هل تتمكن منتجة البطاريات الصينية الرائدة من توسيع سوقها؟

داخل أكبر مصنع بطاريات في العالم، تكسو أذرع آلية دقيقة صفائح من رقائق الألمنيوم والنحاس لا تتجاوز سماكتها 5 ميكرومتر، أي ما يعادل جزءاً من 20 من قطر شعرة الإنسان، بملاط إلكترود، وهي حركة تشبه دهن المربى على الخبز.
توجه المادة المغطاة، مع طبقة فاصلة رقيقة، بواسطة بكرات فولاذية ضخمة، معايرة بدقة لضمان أن تكون كل شريحة شديدة الإحكام، ثم تلف الشرائح بدقة على شكل حلزونات تعرف باسم “لفائف الجيلي” وتغلف. بعد ذلك، تحقن أذرع آلية أخرى محلولاً إلكتروليتياً، فتحول مزيج المعدن والمواد الكيميائية إلى بطارية ليثيوم أيون عالية الكفاءة.
العملية مؤتمة إلى حد بعيد، لكن فريق مفتشين مدربين على رصد أدق العيوب يراقبون العملية في محطات متفرقة في جميع أنحاء المصنع. قد تؤدي فقاعة هواء واحدة أو لحام غير متقن إلى حدوث تماس كهربائي، وهو خلل نادر الحدوث في الإنتاج. بعد الفحص، تحمل حزم البطاريات المغلفة بالألومنيوم على رفوف وتترك لساعات أو أيام قبل شحنها إلى مصانع السيارات الكهربائية حول العالم.
كيف تفوقت الصين على العالم في سباق البطاريات؟
هذا المرفق، الذي يمتد على مساحة تقارب خمسة كيلومترات مربعة في نينغده، جنوب شرق الصين، مصمم لإنتاج 60 غيغاوات ساعة من بطاريات السيارات الكهربائية سنوياً، تكفي لتشغيل مليون سيارة “تسلا” من طراز (Model Y). وهو مركز التصنيع الرئيسي لإحدى أهم شركات قطاع السيارات في العالم، وهي شركة ”كونتيمبوريري أمبيريكس تكنولوجي“ (Contemporary Amperex Technology).
إن أكثر من ثلث السيارات الكهربائية المصنعة هذا العام مزودة ببطاريات “كونتيمبوريري أمبيريكس”، وفقاً لبيانات شركة ”إس إن إي ريسرتش“ (SNE Research) الكورية الجنوبية، وتشمل هذه السيارات سيارات من ”بي إم دبليو“ و”فورد” و“هوندا“ و“مرسيدس“ و”تسلا”، بالإضافة إلى علامات تجارية صينية مثل ”شاومي“.
في مايو، جمعت الشركة 5.3 مليار دولار من خلال طرح أسهمها في هونغ كونغ، ويعد مؤسسها، يوتشون “روبن” زينغ، 57 عاماً، واحداً من أغنى 30 شخصاً في العالم، وفقاً لمؤشر “بلومبرغ” للمليارديرات، بثروة تقدر بنحو 58.3 مليار دولار.
نجاح متفرد تصاحبه تحديات فريدة
لكن بالنسبة لشركة “كونتيمبوريري أمبيريكس”، كما هو الحال مع الشركات الأخرى التي تتبوأ مكانة رائدة في صناعاتها، فإن النجاح الفريد يخلق تحديات فريدة.
تشهد سوق السيارات الكهربائية في الصين، الأكبر في العالم، تباطؤاً في النمو، إذ تشكل السيارات الكهربائية بالكامل أو الهجينة القابلة للشحن أكثر من نصف إجمالي مبيعات سيارات الركاب الجديدة. وتتوقع “بلومبرغ إن إي إف” أن تشهد الصين قريباً فائضاً في إنتاج البطاريات، ما سينعكس حتماً على الأسعار.
تؤسس “كونتيمبوريري أمبيريكس” مصانع في أوروبا وجنوب شرق آسيا، حيث تأمل في بناء أعمال ناجحة مشابهة لأعمالها في الصين. كما يتطلع زينغ إلى أميركا الشمالية، إلا أن سياسات حكومية مختلفة ثبطت عزيمة شركته عن التصنيع في الولايات المتحدة، إذ أبقت إدارة الرئيس دونالد ترمب حظراً يمنعها من المنافسة على العقود الحكومية، في حين قلصت في الوقت نفسه الإجراءات المصممة لتشجيع تبني السيارات الكهربائية.
أعلنت شركة “فورد موتور“، التي تستخدم تقنية “كونتيمبوريري أمبيريكس” في الولايات المتحدة بموجب ترخيص، حديثاً أنها ستتحمل تكاليف بقيمة 19.5 مليار دولار أميركي تتعلق بعملياتها الخاسرة في مجال السيارات الكهربائية.
“فورد” تستثمر 3.5 مليار دولار في مصنع للبطاريات بتقنية صينية
في غضون ذلك، حتى في أوروبا الأكثر دعماً للسيارات الكهربائية، تتزايد مخاوف الحكومات من الاعتماد على الشركات الصينية في مجال البطاريات وغيرها من التقنيات الأساسية.
لذا، تسير “كونتيمبوريري أمبيريكس” على حافة هاوية تصنيفها إما مبتكراً أساسياً أو تهديداً خطيراً. في مقابلة مع “بلومبرغ بيزنس ويك”، صرح زينغ بأنه يعتزم المضي قدماً بغض النظر عن أي شيء، وإنتاج مزيد من البطاريات الأفضل، ودفع مهندسي “كونتيمبوريري أمبيريكس” لتطوير مزيد من الطرق التي يمكن للعملاء استخدام منتجات الشركة بها.
قال: “إن السعي الأعمى وراء التغيرات الجيوسياسية سيشل عملياتنا من حيث الأساس. لهذا، إن وجود خطة بديلة جزء أساسي من استراتيجيتنا“.
بعبارة أخرى، بعد أن بنى محركاً على نطاق غير مسبوق لتزويد النقل العالمي بالطاقة الكهربائية، ليس أمام زينغ خيار سوى تشغيله بسرعة أكبر ولمسافات أطول.
قصة نجاح المؤسس زينغ
قصة زينغ الريادية مألوفة في الصين. ولد عام 1968، في ذروة الثورة الثقافية، وبلغ سن الرشد في ثمانينيات القرن العشرين، مع بدء انفتاح الاقتصاد على المشاريع الخاصة.
ومثل ملايين الطلاب الطموحين من جيله، درس الهندسة في الجامعة، ثم أمضى بضعة أشهر عادية في شركة تملكها الدولة في مسقط رأسه بمقاطعة فوجيان. وسرعان ما سئم الروتين وانتقل، عام 1989، إلى غوانغدونغ، حيث كانت الإصلاحات المؤيدة للسوق تسير بوتيرة أسرع بكثير من أي مكان آخر.
وجد زينغ عملاً في وحدة تابعة لشركة ”تي دي كيه“ (TDK)، وهي شركة يابانية لتصنيع المكونات الإلكترونية. بعد عشر سنوات، تركها ليشارك في تأسيس شركة ناشئة هي “أمبيريكس تكنولوجي”، لتطوير بطاريات لمختلف الأجهزة الصغيرة.
“BYD” تكشف عن نظام بطاريات يشحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق
باستخدام ترخيص لبراءة اختراع من ”بيل لابس“ (Bell Labs)، عالج زينغ مشاكل التقنية، مثل ميل البطاريات إلى الانتفاخ بشكل خطير بعد شحنها عدة مرات. فازت شركة ”أمبيريكس تكنولوجي” بعقد مع شركة ”أبل“ لتزويد أجهزة ”آيبود“ (iPod) بالبطاريات.
وتوالت بعدها الصفقات مع عمالقة الإلكترونيات الآخرين، وفي عام 2005، باع زينغ مشروعه لشركة ”تي دي كيه“، في صفقة استحواذ نقلت وسائل إعلام صينية أن قيمتها بلغت 100 مليون دولار.
بعدما عمل لدى صاحب عمله السابق لمدة ست سنوات أخرى، انطلق زينغ مجدداً في مشروعه الخاص، مؤسساً شركة تركز على صناعة السيارات الكهربائية الناشئة. (أطلقت شركة “تسلا” موديل (S)، الذي يمكن القول إنه أول سيارة كهربائية تطرح في السوق على نطاق واسع، عام 2012).
ليكون اسم الشركة إنجليزياً، أضاف زينغ كلمة ”كونتيمبوريري” إلى اسم شركته الناشئة الأولى. أما باللغة الصينية، فقد أطلق عليها اسم ”نينغده إيرا“ (Ningde Era)، تكريماً لمدينته التي اختارها موطناً لمقر شركته.
انطلاقة بدفع من “بي إم دبليو”
جاءت انطلاقة “كونتيمبوريري أمبيريكس” الحقيقية الأولى على شكل اتفاقية توريد مع شركة “بي إم دبيلو”، ما رسخ مكانتها في سلسلة توريد السيارات.
وقال مات شين، المدير العام لشركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” في أوروبا: “لقد حالفنا الحظ بالعمل مع (بي إم دبيلو) منذ بداياتنا. تعلمنا منهم متطلبات دقيقة وصارمة جداً”.
لقد أثبتت الصفقة أنها خطوة مفيدة لشركة “بي إم دبليو” أيضاً، إذ منحتها ميزة تنافسية في الامتثال للقواعد التي تشترط على السيارات الكهربائية المباعة في الصين استخدام بطاريات محلية الصنع للتأهل للحصول على دعم الشراء.
كانت هذه السياسات، التي بدأ تطبيقها في عام 2015، جزءاً من خطة أوسع لتقليل الاعتماد على المكونات المستوردة، ومنحت “كونتيمبوريري أمبيريكس” ميزة رئيسية على منافسيها الأكبر حجماً مثل شركة ”إل جي كيم“ (LG Chem) الكورية الجنوبية وشركة ”باناسونيك“ (Panasonic) اليابانية. وسرعان ما بدأت الشركة في الحصول على عقود توريد مع المشاريع المشتركة الصينية لشركات ”جنرال موتورز“ و“مرسيدس“ و“فولكس واجن“.
هيمنة صينية على سوق بطاريات السيارات الكهربائية
أدرجت أسهم “كونتيمبوريري أمبيريكس” لأول مرة في بورصة شنجن عام 2018، مما منح شركة زنغ قيمة صافية ورقية بلغت 3.4 مليار دولار. ثم فازت الشركة بعقود مع إيلون ماسك، الذي كان يسعى لتجهيز سيارات “تسلا” المصنعة في مصنع جديد بشنغهاي.
في عام 2020، بدأت “كونتيمبوريري أمبيريكس” بتوريد بطاريات الطاقة لسيارات موديل (3) المصنعة في شنغهاي؛ وتوسع نطاق الصفقة لاحقاً لتشمل موديل (Y)، بالإضافة إلى السيارات المصدرة من الصين إلى دول أخرى. أما بالنسبة لإنتاجها خارج الصين، فتعتمد “تسلا” بشكل أساسي على ”باناسونيك“ و“إل جي“.
في سوق السيارات الكهربائية المحلية سريعة النمو، حققت “كونتيمبوريري أمبيريكس” نجاحاً باهراً لدرجة أن بعض شركات صناعة السيارات اشتكت.
تذمر تشنغ تشينغ هونغ، رئيس مجلس إدارة مجموعة ”غوانغجو أوتوموبيل غروب“ (Guangzhou Automobile Group) آنذاك، قائلاً: “جميعنا نعمل لصالح (كونتيمبوريري أمبيريكس) الآن”، وذلك عندما رفعت الشركة الأسعار في عام 2022 وسط ارتفاع تكاليف المواد.
كيف تنهض شركة بمدينة؟
كان من آثار هذا النجاح التحول الذي شهدته مدينة نينغده، التي كانت سابقاً من أفقر مدن شرق الصين. واليوم، تعج المدينة بحركة مرور السيارات والسفن التي تولدها “كونتيمبوريري أمبيريكس”، التي تعد أكبر جهة توظيف ودافع ضرائب في المنطقة.
لكن بالمقارنة مع أضواء شنغهاي أو شنجن الساطعة، ما تزال المدينة منطقة نائية، ويعد استقطاب الكفاءات تحدياً دائماً. ولجذبهم، تقدم شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” مزايا مثل السكن المدعوم والدعم التعليمي، بالإضافة إلى ملاعب كرة السلة والصالات الرياضية وغيرها من المرافق الترفيهية.
كما تسعى الشركة إلى تعزيز روح الجماعة، لدرجة قد تثير استغراب البعض، إذ يمكن للموظفين العزاب التسجيل في خدمة التوفيق بين الشركاء، ويمكن لمن يجد شريكاً الاحتفال بزفافه في حفلات زفاف جماعية تنظمها “كونتيمبوريري أمبيريكس”.
هل صنعها الدعم السخي والسياسات الحمائية؟
يشير النقاد إلى أن “كونتيمبوريري أمبيريكس”، كغيرها من الشركات الصناعية الصينية العملاقة، استفادت من دعم سخي وسياسات حمائية سمحت لها بالترسخ في ظل منافسة أجنبية محدودة.
لا تعتبر الشركة فريدة من نوعها في إتقانها لكيمياء بطاريات الليثيوم أيون، أو في بديلها الشائع بشكل متزايد، وهو فوسفات حديد الليثيوم، على الأقل ليس بالمقارنة مع نظيراتها اليابانية والكورية.
تعمل الشركة على تطوير أساليب مبتكرة، مثل بطاريات الحالة الصلبة، التي تستبدل الإلكتروليت السائل في وحدات الليثيوم أيون الحالية بفاصل صلب، وتعد بتحسينات هائلة في الأداء إذا ما تغلبت على التحديات التقنية. لكن منافسي “كونتيمبوريري أمبيريكس” يفعلون الشيء نفسه.
شركات تصنيع البطاريات في الصين تواجه طاقة فائضة وطلباً ضعيفاً
ما يميزها، في المقابل، هو كفاءة خط الإنتاج. قال جيل برات، كبير علماء شركة “تويوتا موتور“: “لا تختلف التركيبات الكيميائية الأساسية كثيراً بين المنتجين. ما يختلف هو انخفاض تكلفة تصنيعها. الأمر يتعلق بالتصنيع والإنتاج أكثر من أي اختراق علمي هائل”.
سمحت براعة “كونتيمبوريري أمبيريكس” الصناعية لها بغزو السوق الصينية بفعالية، ما أجبرها على البحث عن تطبيقات جديدة لاستيعاب إنتاجها المتزايد. لكن حتى أنجح توسع في الصين لن يكون كافياً للحفاظ على وتيرة نمو الشركة السريعة التي يتصورها زينغ. لتحقيق ذلك، ستحتاج إلى أسواق جديدة.
يقع أول مصنع خارجي لشركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” في قلب ألمانيا على مقربة من مدينة إرفورت التاريخية، وقد افتتحته قبل ثلاث سنوات. على عكس المصانع المزدحمة في نينغده، يتميز المصنع الألماني برحابة مساحاته وانفتاحها، حيث تغمر الإضاءة الطبيعية أرضياته ومكاتبه. لقد أثبت هذا المشروع أنه تجربة مكلفة.
المشروع مصمم لإنتاج حوالي 14 غيغاوات ساعة من الطاقة سنوياً، تكفي لتشغيل ما يصل إلى 350 ألف مركبة. ورغم أن شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” ترفض تحديد حجم إنتاجها الحالي، إلا أن الرقم أقل بكثير.
يشير مسؤولو الشركة إلى عدة أسباب لبطء البداية، منها حواجز اللغة بين الموظفين المحليين والوافدين الصينيين، الذين شكلوا في البداية أكثر من ثلث الموظفين (انخفضت هذه النسبة الآن إلى أقل من 10%، من أصل حوالي 2000 موظف). كان كثير من المتقدمين للوظائف من أوروبا الشرقية وليس من ألمانيا، وفي البداية، لم يكن لدى “كونتيمبوريري أمبيريكس” أشخاص يجيدون الترجمة الفورية.
لماذا ستنخفض أسعار البطاريات عالمياً مجدداً في 2026؟
كان لا بد من ترجمة المحادثات من الصينية إلى الألمانية، ثم إلى التشيكية أو البولندية، ثم العودة إلى الصينية مرة أخرى، وهي عملية شاقة، خاصة عند التعامل مع مسائل تقنية معقدة. مشكلة أخرى تمثلت في الفجوة بين ثقافة العمل الصينية، التي تركز على ساعات العمل الطويلة، وتوقعات الموظفين الأوروبيين الأكثر مرونة.
خلاصة القول أن النفقات في العمليات الألمانية، سواء لتلبية المتطلبات التنظيمية أو لتوظيف عدد كافٍ من الموظفين المدربين، أعلى بكثير منها في الصين، وتسعّر البطاريات المنتجة هناك تبعاً لذلك.
تعد بنود اتفاقيات التوريد بين شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” وشركات صناعة السيارات سرية، ويمكن أن تختلف التكلفة المدفوعة اختلافاً كبيراً اعتماداً على حجم الطلبات وتكوينها الدقيق.
لكن وفقاً لأشخاص مطلعون على الأمر، طلبوا عدم كشف هوياتهم لتطرقهم إلى مداولات خاصة، فقد طلبت بعض شركات صناعة السيارات من “كونتيمبوريري أمبيريكس” تلبية طلباتها بمزيج من الوحدات المستوردة والوحدات المنتجة أوروبيا للحفاظ على استقرار التكاليف.
نتيجة لهذا التفضيل وبطء الإنتاج، ما تزال غالبية بطاريات “كونتيمبوريري أمبيريكس” المستخدمة في السيارات الكهربائية المصنعة أوروبياً تأتي من الصين، بحسب هؤلاء الأشخاص.
إغراق السوق الأوروبية يواجه ممانعةً
يمثل هذا الأمر معضلة بالنسبة لشركة زينغ. بينما تباطأ نمو تبني السيارات الكهربائية في أوروبا، إلا أن المنطقة تبنت الكهرباء بوتيرة أسرع من معظم المناطق، حيث يلتزم الاتحاد الأوروبي قانوناً بالوصول إلى صافي انبعاثات غازات دفيئة صفرية بحلول منتصف القرن.
مارست الحكومات الوطنية، التي باتت تبدي مقاومة متزايدة لما تعتبره وفرة هائلة من المنتجات الصينية الرخيصة، ضغوطاً على بروكسل لإعادة النظر في جوانب من هذه الاستراتيجية.
وفي منتصف ديسمبر، تراجع صانعو السياسات عن خططهم لحظر السيارات الجديدة التي تعمل بالبنزين والديزل بحلول عام 2035. وجاء هذا التغيير عقب تحذيرات من شركات صناعة السيارات من أن الالتزام بهذا الجدول الزمني لا يمكن تحقيقه إلا بالاعتماد على الصين.
صانعو السيارات في أوروبا يحذرون: حظر محركات الاحتراق الداخلي لم يعد ممكناً
ونتيجة لذلك، قد لا يكون أمام شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” خيار سوى مواصلة التوسع في أوروبا والبحث عن سبل لخفض التكاليف في الوقت نفسه. قد تبقى البطاريات المصنعة في الاتحاد الأوروبي أغلى ثمناً، لكنها لن تسبب خطر إثارة ردود فعل حمائية.
قال كاي كيم، المحامي الذي يقدم الاستشارات للشركات الصينية والأوروبية في شركة ”تايلور ويسينغ“ (Taylor Wessing) في شنغهاي: “بالنظر إلى الخطر المحدق اليوم من تدابير مكافحة الدعم أو مكافحة الإغراق، فإن التصنيع الكامل في الاتحاد الأوروبي يقلل على الأرجح من احتمالية التعرض لمثل هذه التدابير”.
موقع في المجر للإنتاج القاري
ستبدأ شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” قريباً الإنتاج في موقعها الأوروبي الثاني، في ديبريسين المجرية، ضمن مشروع بقيمة 7 مليارات يورو (8.2 مليار دولار) سيزود ”بي إم دبليو” ومجموعة ”مرسيدس بنز“ وشركات تصنيع سيارات أخرى.
قال ني جون، كبير مسؤولي التصنيع في “كونتيمبوريري أمبيريكس”، إن المشروع سيتعلم من الدروس المستفادة من ألمانيا، وسيعتمد تصميماً مرناً يسمح بتحديث العمليات وفقاً لمتطلبات العملاء.
كما توجد خطط لاستقدام فنيين من الصين لحل المشاكل مع زيادة الإنتاج، ليصل إلى ما بين 30 و40 غيغاواط/ساعة في المرحلة الأولى، ثم إلى 100 غيغاواط/ساعة أو أكثر في نهاية المطاف.
كما تقيم الشركة مصنعاً آخر في سرقسطة الإسبانية، وهو مشروع مشترك مع شركة ”ستيلانتيس“ (Stellantis)، ما يمنح شركة صناعية أوروبية كبرى حصة مباشرة في نجاح “كونتيمبوريري أمبيريكس”. قال ني: “نسعى جاهدين لضمان تصحيح جميع الأخطاء الجسيمة التي ارتكبناها في موقع الإنتاج السابق”.
التوتر الأميركي الصيني يمس طرح “CATL” الأكبر بالعالم في 2025
بعد فترة وجيزة من قرع جرس بورصة هونغ كونغ احتفالاً بإدراج أسهم شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” في بورصة أخرى، وبعد أن استراح قليلاً، جلس زينغ في قاعة اجتماعات أحد الفنادق وأشعل سيجارة رفيعة. بدا عليه التعب بوضوح، مع هالات سوداء تحت عينيه، لكنه استعاد حيويته وهو يطلع مراسل مجلة “بيزنس ويك” على خططه للمرحلة التالية من نمو “كونتيمبوريري أمبيريكس”.
مع تزايد وضوح حدود نموذج أعمالها الحالي، على الأقل في الصين، يحرص زينغ على التأكيد على أن تطبيقات منتجاتها يمكن أن تكون أوسع بكثير، مع وجود الحوافز التنظيمية المناسبة.
قال بلهجة فوجيان الصينية: “ستستمر ثورة الكهرباء لفترة طويلة، تتجاوز بكثير هدف الحياد الكربوني. يكمن المستقبل الحقيقي والضخم في تقنيات بلا كربون“.
على المدى القريب، يركز زينغ على أهداف أكثر قابلية للتحقيق، مثل محاولة إقناع المترددين من مشتري السيارات الصينيين من خلال تقديم تقنية استبدال البطاريات، حيث تُستبدل البطاريات المستنفدة ببساطة بدلاً من إعادة شحنها.
بينما يتطلب شحن السيارات الكهربائية التقليدي انتظاراً قد يكون محبطاً، يمكن إتمام الاستبدال في نفس الوقت تقريباً الذي يستغرقه ملء خزان الوقود، بشرط أن تكون سيارة السائق متوافقة وأن البنية التحتية اللازمة متوفرة. تسمي شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” حلها اسم “شوكو-سواب” (Choco-Swap)، لأن بطارياتها تشبه قطع الحلوى العملاقة.
قد تجعل هذه التقنية امتلاك السيارات الكهربائية أكثر جاذبية من الناحية المالية. فبدلاً من دفع ثمن البطارية كجزء من التكلفة الأولية للسيارة، سيدفع السائقون رسوم اشتراك شهرية تمكنهم من استخدام أكشاك “تشوكو-سواب”، التي سيتم افتتاح 1000 كشك منها قريباً في مدن صينية مختلفة.
وقد وقعت شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” عقوداً مع كبرى شركات صناعة السيارات المحلية لتصنيع طرازات مخصصة، بما في ذلك ”بي إيه آي سي“ (BAIC) و“شيري أوتوموبيل“ (Chery Automobile) و“إف إيه دبليو“ (FAW)، على الرغم من أن معظم الاهتمام انصب حتى الآن على سيارات الأجرة وخدمات النقل التشاركي.
كما تعاونت الشركة مع عملاق التجارة الإلكترونية ”جيه دي دوت كوم“ (JD.com) وشركة ”جي إيه سي“ (GAC) لتصنيع سيارة كهربائية سيبدأ سعرها من 49,900 يوان (7086 دولار)، بشرط اشتراك العميل في خطة البطارية.
لكن زينغ ليس أول من حاول بناء مثل هذه الشبكة، أو تقديم نموذج اشتراك. فقد بذلت عدة محاولات داخل الصين وخارجها، بنجاح محدود. وقد فكرت “تسلا” لفترة وجيزة بأن تجرب ذلك في الولايات المتحدة. وقد أثبتت لوجستيات ضمان توفر البطاريات باستمرار في محطات التبديل، وارتفاع تكاليف التشغيل، وقلة عدد طرازات السيارات الجاهزة للتبديل، أنها مشاكل رئيسية.
رغم أن شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” قد تكون في وضع أفضل لحل هذه المشاكل من معظم الشركات، إلا أن الخطة ما تزال تنطوي على مخاطر تقنية ومالية كبيرة.
علاوة على ذلك، ونظراً لحجم “كونتيمبوريري أمبيريكس” الهائل، إذ تجاوزت إيراداتها 50 مليار دولار في عام 2024، ليس واضحاً ما إذا كان حتى مشروع تبديل ناجح جداً سيحدث فرقاً مالياً كبيراً.
ينطبق الأمر نفسه على خطوط الأعمال الجديدة الأخرى، على سبيل المثال، مساعدة البلديات على إعادة تصميم البنية التحتية للطاقة، والعمل مع المصنعين لبناء مصانع خالية من الكربون. إحدى الشركات الرائدة في هذا المجال هي شركة ”كويتشو موتاي“ (Kweichow Moutai)، وهي شركة تقطير مشروب شهير لاذع المذاق.
يؤكد زينغ أن هذه المبادرات المتنوعة ستشكل مجتمعة استراتيجية مستدامة مع مرور الوقت. يقول: “لدينا رؤى طموحة، لكن تقدمنا سيكون ثابتاً ومدروساً، وليس قفزةً متهورةً”.
هل هناك بد من توسيع الحصة السوقية خارج الصين؟
مع ذلك، سيبقى النشاط الأساسي لشركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” من دون تغيير في المستقبل المنظور. كما هو حال كثير من منتجات الإلكترونيات الاستهلاكية، تخضع بطاريات السيارات الكهربائية لدورات ازدهار وانكماش. ويتطلب النجاح استثمارات ضخمة في البداية لزيادة الطاقة الإنتاجية لتحقيق وفورات الحجم.
يُفترض أن يأتي العائد تدريجياً مع انخفاض التكاليف الهامشية لكل بطارية منتجة. لكن في نهاية المطاف، يتجاوز العرض الطلب، ما يجبر المصنعين على خفض الأسعار، وقد يدفعهم ذلك إلى حافة الإفلاس. والسبيل الوحيد للخروج من هذه الدوامة، لا سيما بالنسبة لشركة بحجم “كونتيمبوريري أمبيريكس”، هو إيجاد طرق لبيع مزيد من منتجات البطاريات المتنوعة، في أسواق متزايدة الاتساع.
تحظى “كونتيمبوريري أمبيريكس” بدعم الحكومة الصينية، التي تعتبر البطاريات وتصديرها عنصراً أساسياً في استراتيجيتها الاقتصادية. كما أن زينغ عضو في اللجنة الوطنية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب، وهي هيئة شبه برلمانية تابعة للحزب الشيوعي. ويعد هذا الانتماء سلاحاً ذا حدين، لا سيما مع تزايد أهمية التوسع الخارجي.
أميركا تحظر على البنتاغون شراء البطاريات المصنعة في الصين
بينما يمكن القول إنه ساعد زينغ في دفع بكين نحو سياسات داعمة للكهرباء، إلا أنه أثار أيضاً تساؤلات في الخارج حول علاقته بالحزب. ويخشى بعض النقاد الأجانب من أن ما يفيد شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” يفيد الصين أيضاً، وبالتالي يضر بمنافسيها الاستراتيجيين كالولايات المتحدة، وشركاتها الرائدة.
في الأسابيع الأخيرة من ولاية الرئيس جو بايدن، أدرجت إدارته شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” على قائمة سوداء تمنعها من العمل مع البنتاغون ووكالات اتحادية أخرى، معللة ذلك بمخاطر الاختراقات الأمنية. وما تزال الشركة مدرجة على القائمة حتى اليوم.
في غضون ذلك، بدأ الجمهوريون في الكونغرس تحقيقاً في ترخيص شركة “فورد” لتقنية “كونتيمبوريري أمبيريكس”. حاول بعض المسؤولين في الكونغرس ثني ”بنك أوف أميركا“ و“جيه بي مورغان تشيس“ عن ضمان طرح أسهم “فورد” في هونغ كونغ، مشيرين إلى مخاوف غامضة تتعلق بالأمن القومي.
مع ذلك، عمل البنكان على إتمام الصفقة؛ ولم تتراجع “فورد” أيضاً، بل بدأت مشروعاً تجارياً لبيع أنظمة تخزين الطاقة المشتقة من تقنية “كونتيمبوريري أمبيريكس”، وهي بطاريات ثابتة تستخدم في مرافق مثل مراكز البيانات، التي ستصنعها في كنتاكي وميشيغان. تعد هذه الخطوة محاولة لإعادة توظيف طاقة إنتاج البطاريات في ظل انخفاض الطلب الأميركي على السيارات الكهربائية حالياً.
تفاوت في استجابة الشركات الأميركية للضغوط
في الوقت نفسه، تُنشئ “تسلا” خطوط إنتاج بطاريات فوسفات الحديد/الليثيوم في نيفادا باستخدام تقنية “كونتيمبوريري أمبيريكس”.
لكن شركات أميركية أخرى نأت بنفسها عن هذه التقنية. فقد قررت شركة ”ديوك إنرجي“ (Duke Energy)، وهي مزود رئيسي للكهرباء في الجنوب والغرب الأوسط، في عام 2023 التخلص التدريجي من معدات “كونتيمبوريري أمبيريكس” في عمليات تخزين الطاقة لديها.
جاء ذلك بعد ضغوط من مشرعين، من بينهم ماركو روبيو، الذي كان حينها عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا، أعربوا عن قلقهم من أن تهدد هذه التقنية شبكة الكهرباء.
لطالما نفت شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” أن تشكل منتجاتها خطراً أمنياً في الولايات المتحدة أو أي مكان آخر، أو أن تكون لها أي صلة بالجيش الصيني.
“تسلا” تخطط للكشف عن نسخة أرخص من “Model Y” لتعويض غياب الحوافز
كثيراً ما يمزح زينغ قائلاً إن البطاريات منتجات ”غبية“ جداً برغم صعوبة تصنيعها، ولا تستخدم للتجسس أو لأي غرض آخر غير مقصود. لكن إقناع المتشددين في واشنطن بذلك قد يكون مستحيلاً، إذ سيتطلب الأمر من زينغ وزملائه إثبات النفي، في ظل بيئة يسودها الشك تجاه كل ما هو صيني.
نتيجة لذلك، يقول زينغ إنه سعيدٌ بإبقاء أكبر اقتصاد في العالم في مرتبة متأخرة من أولوياته في الوقت الراهن. بينما يدخن سيجارته، يستشهد بمقولة من كتاب “فن الحرب” لسون تزو: “كن منيعاً، ثم انتظر حتى يصبح خصمك منيعاً”.
في الاقتصادات الناشئة التي تمثل نسبة متزايدة من الطلب على السيارات، لا تؤخذ هذه المخاوف الأمنية بعين الاعتبار. في معظم الأحيان، تولي حكومات البرازيل وإندونيسيا وجنوب إفريقيا وغيرها من الدول اهتماماً أكبر بتوفير سيارات بأسعار معقولة مقارنة بانحيازها إلى أحد طرفي النزاع بين الولايات المتحدة والصين.
إندونيسيا مصنع يخفض التكاليف وسوق تزيد المبيعات
تراهن شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” بقوة على إندونيسيا، نظراً لإمكانية وجود طلب طويل الأجل على السيارات الكهربائية من سكانها البالغ عددهم قرابة 300 مليون نسمة، فضلاً عن وفرة مكامن المعادن في أراضيها.
لقد بدأت “كونتيمبوريري أمبيريكس” حديثاً أعمال إنشاء مصنع للبطاريات في غرب جاوة، الذي سيزود بالنيكل ومواد أخرى من مصنع شقيق في جزيرة هالماهيرا.
سينتج المصنعان معاً كميات تفوق بكثير احتياجات السوق الإندونيسية، مما يتيح لهما تزويد فروع “كونتيمبوريري أمبيريكس” الأخرى حول العالم، فضلاً عن شركات تصنيع السيارات العالمية.
قد يتيح الإنتاج في إندونيسيا للشركة تعزيز ميزتها التنافسية في التكلفة مع ارتفاع الأجور في الصين. لكنه قد يرتب عليها أيضاً التزامات، لا سيما عند البيع في أسواق تولي اهتماماً كبيراً للاستدامة، مثل أوروبا.
تشهد مصانع مواد البطاريات في إندونيسيا حوادث مروعة ومميتة بشكل متكرر، كما أن المعايير البيئية في البلاد أدنى بكثير من مثيلاتها في الدول الأكثر تطوراً. تؤكد “كونتيمبوريري أمبيريكس” أن عملياتها ستشكل “مثالاً يحتذى به في التنمية الصناعية الخضراء والدائرية”، وأنها تلتزم بمعايير الاستدامة الصارمة.
مبيعات السيارات الصينية تتراجع في أوروبا بعد طفرة سبتمبر
لكن مع مرور الوقت، قد تقرر شركات صناعة السيارات الأوروبية، وحتى الأميركية، أنه لا مفر من استيراد بطاريات “كونتيمبوريري أمبيريكس” أو الدخول في شراكات معها، خاصة إذا كانت تخطط لتقديم سيارات كهربائية بأسعار تنافسية مع السيارات التقليدية.
وقد أدى إلغاء إدارة دونالد ترمب للحوافز التي أقرها بايدن إلى منافسة شرسة في سوق السيارات الكهربائية الأميركية، حيث لم يعد بإمكان المشترين الاعتماد على الخصومات والحوافز لتغطية التكاليف.
قد تشهد الولايات المتحدة أيضاً فائضاً في البطاريات المنتجة محلياً. إذ تخطط شركتا ”إل جي إنرجي سوليوشن“ (LG Energy Solution) و“إس كيه أون“ (SK On) الكوريتان الجنوبيتان، وهما ثالث وخامس أكبر مصنعتين لبطاريات السيارات على التوالي، لبناء عشرة مصانع في الولايات المتحدة.
يستمر البناء في أحد أبرز المشاريع، وهو مشروع مشترك في جورجيا بين ”إل جي“ و“هيونداي موتور“، على الرغم من تداعيات مداهمة واسعة النطاق للهجرة في الموقع.
بالمثل، استثمرت شركات يابانية مثل “تويوتا” و“باناسونيك“ مليارات الدولارات في منشآت أميركية قد تواجه مشاكل فائض في الطاقة الإنتاجية حتى قبل بدء الإنتاج؛ فقد بدأ أحد مصانع “تويوتا”، في ولاية كارولينا الشمالية، بالتحول نحو إنتاج بطاريات السيارات الهجينة بعد أيام فقط من افتتاحه.
في أغسطس، فاجأت شركة ”جنرال موتورز“ قطاع صناعة السيارات بإعلانها عن خطط لشراء بطاريات صينية الصنع من شركة “كونتيمبوريري أمبيريكس” لسياراتها الكهربائية الأقل سعراً، التي تبيعها في الولايات المتحدة.
قالت ”جنرال موتورز“ إن انتهاء صلاحية الإعفاء الضريبي الاتحادي البالغ 7500 دولار، الذي كان مخصصاً فقط للسيارات ذات البطاريات غير الصينية، جعل الاعتماد على الواردات مجدياً اقتصادياً، على الرغم من خضوعها للرسوم الجمركية.
لقد أثارت هذه الخطوة قلق المنافسين، الذين يقول بعضهم إنهم قد يضطرون إلى فعل الشيء نفسه للحفاظ على قدرتهم التنافسية. إذا حدث ذلك، فقد تتداعى حصون السوق الأميركية فتصبح قابلة لأن تغزوه “كونتيمبوريري أمبيريكس”.



