اخر الاخبار

ما هي المنفعة التي تجلبها رسوم ترمب الجمركية؟

تنوعت مبررات فرض الرسوم الجمركية التي قدمها دونالد ترمب وذلك إما بما يتفق مع من يخاطبهم أو مع معطيات لحظة الخطاب. أما عندما يرغب بتقديم حجج اقتصادية داعمة لفرض الرسوم، عادةً ما يتذرع بأن الشركاء التجاريين يستغلّون الأميركيين.

يعتقد ترمب بأنه ينبغي أن ترجع إلى الوطن مصانع بقدر التي غادرته، وأن الرسوم الجمركية ستؤدي هذا الغرض، وهو يميل لعدم الالتفات كثيراً إلى ما سيقع من أضرار فيما يمضي هذا المسعى قدماً، وقد أطلق على يوم الأربعاء مسمى “يوم التحرير” تعظيماً لهجماته الحمائية. لكن النظام العالمي الذي يعتبره سجناً كان على العكس من ذلك تماماً.

الدولار يخسر مكاسب فوز ترمب بسبب الرسوم الجمركية

نادراً ما يُذكر أن الشركات الأميركية كانت على مر عقود تستند إلى تصنيع منتجاتها في الخارج لكي تستمر. وقد جلبت هذه الممارسة فوائد للاقتصاد المحلي وساعدت في الحد من التضخم، ناهيك عن أنها عظمت من سطوة واشنطن.

مكاسب فاقت الأضرار

كما ازدهر شركاء الولايات المتحدة، ومع ارتفاع مستويات معيشتهم، اشتروا بدورهم سلعاً وخدمات من شركات تعمل على أرض الولايات المتحدة. سيكون استسهالاً موصوماً بالمبالغة القول بأن الكل كان رابحاً من هذه الحال؛ فقد اشتكت النقابات من تعهيد الأعمال إلى خارج البلاد، ولم تكن الثروة موزعة دائماً بالتساوي في الدول المضيفة. مع ذلك، كانت هناك دائرة من المصالح الذاتية. وقد نجحت هذه الاستراتيجية لفترة طويلة، وما تزال قادرة على النجاح، إن التفت فريق ترمب للإيجابيات المتراكمة وليس فقط للسلبيات.

شركة أميركية تقاضي ترمب بسبب رسومه “غير الدستورية”

الواضح هو أن الشركات سعت إلى التصنيع في وجهات بعيدة كاستراتيجية مدروسة. تعود جذور هذه المقاربة إلى الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية وشهدت هيمنة الولايات المتحدة صناعياً، لكنها شهدت تطوراً هائلاً في التسعينيات.

كثيراً ما كان هذا يعني أنه يفضل أن تكون هنالك منفعة للمناطق المستضيفة كي تُعقد الصفقات الكبرى. كانت الطريقة التقليدية هي تصنيع المكونات في الولاية القضائية التي تسعى إلى العمل منها. وساعد هذا على توفير فرص عمل محلية وقدم شيئاً من حوافز تقنية كانت حكومات الدول المستضيفة تسعى إليها.

إذاً، إن كان هناك من يتعرض لاستغلال، فمن هو؟ إن كانت هناك منافع تُجنى فقد كان هنالك ما يكفي الجميع. اتسع العجز التجاري الأمريكي مع جنوب شرق آسيا على مر السنين، لكن الفرص كانت وفيرة أيضاً.

المشهد من جانبيه

تبدّت لي ملامح النموذج في ماليزيا، حيث كنت صحفياً لدى بلومبرغ نيوز في منتصف وأواخر التسعينيات. قبل أن تُعرقل أزمة مالية كثيراً من الخطط، كانت آسيا أشبه بمنجم ذهب في نظر مُصنعي الطائرات. وكان التنافس على أشده بين شركتي ”بوينغ“ و“إيرباص“.

فازت ”بوينغ“ في 1996 بعقد ضخم مع الخطوط الجوية الماليزية لتبيعها طائرات من طرازي (777) و(400-747) منتصرةً على منافستها الأوروبية. أتذكر تاج الدين رملي، قطب الأعمال الماليزي الذي كان يرأس الخطوط الجوية الماليزية، وهو يُشيد برئيس “بوينغ” التنفيذي آنذاك فيل كونديت ويصفه بأنه صديقه الحميم.

أثرى الأغنياء يخسرون 208 مليارات دولار في يوم بسبب رسوم ترمب

 كان تصنيع المكونات محلياً أكثر ما يثير الاهتمام. انضمت شركة صناعة الطائرات، ومقرها أرلينغتون بولاية فرجينيا، إلى شركات محلية لتصنيع قطع الطائرات، مثل مكونات الأجنحة. ولم يغب عن الأنظار أن المشروع سيُقيم منشأة في ولاية كيدا الشمالية، وهي موطن كل من رئيس الوزاء حينذاك مهاتير محمد وتاج الدين رملي.

تُقدم ولاية بينانغ الماليزية المجاورة مثالاً على كيفية ترسيخ نسخة أقدم قليلاً من هذا النهج. في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كان مصنعو شرائح الكمبيوتر الأميركيون يبحثون عن أماكن للاستثمار، ليست أرخص فحسب، بل تتضاءل فيها احتمالات الضغوط من نقابات العمال.

كان جذب الشركات بالنسبة لدول مثل ماليزيا وسنغافورة المجاورة يوفر أيضاً فرصةً مغريةً للتنمية الصناعية. فيما كان فيه الخبراء الدبلوماسيون في مراكز الأبحاث العريقة يندبون فقدان النفوذ الذي صاحب الانسحاب من فيتنام، حافظت شركات أشباه الموصلات على أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة.

حفاظ على التحالفات

كتب كريس ميلر في كتابه “حرب الرقائق: الصراع على التقنية الأهم عالمياً” (Chip War: The Fight for the World’s Most Critical Technology): “بدل أن تسقط بيد الشيوعية كما لو كانت أحجار دومينو مصفوفة، ازداد عمق تكامل حليفات أميركا معها”.

كان جذب رأس المال الأجنبي هدفاً اقتصادياً أساسياً لدى مسؤولين في سنغافوة. كان فيليب يو، الرئيس السابق لمجلس التنمية الاقتصادية، يعتبر أن هذه المهمة لا تقتصر على كثير من السفر والسعي في كواليس الشركات العملاقة. لقد اعتبر أن من ضمن مهامه أن يتولى المساعدة الشخصية.

رسوم ترمب تمحو 2.5 تريليون دولار من سوق الأسهم الأميركية

كان من شأن سنغافورة أن توفر بنية تحتية وقوة عمل متعلمة وحوافز ضريبية. وكانت الفوائد التي تعود عليها حقيقية ومن ذلك وظائف وأموال تُنفق في الاقتصاد المحلي وسوق عقارات مزدهرة ودخل.

حينذاك ضغط يو على مدير المدرسة الأميركية في سنغافورة لقبول ابن المسؤول التنفيذي لدى شركة ”ويسترن ديجيتال“ الذي انتدبته ليدير عملياتها المحلية. وكان أبناء المسؤول الأول في شركة ”ليفي شتراوس أند كو“ مصدومين لأن كلب العائلة أُدخل إلى الحجر الصحي، فأخذ يو على عاتقه إيجاد حل. في مقابلة ضمن سيرته الذاتية بعنوان “لا مدني ولا موظف” للكاتب بيه شينغ هوي، قال: “حتى الكلب أصبح مشكلتي. كنا بحاجة إلى الاستثمار، لذا لا بأس. سأفعل أي شيء لإتمام الصفقة”.

هل كان الأميركيون يُستغلون، كما يُصرّ ترمب؟ هذا غير صحيح. هل كان من الأفضل لو انتصرت ”إيرباص“ على حساب ”بوينغ“، أم أن المساهمين كانوا سيفضلون مواقع أقل ملاءمة من سنغافورة، الدولة التي تتمتع بعلاقات اقتصادية واستراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة؟ بالطبع لا. هذه مجرد أمثلة قليلة على كيف جلبت لُحمة التجارة ورأس المال، على الرغم من عيوبها، مزايا ملموسة.

إذا أطلق ترمب ردود فعل تُضعف فعالية هذا النموذج، سيكون هناك كثير من الخاسرين. وأشك أن يخرج من هذا من من يحق له أن يصف نفسه بالمنتصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *