما.

الأرقام المعلنة تظل تقديرات إلى أن تتحول إلى تمويل وأراضٍ ومقاولين ومبيعات وتدفقات نقدية حقيقية. في المقابل، فإن نجاح المشروعين في الانتقال من مرحلة الاتفاقات إلى التنفيذ قد يشكل مؤشراً على قدرة سوريا على تحويل الانفتاح الاقتصادي إلى دورة استثمار فعلية.

السكن.. طلب ضخم وقدرة شرائية محدودة

قد يصل العجز السكني في سوريا إلى مليوني وحدة بحلول 2030، وفق وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق. ويضم “تلال دمشق” نحو 26 ألف شقة و3 آلاف فيلا، فيما يضيف مشروع اللاذقية نحو 10 آلاف شقة وألف فيلا.

النقص الهيكلي في المعروض يوفر قاعدة طلب كبيرة، خصوصاً إذا استهدفت المشروعات السوريين في الخارج وأصحاب الدخل المرتفع والمستثمرين الخليجيين والأجانب. لكن الحاجة إلى السكن لا تعني بالضرورة القدرة على شرائه، فتراجع الدخول والمدخرات وضعف الائتمان قد يحدان من الطلب المحلي، ما يجعل التمويل العقاري طويل الأجل عاملاً حاسماً.

يبدي العبار تفاؤلاً بفرص الاستثمار في سوريا، مستنداً إلى موقع البلاد ومواردها الطبيعية والبشرية. وقال إن مشروعي دمشق واللاذقية يستهدفان توفير السكن والخدمات وفرص العمل، مضيفاً: “نأمل أن تشجع هذه الخطوة أبناء سوريا في الداخل والخارج على الاستثمار في البلاد”.

وأكد مؤسس “إيجل هيلز” أن الشركة تعمل على بناء مجتمعات توفر السكن والخدمات وفرص العمل، معتبراً أن السوريين يمثلون أساس نجاح هذه المشروعات، وأن “الفرصة جيدة للمشاركة في مسيرة سوريا”.

السياحة.. رهان إضافي على العملة الأجنبية

يتضمن مشروع اللاذقية نحو 4 آلاف غرفة فندقية، إلى جانب مارينا وممشى بحري ومرافق ترفيهية. ويستهدف “تلال دمشق” نحو 4 آلاف وحدة فندقية، مع توقعات بجذب 400 ألف زائر إضافي سنوياً وإنفاق سياحي يقارب 280 مليون دولار.

تحقق هذه المستهدفات قد يجعل السياحة مصدراً مستداماً للعملة الأجنبية بعد انتهاء مرحلة البناء، غير أن إشغال هذه الطاقة الفندقية يتطلب استقراراً أمنياً، وربطاً جوياً أفضل، ونظام مدفوعات فعالاً، وبنية تحتية موثوقة، وعودة سوريا إلى خرائط شركات السياحة والطيران.

التمويل.. الاختبار الأصعب

لا تعني قيمة المشروعين أن “إيجل هيلز” ستضخ 23 مليار دولار مقدماً، إذ تعتمد المشروعات العقارية الكبرى عادةً على مزيج من رأسمال المطور والتمويل المصرفي والمبيعات على الخارطة والشراكات.

بالتالي، فإن إعادة دمج المصارف السورية في النظام المالي العالمي، وتحديث تشريعات القطاع وتمويل الإسكان، يمكن أن يفتحا قنوات لتمويل المطورين والمشترين.

واتخذت سوريا خطوات فعلية في هذا المجال مؤخراً، إذ أعلن حاكم مصرف سورية المركزي صفوت رسلان قبل أيام تنفيذ أول عملية شراء خارج سوريا باستخدام بطاقة “ماستركارد” صادرة عن بنك سوري. وكانت “ماستركارد” أعلنت في مايو استكمال الجاهزية لمعالجة معاملات البطاقات المصرفية الدولية داخل سوريا، للمرة الأولى منذ أكثر من 15 عاماً.

ثلاثة اختبارات للرهان

يتوقف نجاح المشروعين على ثلاثة اختبارات: سرعة تحويل الاتفاقات إلى عقود وتنفيذها، والقدرة على تأمين التمويل والطلب، وحجم ما يبقى من الاستثمار داخل الاقتصاد السوري عبر الأجور والمقاولين والمصانع والضرائب والبنية التحتية والوظائف، واجتياز هذه الاختبارات قد يحول المشروعين إلى نموذج يجذب استثمارات إقليمية ودولية أخرى.

رهان “إيجل هيلز” هو في جوهره اختبار لانتقال سوريا من اقتصاد ما بعد الحرب إلى اقتصاد الاستثمار. فنجاح العبار في دمشق واللاذقية قد يمنح المستثمرين دليلاً عملياً على إمكانية دخول السوق السورية وتحقيق عائدٍ مجزٍ منها.. وهو ما يأمل أطراف الصفقة تحقيقه لتحسين صورة البلاد الاستثمارية بينما تخطو خطواتها الأولى لاستعادة ثقة رأس المال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *