اخر الاخبار

“موسم الرياض” بوصلة مساهمة صناعة الترفيه في تنويع اقتصاد السعودية

عند إطلاقه عام 2019، لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يتحول “موسم الرياض” إلى فعالية مليونية، لكن نسخته الخامسة تفوقت على مستهدفها بتسجيلها 19 مليون زائر حتى نهاية شهر يناير، إنما الأهم من ذلك أن “الموسم” قدّم نموذجاً لمساهمة صناعة الترفيه في تنويع اقتصاد المملكة، وللتكامل بين القطاعات غير النفطية السعودية.

ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، يحين موعد إسدال الستارة عن موسم الرياض هذا العام، مع ترجيحاتٍ بأن يناهز عدد الزوار 21 مليوناً، استناداً إلى المتوسط الشهري منذ انطلاق الفعالية في أكتوبر، أي أكثر من نصف العدد المرتقب تسجيله في معرض “إكسبو الرياض 2030″، وفق تقديرات “بنك الراجحي”.

يشكّل الترفيه، إلى جانب السياحة والرياضة والثقافة، القطاعات الأربعة التي تُعوّل السعودية على تعزيز حضورها في الاقتصاد لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، بالشراكة مع القطاع الخاص. وتستهدف “رؤية المملكة 2030″، التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2016، أن تصل نسبة مساهمة صناعة الترفيه في الناتج المحلّي الإجمالي إلى 4.2% بحلول 2030. 

دعم الإنفاق الاستهلاكي 

فرض الإقبال المتزايد خلال المواسم الماضية، إضافة 40% إلى الطاقة الاستيعابية لموسم الرياض 2024، وتمديد فعاليته من 3 إلى 6 أشهر، كما كشف رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه تركي آل الشيخ بمقابلة سابقة مع “الشرق”، بحيث أصبح يضم 14 منطقة ترفيهية بمساحة 7.2 مليون متر مربع، تستضيف 11 حدثاً عالمياً.  

لكن أبعاد “موسم الرياض” تخطت أرقامه الخاصة، إلى مساهمته بباقي الأنشطة والقطاعات، وبالتالي في التنويع الاقتصادي للمملكة، ويتجلّى ذلك أولاً من خلال طبيعة الفعاليات التي يتضمنها، وفي مقدمتها البطولات الرياضية العالمية، التي استقطبت المشاهدين من خارج المملكة، بما انعكس حكماً على أرقام السياحة الخارجية، وملاءة الفنادق، والإنفاق على الضيافة. 

أظهرت بيانات صادرة عن البنك المركزي السعودي أن مبيعات الفنادق ارتفعت بنسبة 19% خلال الربع الرابع 2024، أي الأشهر الثلاثة الأولى من “موسم الرياض”، مقارنةً بالربع السابق، لتبلغ 4.3 مليار ريال. في حين شهد الإنفاق على المطاعم والمقاهي في مناطق فعاليات “موسم الرياض” نمواً بنسبة 60%، على أساس سنوي، ليصل إلى 25 مليار ريال، بما يمثل أكثر من 40% من إجمالي الإنفاق بالعاصمة الرياض خلال تلك الفترة. 

اقرأ أيضاً: “هيئة الترفيه”: 95% من الشركات المنفذة لعقود موسم الرياض سعودية

ينوّه مأمون حميدان، الرئيس التنفيذي للأعمال في شركة “ويجو” (wego) بأن “قطاع الضيافة في الرياض شهد انتعاشاً غير مسبوق بفضل موسم الرياض، حيث ارتفعت نسب الإشغال الفندقي بشكل ملحوظ، خاصة في الفنادق الفاخرة والمتوسطة. كما أسهم الموسم في زيادة الطلب على المطاعم والمقاهي، مما عزز من إيرادات القطاع وساهم باستقطاب المزيد من العلامات التجارية العالمية والإقليمية والمحلية”. 

كما يشجع موسم الرياض المستثمرين على التوسع في مشاريعهم الفندقية والمطاعم، نظراً للطلب المتزايد خلال الموسم، ويعزز ثقة الشركات العالمية في السوق السعودية، بحسب حميدان؛ “بما يؤدي لاستقطاب علامات فندقية ومطاعم عالمية جديدة، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسياح”.

الرياضة حاضرة بقوة 

تنوعت الفعاليات الرياضية هذا الموسم لتشمل مباراة السوبر الأفريقي بين الأهلي والزمالك المصريين، والتي حضرها أكثر من 25 ألف متفرج. و3 مباريات ملاكمة لتوحيد الألقاب، أولها في وزن خفيف الثقيل، ومن ثم ثقيل المتوسط، وأيضاً اللقب العالمي الموحد للوزن الثقيل. بالإضافة إلى بطولة العالم للفنون القتالية المختلطة 2025 (UFC). وبطولة “كراون غول” للمصارعة وجائزتها 50 قيراطاً من الألماس، وبطولة أساطير التنس التي توّج بها الإيطالي جانيك سينر ونال الجائزة الأكبر في تاريخ اللعبة بقيمة 6 ملايين دولار، بما يؤشر إلى الإغراءات المالية التي يقدمها الموسم لاستقطاب النجوم ومشجعيهم من حول العالم. 

هذا الإنفاق السخي على الجوائز والفعاليات يستدعي تحقيق إيرادات مجزية. بهذا السياق، أفصح تركي آل الشيخ في مقابلته مع “الشرق” قبل انطلاق “موسم الرياض” أن نسخة هذا العام حققت  70% من العائدات المستهدفة قبل انطلاقها بأكثر من شهر. 

ولم يقتصر دور “موسم الرياض” على تنظيم الفعاليات الكبرى الخاصة به، حيث استضافت منشآته في منطقة “بوليفارد سيتي” تنظيم الاتحاد السعودي للأمن السيبراني لمنافسات كأس العالم لسباق الدرونز، وتنظيم مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية للنسخة الأولى من كأس العالم للرياضات الإلكترونية بمشاركة 1500 لاعب معظمهم دوليون، وبلغ عدد التذاكر المباعة أكثر من 175 ألفاً، والزوار ما يفوق المليونين وعدد ساعات المشاهدة للبطولة عبر كافة المنصات أكثر من 250 مليون ساعة، بما يلقي الضوء على التأثير المباشر، والانعكاس الترويجي والإعلامي غير المباشر للموسم. 

السياحة أول المستفيدين 

لعل أحد أكثر القطاعات تأثراً بفعاليات “موسم الرياض” هي السياحة، وينوّه الشريك ورئيس قسم الأبحاث في الشرق الأوسط “نايت فرانك” مصطفى الدوارني لـ”الشرق” بأن الموسم “أحدث تحولاً كبيراً بقطاع الضيافة في الرياض، حيث ساهم بشكل مباشر بوضع المدينة على خريطة السياحة والترفيه الإقليمية وحتى الدولية”، واصفاً “موسم الرياض” بـ”أحد أكثر المبادرات السياحية تأثيراً ضمن إطار رؤية 2030″. 

هذا الأمر انعكس على أرض الواقع، من خلال “تحقيق فنادق الخمس نجوم في الرياض معدلات إشغال بلغت 97%، بينما تجاوز إشغال مجمل الفنادق والشقق الفندقية معدل 90%، بما يمثل زيادة بنحو 40% خلال أشهر موسم الرياض عمّا قبل إطلاقه”، وفق الدوراني. 

وأشار إلى تأثير إضافي، يتمثل في تخفيف العجز السياحي السعودي، من خلال مساهمة الموسم بتعزيز السفر الداخلي في المملكة، وهو ما برز خلال العطلة المدرسية الأخيرة”، التي عادةً ما يسافر فيها السعوديون إلى الخارج. “حيث شهدنا نمواً بمعدل 107%، على أساس سنوي، في حجوزات السفر الداخلية والدولية، بموازاة قفزة بواقع 240% في الطلب على الإيجارات قصيرة الأجل، مثل Airbnb”. 

الباحث في “نايت فرانك” أفاد أن ثلث زوار “موسم الرياض” من خارج المملكة هذا العام من الخليج، و20% من آسيا، و15% من أوروبا، و10% من أميركا الشمالية. 

بدوره، يشير حميدان، من “ويجو” المتخصصة بحجوزات السفر والفنادق، إلى “الاهتمام الواسع بفعاليات موسم الرياض من أسواق الخليج، خاصةً الإمارات والكويت والبحرين، بالإضافة إلى تفاعل قوي من الأسواق العربية مثل مصر والأردن. كما بدأنا نلحظ اهتماماً متزايداً من السياح الأوروبيين والآسيويين، ما يعكس نجاح حملات الترويج الدولية للموسم”.

شروط الاستدامة 

أطلقت دول المنطقة العديد من الفعاليات الترفيهية والترويجية التي شهدت زخماً في مواسمها الأولى، لكنها ما لبثت أن خبا بريقها. حول الخطوات الواجب اتخاذها لتأمين استمرارية “موسم الرياض”، لفت الدوراني إلى 4 متطلبات أساسية، تتمثل بزيادة عدد الغرف الفندقية في المنطقة المحيطة بنحو 8 آلاف غرفة على الأقل، وتوسيع شبكة النقل العام بما في ذلك خطوط المترو، والعمل على تنويع الأسواق لناحية الزوار المستهدف جذبهم، بالإضافة إلى تطوير منتجات سياحية ورياضية جديدة وربطها بالموسم، كسياحة المغامرات والسياحة البيئية والصحية، والرياضات الإلكترونية.   

كما يلعب دوراً بترسيخ الموسم في أذهان الروّاد، والمستثمرين أيضاً، إنشاء المناطق الدائمة مثل “بوليفارد سيتي” التي تحتوي على المقاهي والمطاعم ومتاجر العلامات التجارية المحلية والعالمية ومراكز الألعاب والمسارح والمعارض الفنية والثقافية. إلى جانب “بوليفارد وورلد” الذي يمكّن الزوار من التعرف على حضارات العالم. ويشكّل نشاط مثل هذه المناطق على مدار العام بوصلة محورية للمستثمرين لإقامة مشاريع مكمّلة حولها أو قريبة منها، سواء فندقية أو خدمية أو لوجستية.

لضمان استدامة “موسم الرياض”، يرى حميدان أنه “من الضروري تطوير البنية التحتية السياحية بشكل مستمر، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وإطلاق فعاليات موسمية على مدار العام للحفاظ على زخم السياحة. كما يمكن التركيز على استقطاب المزيد من الفعاليات العالمية، والاستثمار في المواهب المحلية لضمان تجربة سياحية متميزة ومستدامة”.

ينبّه تقرير لـ”Crowd Analyzer” إلى أن موسم الرياض يجب أن يستمر بالتركيز على قوته، المتمثلة بتقديم تجارب ترفيهية لشريحة واسعة من سكان المملكة، بما في ذلك العائلات والشباب. غير أنه من الضروري أيضاً ابتكار أفكار وفعاليات جديدة وغير تقليدية لجذب المزيد من الاهتمام، وترك انطباع أقوى، لاسيما على منصات التواصل الاجتماعي، التي شهدت تراجعاً في عدد التفاعلات ما بين الموسمين الماضي والحالي، وفق التقرير.  

ويدعم إمكانية تحقيق الاستدامة للموسم، التقديرات بأن الإنفاق الاستهلاكي على الترفيه في المملكة سيبلغ 36 مليار دولار. وبالتالي فإن الطلب موجود، ويستوجب تقديم المعروض المناسب. 

ساهم في هذا التقرير: رهام الشايب [email protected]
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *