اخر الاخبار

هل تظهر سوق لعقود تتحوط فيها صناعة الحوسبة؟

بماذا يختلف البيض عن رقائق الحوسبة؟ هناك عدة إجابات لهذا السؤال، لكن الإجابة مالياً هي أن التقلبات الجذرية الأخيرة في السوق كانت أكثر إرباكاً لمشتري البيض من حال مستخدمي المعالجات الحاسوبية.

سببت إنفلونزا الطيور قلقلةً في أسعار البيض فارتفعت من أقل من 12.5 سنت للبيضة إلى أكثر من 65 سنتاً في منطقة الغرب الأوسط في الولايات المتحدة، وأدت في بعض الأحيان إلى غياب البيض من الأسواق وإفلاس كبار منتجيه.

“DeepSeek” يُكبد أثرياء العالم 108 مليارات دولار في يوم واحد

لكن لننظر إلى ما حدث لأسعار خدمات الحوسبة عندما كشفت شركة ”ديب سيك“ الصينية عن نموذج ذكاء اصطناعي طورته بثمن بخس، الأسعار بالكاد تحركت ولم تقع إفلاسات، رغم أن ذلك الحدث سبب أكبر انخفاض خلال يوم واحد في القيمة السوقية لأي سهم مدرج تاريخياً، وكان ذلك التراجع ضعف الرقم القياسي السابق.

عودة حلم قديم

كان ذلك دلالة على أن البنية الأساسية المالية المتطورة تقي خدمات الحوسبة من صدمات الأسعار، لكنها لا تحمي البيض منها، تنمو وتبتكر بسرعة وقد تمثل فرصة ناشئة كبيرة. كما كان ذلك تذكيراً بمدى سرعة تحول سردية طلب الذكاء الاصطناعي على قوة المعالجة، ما أحيا الاهتمام بأسواق العقود المستقبلية لخدمات الحوسبة، وهو حلم سعى الناس إلى تحقيقه منذ 1989.

أحد أغراض أسواق العقود المستقبلية هو جذب مستثمرين إلى عملية إنتاج السلع الأساسية. يمكن للمستثمرين المؤسسيين توفير رأس مال رخيص وصبور من خلال عقود مستقبلية متجددة – بحيث يكون الهدف الشراء عند أقرب شهر تسليم، والبيع في الأشهر الأبعد، مع تمديد هذا الالتزام شهرياً.

شركات الرقائق تدفع مؤشرات وول ستريت إلى مستويات قياسية

يسمح هذا للمنتجين ومن يعملون بالمعالجة الحوسبية والموزعين بالعمل برأس مال أقل، ما يعني تكاليف أقل وحماية أفضل للنشاط الاقتصادي الحقيقي من الصدمات المالية. لا توجد عقود مستقبلية للبيض، وهنالك تعاملات لا تشمل إلا 5% فقط من إنتاجه في سوق فورية متخصصة عبر شركة ”إيغ كليرنغ هاوس“ (Egg Clearinghouse)، وكان هذا سبباً مهماً في تقلبات الأسعار الجامحة واضطراب السوق.

سوق متطورة

إن سوق الرقائق الحاسوبية وقوة المعالجة أكثر تقدماً بقدر كبير، كما أن أسواق العقود الآجلة تتطور سريعاً. إن الطلب على قوة المعالجة من شركات الذكاء الاصطناعي المستقلة وحدها يزيد عن 10 أضعاف حجم سوق البيض ومن المتوقع أن ينمو بنسبة 50% سنوياً. كما أن الطلب على الحوسبة في تزايد مستمر من علم الأحياء الحاسوبي ونمذجة الطقس وغير ذلك.

ومنطقي استشراف أن ينفق الناس في غضون خمس سنوات مزيداً من المال على قوة الحوسبة مقارنة مع النفط، وبطبيعة الحال، تشكل العقود المستقبلية للنفط جزءاً هائلاً من الأسواق المالية.

فكرة العقود المستقبلية للحوسبة ليست جديدة. في 1989، اقترحت بورصة “باسيفيك” سوقاً آجلة لشرائح الذاكرة عشوائية المداخل، لكن مزيجاً من التشكك التنظيمي وعدم مبالاة صانعي السوق قوض هذا المشروع. كان لكل من مجلس شيكاغو للتجارة، وبورصة شيكاغو للخيارات، ومجلس تجارة مينيابوليس نسخة من هذه الفكرة؛ لكنها خابت جميعاً.

أرباح “سامسونغ” في قطاع الرقائق تتراجع رغم سباق الذكاء الاصطناعي

في 2001، أعلنت شركة ”إنرون“ عن خطة لإنشاء سوق آجلة لشرائح الذاكرة عشوائية المداخل كخطوة أولى نحو خلق أسواق لمجموعة كاملة من مكونات الكمبيوتر. قال كينيث وانغ، الذي ترأس هذا المسعى لدى”إنرون“ إن ”سوق (شرائح الذاكرة عشوائية المداخل) هي دورات ازدهار وانحسار، فتكون الأسعار إما مرتفعة جداً أو منخفضة بشدة. إنها سوق مثالية، كما أن (إنرون) لها مصداقيتها… ورغبت بتحوط يشمل ربما 60% من مكونات الحاسوب إن أمكن على المدى الطويل..“ لكن في نهاية ذلك العام كانت ”إنرون“ قد طلبت الحماية من الإفلاس وفقدت مصداقيتها. 

فشل متكرر

كما حاولت مجموعات مثل شركة التعاملات ”باكارو دوت كوم“ (buckaroo.com)، وبورصة سنغافورة المحدودة، وتاجر العقود الآجلة ورجل الأعمال غيلبرت ليستنر، لكنهم فشلوا. لماذا فشلوا وما الفارق هذه المرّة؟

السبب البسيط هو الحجم. في 1989، كان حجم السوق العالمية لأشباه الموصلات يعادل ربع الطلب من شركات الذكاء الاصطناعي المستقلة وحدها في 2024. ولم تكن السوق كبيرة بما يكفي لإثارة اهتمام صناع السوق الكبار والمستثمرين المؤسسيين. كما تلعب التقلبات دوراً هاماً. إن إمكانية حدوث تقلبات كبيرة مفاجئة في السوق بسبب أحداث مثل إعلان ”ديب سيك“ تجعل العقود المستقبلية للمعالجات الحاسوبية أنفع للمتحوطين وأكثر جاذبية بين المتداولين.

كما كانت سوق الرقائق خاضعة لسيطرة عدد قليل من المنتجين والمستخدمين الكبار، الذين يمكنهم توقيع اتفاقيات ثنائية طويلة الأجل. في حين ما تزال الرقائق تُصنع بواسطة عدد قليل من الشركات الكبيرة، فإن خدمات الحوسبة التي تستخدم هذه الرقائق تبيعها لمجموعة واسعة من مراكز البيانات الكبيرة والصغيرة، وهي ذات تكاليف مرتفعة ورافعة مالية عالية ومعلومات سوقية محدودة. يشمل المشترون كثيراً من الشركات الناشئة الصغيرة نسبياً، وهي أيضاً تفتقر إلى المعرفة السوقية.

سمات العقود

الجزء الأخير من التفاصيل هو التوحيد القياسي. مثل النفط، الذي يُصنف عبر مجموعة من الأنواع والدرجات والمصادر، تأتي قوة الحوسبة من مزيج معقد من الرقائق في تكوينات ومواقع مختلفة. إن إنشاء عقود آجلة للنفط متنوعة بما يكفي لتكون مفيدة للمشاركين في السوق ولكنها صغيرة بما يكفي لتركيز السيولة على العقود النشطة تطلب استثماراً ضخماً في البنية التحتية المادية والقانونية. ولا تتطلب الحوسبة الاستثمار المادي الذي خُصص لتخزين النفط وخطوط الأنابيب والبنى التحتية.

السياسة والاقتصاد والأسواق.. معضلة ثلاثية الأبعاد في 2025

تتيح التقنية الحديثة للبورصات تداول مجموعات محدودة من العقود الموحدة التي تركز السيولة مع السماح في الوقت نفسه بصفقات معدة لتناسب أطرافاً بعينها.

من الأحداث التي تستحق المتابعة هذا الأسبوع المزاد العلني الأول الذي تعقده شركة ”كومبيوت إكستشينج“ (Compute Exchange)، وهي واحدة من رواد هذا المجال. إن اجتذب هذا المزاد اهتماماً كبيراً وسار بسلاسة، فقد يدعم فكرة إمكانية تطور سوق آجلة رئيسية للمعالجة الحاسوبية.

هنالك اهتمام بدهي بهذا الأمر بين صناع السوق وتجار العقود الآجلة وصناديق التحوط والمستثمرين المؤسسيين. وبالنسبة للمستثمرين الأفراد، هناك إمكانية لظهور فئة جديدة من الأصول الحقيقية المتاحة في صناديق التداول المدرجة وغيرها من المنتجات. كما تتمتع المعالجة الحاسوبية بإمكانية ارتباط أقل بالاقتصاد العام مقارنة بالأصول الحقيقية التقليدية مثل العقارات والسلع المادية، وربما مزيد من الأمان وعائد أفضل على المدى الطويل مع انتقال القيمة الاقتصادية من الأشياء المادية إلى الأصول الفكرية.

طبيعي أن شيئاً من التشكك صحيح في تتبع فكرة لها تاريخ من الفشل على مرّ 35 عاماً. لكن ربما تكون البورصات الحاسوبية على وشك أن تنجح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *