وقف مدفوعات الأسرى يثير الغضب ضد السلطة الفلسطينية

دأبت السلطة الفلسطينية لسنوات على رعاية أُسَر أي فلسطيني من الضفة الغربية أو قطاع غزة يُقتل أو يُصاب أو يُسجن على يد الإسرائيليين، سواء أكان قاتلاً أم راعياً بريئاً. وكانت هذه الإعانات الشهرية تعكس الاعتقاد بأن هؤلاء الأفراد جزء لا يتجزأ من النضال الوطني.
ومع الضغوط الدولية لوقف هذه الممارسة، بما في ذلك من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تجري إعادة صياغة هذا العقد الاجتماعي. فقد قُطعت المدفوعات عن الأُسر في مخيمات اللاجئين والمراكز الحضرية، واندلعت احتجاجات في عدة مدن بالضفة الغربية في الأيام الأخيرة.
إيقاف مدفوعات الأسرى في فلسطين
وكانت السلطة الفلسطينية قد وعدت بإجراء هذا التغيير لسنوات، وأعلنت إنهاء البرنامج في فبراير، لكنها لم تبدأ بحجب المدفوعات إلا قبل شهرين تقريباً. وأكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وهي هيئة تمثل الضفة الغربية، تعليق هذه المدفوعات.
اقرأ أيضاً: حرب إسرائيل على غزة.. هذه الآثار الكارثية على اقتصاد فلسطين
قالت ياسمين أبو لطيفة، أرملة تبلغ من العمر 27 عاماً، إن راتبها الشهري البالغ 2000 شيكل (625 دولاراً أميركياً) قد اختفى في نوفمبر، مما جعلها عاجزةً عن دفع الإيجار أو شراء الطعام.
وأضافت، وهي تعيش الآن مع أهل زوجها في منزل مكتظ في مخيم قلنديا للاجئين قرب رام الله، قائلةً: “لا يوجد عمل هنا. لماذا اتخذوا هذه الخطوة؟ نحن المحتاجون”.
كيف ترى إسرائيل هذه الإعانات؟
من وجهة نظر إسرائيل، مثّلت هذه السياسة طويلة الأمد حافزاً للإرهاب، لا سيما وأن المكافآت المالية قد تكون أكبر مقابل الأعمال الأكثر قسوة؛ الحكم بالسجن المؤبد على جريمة قتل يعني إعالة الأسرة مدى الحياة. وكانت هذه الممارسة سبباً رئيسياً في مطالبة العديد من حكومات السلطة الفلسطينية -التي تدير أجزاء من الضفة الغربية- بضرورة الشروع في إصلاحات.
اقرأ أيضاً: كيف تضاعفت الأموال في بنوك غزة رغم الحرب وانهيار الاقتصاد؟
وشكّل هذا المطلب جزءاً من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المُكونة من 20 بنداً لإنهاء الحرب المستمرة منذ عامين بين إسرائيل وحماس، والتي وافق عليها الطرفان في أكتوبر الماضي.
يقترح مشروع وقف إطلاق النار إدارة غزة من قبل لجنة تكنوقراطية غير سياسية “إلى حين إتمام السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي”. وقد شرع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تنفيذ خططه لتعديل نظام الإعانات، وتحويله إلى نظام قائم على الحاجة المالية.
انتقادات حادة لقرار السلطة الفلسطينية
وقد أسفر ذلك، حتى الآن، عن انتقادات حادة من جميع الأطراف. إذ تتهم بعض العائلات الفلسطينية القيادة بتفضيل مطالب إسرائيل على رفاهيتها، ويقول كثيرون إن فقدان الدخل المفاجئ قد دفعهم إلى ضائقة مالية. وقد زاد ذلك من حدة الإحباط تجاه السلطة الفلسطينية، وعزز الشعور بالخيانة لدى المجتمعات التي تعتبر الأسرى رموزاً وطنية.
وقال عباس الأسبوع الماضي إن التحول إلى نموذج الرعاية الاجتماعية لا يعني التخلي عن الأسرى أو عائلاتهم الثكلى. وأضاف في بيان له أن “الولاء للشهداء والأسرى والجرحى وعائلاتهم يبقى واجباً وطنياً”.
وهذا ما يثير غضب إسرائيل. فمع أن الإعانات لم تعد تكريماً رسمياً للناشطين المناهضين لإسرائيل، إلا أنها لا تزال تشملهم.
نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية على موقع “X”: “هذه سياسة ‘ادفع مقابل القتل’، وهي سياسة تغذي الإرهاب”.
اقرأ أيضاً: ترمب: لا بد من نزع سلاح “حماس”.. وإعادة إعمار غزة تبدأ قريباً
نظام جديد للرعاية الاجتماعية
ومع ذلك، فإن التغييرات مهمة. إذ يتعين على كل عائلة تسعى للحصول على الدعم الآن ملء استمارات مفصلة بشأن ممتلكاتها ودخلها. وحتى الآن، لم يكن للثروة أي اعتبار فيما إذا كان قريبك شهيداً أو مسجوناً في إسرائيل. في حين أنه إذا كنت فقيراً ولكن لم يشارك أحد من عائلتك في أي نشاط مناهض لإسرائيل، فستحصل على القليل.
أما الآن، فيتم تحويل جميع المدفوعات عبر هيئات الرعاية الاجتماعية، ويُعاد تصنيف المستفيدين كمتلقين للمساعدات الاجتماعية.
وتُظهر استطلاعات الرأي التي أجراها الباحث خليل الشقاقي أن الفلسطينيين ينظرون إلى هذا الإصلاح كجزء من أزمة أوسع نطاقاً تتعلق بشرعية السلطة الفلسطينية. ويُعارض ثلثا الجمهور هذا التغيير، مما يزيد من احتمالية اندلاع المزيد من الاحتجاجات إذا لم يتم التراجع عنه.
ولكن دون إيقاف هذه المدفوعات، ستواصل السلطة الفلسطينية نضالها لكسب ود الولايات المتحدة وإسرائيل في مسعاها الطويل لتحقيق الدولة الفلسطينية.
قامت إسرائيل بحجب 4 مليارات شيكل (1.25 مليار دولار) من عائدات الضرائب المخصصة لهذا البرنامج والتي جمعتها لصالح السلطة الفلسطينية منذ عام 2019، مستشهدةً بالإعانات كمُبرر، وهو جزء من سياسة دفعت السلطة الفلسطينية مراراً وتكراراً إلى أزمة مالية.



