اصنعها في أمريكا أو ادفع الرسوم الجمركية

تردد صدى عبارة “أمريكا أولاً” في المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث وجه الرئيس ترامب رسالة صارمة إلى قادة الأعمال العالميين: التصنيع في أمريكا مقابل ضرائب منخفضة، أو مواجهة التعريفات الجمركية. وهذا الموقف المتجدد من تدابير الحماية يسلط الضوء على التحدي المستمر الذي يواجه التجارة الدولية ـ ماذا يحدث عندما لا يلتزم الشركاء بالقواعد؟
ورغم أن اتفاقيات التجارة الحرة تَعِد بمنافع متبادلة من خلال الميزة النسبية والأسواق المفتوحة، فإن الواقع كثيراً ما يختلف عن هذا المثل الأعلى. وكثيراً ما تستخدم البلدان أساليب مثل الإغراق – بيع المنتجات بأقل من قيمتها السوقية المحلية – أو تقديم إعانات الدعم الحكومية للحصول على مزايا غير عادلة. ويمكن لهذه الممارسات أن تدمر الصناعات المحلية وتشوه الأسواق العالمية.
ويكمن الدفاع الأساسي ضد مثل هذه الممارسات التجارية غير العادلة في آليتين رئيسيتين: رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية. وتستهدف رسوم مكافحة الإغراق المنتجات المباعة بأقل من القيمة السوقية العادلة، في حين تعمل الرسوم التعويضية على مكافحة آثار الدعم الحكومي. وتشكل هذه الأدوات معًا العمود الفقري للبنية التحتية للدفاع التجاري.
ومن عجيب المفارقات هنا أن الولايات المتحدة، التي كانت تاريخياً بطلة التجارة الحرة، برزت باعتبارها المستخدم الأكثر استخداماً لتدابير مكافحة الإغراق. وتعكس هذه المفارقة حقيقة أساسية: فحتى أقوى المدافعين عن التجارة الحرة يحتاجون إلى آليات لضمان المنافسة العادلة. ومع توسع التجارة العالمية، حذت دول أخرى حذوها، واعتمدت تدابير وقائية مماثلة.
ويتوازي الارتفاع الكبير في رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية مع صعود تحرير التجارة، الأمر الذي يكشف عن حقيقة مهمة: مع انفتاح الأسواق، تتزايد الحاجة إلى الحماية المستهدفة ضد الممارسات غير العادلة. وهذا ليس بالضرورة متناقضا – فالتجارة الحرة الفعالة تتطلب قواعد وآليات تنفيذ.
إن عملية تأمين هذه الحماية صارمة ولكن يمكن الوصول إليها. يمكن لأي شركة أو جمعية صناعية تقديم طلب للحصول على الحماية ضد الإغراق، على الرغم من أن التكاليف القانونية تتراوح عادة من مئات الآلاف إلى ملايين الدولارات. وبالنسبة للعديد من الصناعات، وخاصة تلك التي تواجه تهديدات وجودية بسبب المنافسة غير العادلة، فإن هذا الاستثمار يمكن أن يوفر حماية بالغة الأهمية.
تتضمن عملية التحقيق هيئتين اتحاديتين تعملان جنبًا إلى جنب. وتقوم وزارة التجارة بتقييم ما إذا كانت المنتجات تباع بأقل من التكلفة أو القيمة السوقية، في حين تقوم لجنة التجارة الدولية بتقييم الضرر المادي الذي يلحق بالصناعات المحلية. ويجب على كلاهما تأكيد النتائج التي توصلا إليها قبل فرض الرسوم.
في حين أن التعريفات الجمركية تقدم استجابة سريعة وواسعة النطاق للممارسات التجارية غير العادلة، فإنها غالبا ما تتعرض للانتقاد باعتبارها أداة فظة للغاية. وتوفر رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية تدخلاً أكثر استهدافاً، ومعالجة حالات محددة من تشويه السوق مع الحفاظ على مبادئ التجارة الحرة الأوسع. وأصبحت صناعات مثل الصلب والمواد الكيميائية والسكر مستخدمة بشكل منتظم لهذه الآليات، مما يدل على فائدتها العملية في الحفاظ على توازن السوق.
ومع استمرار تطور التجارة العالمية، يكمن التحدي في تحقيق التوازن الصحيح بين الأسواق المفتوحة والمنافسة العادلة. ورغم أن سياسات “أميركا أولاً” قد تبدو وكأنها تتعارض مع مبادئ التجارة الحرة، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أساسية: وهي أن التجارة الحرة المستدامة تتطلب آليات تنفيذ فعّالة ضد أولئك الذين قد يستغلون النظام. وسوف يعتمد مستقبل التجارة الدولية على قدرتنا على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق.