اخر الاخبار

المرونة تُعاد صياغة قيمتها — والإمارات في صدارة المشهد

استمرت أنظمة التشغيل الأساسية في الإمارات في العمل، وظلت شبكات الطاقة مستقرة

أدّت الاضطرابات الأخيرة في ممرات الشحن الإقليمية ومسارات التجارة إلى تسليط الضوء بشكل مكثف على مدى متانة اقتصادات الخليج. وفي هذا السياق، تُحاور “إيكونومي ميدل إيست” معالي بدر جعفر، المبعوث الخاص لوزير الخارجية لشؤون الأعمال والأعمال الخيرية، والرئيس التنفيذي لشركة الهلال للمشاريع، حول ما تكشفه هذه المرحلة للمستثمرين وسلاسل الإمداد، وكذلك لموقع الإمارات التنافسي على المدى الطويل.

أثّرت الاضطرابات الإقليمية على مسارات التجارة وحركة الطيران وسلاسل الإمداد. وبعد مرور شهر، ماذا تكشف هذه المرحلة عن مرونة دولة الإمارات؟

أول ما يجب فهمه هو أن هذه الاضطرابات ليست مسألة محلية، فالتداعيات تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الخليج، فكانت الاقتصادات الآسيوية أول من تأثر، مع ارتفاع تكاليف السفر والطاقة والغذاء. وهذه الضغوط بدأت الآن تتحرك غرباً، دافعةً معدلات التضخم في أوروبا والأميركيتين.

فالمرونة التي طالما اعتُبرت كلفة باتت اليوم تُعد ميزة تنافسية أساسية. وما شهدناه خلال الأسابيع الماضية كان بمثابة اختبار ضغط لأنظمة لم تُصمَّم أصلاً لاجتيازه.

في دولة الإمارات، واصلت الأنظمة التشغيلية الأساسية أداءها بكفاءة. فشبكات الطاقة بقيت مستقرة، والأنظمة المصرفية استمرت في معالجة المعاملات دون انقطاع. كما تكيفت شبكات الخدمات اللوجستية في الوقت الفعلي، حيث أُعيدت هيكلة سلاسل الإمداد، التي كانت ستستغرق أسابيع في أماكن أخرى، خلال أيام. وهذا لم يكن ارتجالاً، بل نتيجة تصميم منهجي ومدروس.

ما هي الأسس الهيكلية التي تقوم عليها هذه المرونة وكيف جرى بناؤها؟

تعود هذه المرونة إلى عقود من التصميم المتعمّد. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات من 40 مليار دولار في العام 1980 إلى أكثر من 500 مليار دولار اليوم، عبر دورات متعاقبة من صدمات أسعار النفط واضطرابات إقليمية وأزمات عالمية. وفي كل مرة، صدرت توقعات متشائمة من الخارج وفي كل مرة خرجت الإمارات أكثر ترابطاً وأكثر أهمية.

واليوم، تمثل القطاعات غير النفطية أكثر من 77 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما نما حجم التجارة غير النفطية بنسبة 27  في المئة خلال 2024-2025. كما تتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 45 مليار دولار سنوياً. وتمتد شبكة من 32 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة لتغطي أسواقاً عالية النمو في آسيا وأفريقيا وخارجها.

ولكن التنويع وحده لا يكفي. فالبنية المالية للإمارات تتمتع بعمق استثنائي: أصول صناديق الثروة السيادية تُقدّر بنحو 2.5 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو خمسة أضعاف الناتج المحلي، واحتياطيات النقد الأجنبي تتجاوز 250 مليار دولار، إلى جانب نظام مصرفي يتمتع برسملة قوية. وهذه ليست مجرد أرقام نظرية، بل تمثل هوامش أمان لا تمتلكها سوى قلة من الدول.

كيف أسهمت الاستجابة على مستوى السياسات في تعزيز هذه المقومات الهيكلية؟

تشكل المقومات الهيكلية الأساس، لكن في أوقات الأزمات، فإن سرعة الاستجابة على مستوى السياسات هي ما يحدد ما إذا كان هذا الأساس سيصمد. وقد كان لسرعة ووضوح التحرك المؤسسي دور حاسم.

فقد أطلق المصرف المركزي حزمة لتعزيز المرونة المالية لضمان توافر السيولة بالدرهم والدولار الأميركي. كما أطلقت دبي مبادرة لدعم القطاع الخاص بقيمة 272 مليون دولار. وتكاملت التدخلات النقدية مع التنسيق التنظيمي والاستجابات القطاعية الموجهة بشكل متزامن.

وهذا يمثل بُعداً غالباً ما يُقلَّل من أهميته في مفهوم المرونة: ليس فقط قوة النظام، بل القدرة الفعلية على إدارته بفاعلية تحت الضغط.

المرونة

تحدثتَ عن الثقة بوصفها شكلاً من أشكال المرونة. ماذا تقصد بذلك؟

تُعدّ دولة الإمارات موطناً لأكثر من 200 جنسية وكان من المتوقع، بحسب بعض المراقبين، حدوث موجة نزوح. إلا أن الغالبية العظمى بقيت، بل إن كثيرين ممن غادروا مؤقتاً عادوا لاحقاً. كما تكيفت الشركات، واستمر الناس في الحضور إلى أعمالهم، وفي الالتزام بمجتمعاتهم، وفي دعم بعضهم البعض.

هذه الثقة لا تُبنى بين ليلة وضحاها، بل تُكتسب عبر عقود من السياسات المتسقة التي تعطي الأولوية للاستقرار والانفتاح وإتاحة الفرص. وفي لحظات الضغط، تصبح هذه الثقة أحد أهم أشكال المرونة التي يمكن أن يتمتع بها أي اقتصاد. فاقتصاديات الدول لا تعمل في فراغ، بل تعمل من خلال الناس ومن خلال القرارات التي يتخذها هؤلاء الأفراد بشأن مكان العيش والعمل والاستثمار.

وقد عكست حملة “حدّ الحياة”، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، جانباً من هذه الروح. ففي خضم اضطرابات كبرى، تمكنت الدولة من جمع أكثر من 2.8 مليار درهم لمكافحة الجوع بين الأطفال، محققة أرقاماً قياسية عالمية في مجال العمل الخيري، وهذا يسلط الضوء على طبيعة هذه الدولة.

ماذا تسمع من مجتمع الأعمال والمستثمرين العالميين؟

لقد تغيّر السؤال المتوقع في البداية من “هل ينبغي لنا تقليص استثماراتنا في الإمارات؟” إلى سؤال مختلف تماماً: “أين نجد مكاناً آخر يجمع بين هذه المزايا من حيث التواصل، والعمق المؤسسي، والأداء المتميز في مواجهة الأزمات؟”

ما يحدث اليوم هو إعادة تقييم للأسس، لا التخلي عنها. فحركة رأس المال لا تتراجع، بل تعيد التموضع.

في مواجهة التقلبات، لا يختفي رأس المال — بل يتركّز، ويتجه نحو الأنظمة التي تثبت موثوقيتها تحت الضغط، لا تلك التي تَعِد بالاستقرار فقط. وهذا معيار أعلى، لكنه في الوقت نفسه أساس أكثر استدامة للنمو.

ومع أكثر من 1.4 تريليون دولار من التجارة السنوية، وروابط تمتد إلى أكثر من 180 ميناءً رئيسياً، وأحد أكثر مطارات العالم ازدحاماً على مستوى الرحلات الدولية، تشكل دولة الإمارات بنية تحتية محورية للمنطقة وخارجها. وعندما تحافظ على الترابط والاستمرارية في ظل الضغوط، فإن القيمة الاستثمارية تصبح واضحة بذاتها.

اقرأ أيضاً: رؤية “نتوورك إنترناشونال” نحو ريادة مدفوعات الغد في أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا

ماذا تعني هذه المرحلة بالنسبة للتموضع الاقتصادي طويل الأمد للمنطقة؟

هذه المرحلة لا تعيد تعريف دولة الإمارات، بل تؤكد عقوداً من الاستعداد المتعمّد، لكنها في الوقت نفسه، تشير إلى تحول أوسع. فحقبة العولمة المُحسّنة بالكفاءة وحدها بدأت تفسح المجال أمام جغرافيا اقتصادية تُعيد تعريفها المرونة: أي أنظمة لا تُصمَّم فقط للأداء الأمثل في ظروف مستقرة، بل للاستمرار تحت الضغط.

وهذا الفارق ليس هامشياً. بل سيكون العامل الحاسم في تحديد أي اقتصادات ستواصل النمو خلال فترات التقلب، وأيها سيتأخر.

وفي هذا السياق، لم تعد المرونة استجابة لاحقة للأزمات، بل أصبحت عنصراً استباقياً. والإمارات لا تتكيف مع هذا التحول بقدر ما كانت قد استشرفته مسبقاً. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الأنظمة المرنة ستفرض علاوة قيمة، بل ما إذا كانت الأنظمة الأقل مرونة قادرة أصلاً على المنافسة. وقد بدأت إعادة الصياغة هذه بالفعل، وهي مسار يتسم بطابع لا عودة فيه.

انقر هنا للاطلاع على المزيد من المقابلات الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *