لماذا تعتبر الصين أن رئيسة وزراء اليابان تجاوزت خطاً أحمر؟

أثارت رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ساناي تاكايشي عاصفة دبلوماسية مع الصين في نوفمبر عندما تكهنت بإمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد تايوان.
بدا أن تاكايشي كانت ترسم ملامح طوارئ أمنية افتراضية في معرض ردها على أسئلة النواب في البرلمان. واعتبرت بكين هذه التعليقات تجاوزاً لخط أحمر، وردت بإجراءات انتقامية اقتصادية ودبلوماسية.
قاومت تاكايشي منذ ذلك الحين الضغوط الصينية للتراجع عن تصريحاتها، مؤكدةً تكراراً أن موقف طوكيو من أي حالة طوارئ أمنية لم يتغير. ويترك رفضها التراجع الجانبين في حالة جمود متوترة تجذب انتباهاً وثيقاً من قادة العالم. وقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع تاكايشي والرئيس الصيني شي جين بينغ في سعيه للحفاظ على هدنة تجارية هشة مع بكين.
الصين واليابان تتبادلان التجارة والتوترات السياسية.. لمن الغلبة؟
ماذا قالت تاكايشي فعلياً عن تايوان؟
قبل أن تصبح رئيسة للوزراء، كانت تاكايشي معروفة برغبتها في سياسة دفاعية أقوى وعلاقاتها الوثيقة مع المشرعين في تايوان. وهذا جعل آراءها بشأن الجزيرة خطاً واضحاً لاستجواب الساسة المعارضين في البرلمان الذين يبحثون عن أي مؤشر على تحول في السياسة – أو زلة لسان.
في 7 نوفمبر، سأل وزير الخارجية السابق كاتسويا أوكادا تاكايشي تكراراً عن تايوان وما نوع الأزمة التي يمكن اعتبارها “وضعاً يهدد البقاء” لليابان بموجب قوانينها الأمنية.
بعد أن استعرضت تاكايشي الطرق المختلفة التي قد تحاول بها الصين السيطرة على تايوان، قالت: “إذا استخدموا السفن الحربية وكان ذلك مصحوباً باستخدام القوة، فبغض النظر عن الطريقة التي تفكر بها في الأمر، فقد يكون ذلك “وضعاً يهدد البقاء”. ستحكم الحكومة على كيفية الرد بناءً على جميع المعلومات حول الوضع الفعلي في حالات فردية محددة”.
ما أهمية “الوضع الذي يهدد البقاء”؟
بعد استسلامها في الحرب العالمية الثانية، حلّت اليابان جيشها واعتمدت دستوراً سلمياً نبذ استخدام القوة كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية. وبينما احتفظت الدولة بقوات الدفاع عن النفس، لا يسمح باستخدام القوة إلا إذا تعرضت اليابان نفسها لهجوم مسلح.
في عام 2015، وسع تشريع أمني جديد هذا المبدأ. تسمح القوانين لليابان باستخدام القوة في سيناريو إضافي واحد: دعم دولة أجنبية “لها علاقة وثيقة باليابان” عندما تكون هذه المساعدة ضرورية للحفاظ على استقلال اليابان ورفاهية شعبها.
لا يُسمّي القانون دولةً معينة، لكن الافتراض هو أنه يُشير إلى الولايات المتحدة، الحليف العسكري الرسمي الوحيد لليابان. السيناريوهات الأرجح التي يمكن فيها الاستعانة بسياسة “الدفاع الذاتي الجماعي” هذه هي تجدد الأعمال العدائية في شبه الجزيرة الكورية أو صراع مسلح حول تايوان.
لماذا تمثل تايوان “وضعاً يهدد بقاء” اليابان؟
شبه مؤكد أن أي صراع تنخرط فيه تايوان سيمتد إلى اليابان على أساس الجغرافيا وحدها. تقع أقرب الجزر اليابانية على بُعد حوالي 110 كيلومترات من تايوان. كما يعيش مئات الآلاف من المواطنين اليابانيين في تايوان أو يسافرون إليها بشكل متكرر.
بالإضافة إلى ذلك، قد تنخرط عشرات الآلاف من القوات الأميركية المتمركزة في اليابان في أي صراع في مضيق تايوان، وستصبح حينها هدفاً للهجمات، ما يزيد من خطر جرّ اليابان إلى القتال.
مرجح أيضاً أن يُلحق أي صراع من هذا القبيل الضرر بالاقتصاد الياباني، إذ تعتمد اليابان بشكل كبير على طرق التجارة البحرية التي قد تتعطل في حالة القتال في المياه القريبة من تايوان.
لماذا أثارت تعليقات تاكايشي حفيظة الصين؟
تعتبر الصين تايوان – وهي ديمقراطية تتمتع بالحكم الذاتي – أرضاً فقدتها ويجب توحيدها مع البر الرئيسي. ويُنظر في بكين إلى أي شيء يقوله المسؤولون الأجانب عن الدفاع عن تايوان على أنه تدخل في الشؤون الداخلية للصين.
الصين تتهم تاكايشي بإحياء “الشياطين العسكرية” في اليابان
في نظر بكين، إن تصريحات الدعم لتايوان الصادرة عن الولايات المتحدة أو اليابان أو غيرها في مواجهة مزاعم الصين تشجع ما تسميه “الانفصاليين” في تايبيه. وأي دعم يمتد أيضاً إلى التدخل العسكري المحتمل من اليابان، إلى جانب الولايات المتحدة أو غيرها، من شأنه أيضاً أن يجعل أي محاولة صينية للاستيلاء على تايوان أكثر تعقيداً وتكلفة.
ما هو تاريخ سيادة تايوان؟
لقد تنافست عدة إمبراطوريات، منها الهولندية والإسبانية، للسيطرة على تايوان على مر القرون. استسلمت سلالة تشينغ الصينية لليابان في عام 1895 بعد هزيمتها في الحرب الصينية اليابانية الأولى. وظلت تايوان مستعمرة يابانية حتى عام 1945، عندما خسرت اليابان الحرب العالمية الثانية.
ثم سيطرت جمهورية الصين، بقيادة تشيانغ كاي شيك، على الجزيرة. لكن في عام 1949، بعد هزيمتها أمام الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ في الحرب الأهلية الصينية، تراجعت حكومة تشيانغ إلى تايوان. طالبت جمهورية الصين الشعبية حديثة النشأة آنذاك بكامل أراضي جمهورية الصين، بينما استمرت الولايات المتحدة وعدة دول أخرى لعقود في الاعتراف بجمهورية الصين باعتبارها الحكومة الوحيدة للصين.
أشارت الإدارة الحالية لتايوان إلى أنها ستصمد في وجه التحديات التي تفرضها الصين. وقد مارست حكومة بكين ضغوطاً غير مسبوقة على تايوان في السنوات الأخيرة، إذ أجرت تدريبات عسكرية واسعة حول الجزيرة وكثفت التوغلات العسكرية عبر الخط الأوسط لمضيق تايوان، وهو الحدود الفعلية بين الجانبين.
لماذا تعتبر تايوان مهمة جداً؟
برغم أن الحزب الشيوعي الصيني لم يحكم تايوان أبداً، إلا أنه يرى أن السيطرة على الجزيرة ضرورية لتحقيق هدفه المتمثل في عكس “قرن من إذلال” القوى الاستعمارية. ومع ازدياد قوة الصين، أصبحت أكثر قدرة على تأكيد مطالباتها بالسيادة من بحر الصين الجنوبي إلى هضبة الهيمالايا وهونغ كونغ.
بالنسبة للولايات المتحدة واليابان، تعد تايوان معقلاً حيوياً في سلسلة من الأرخبيلات التي تعتمد عليها للسيطرة على الوصول البحري وحماية طرق التجارة.
ازدهرت تايوان تحت الحماية الأميركية لتصبح مورداً أساسياً لأشباه الموصلات وغيرها من السلع عالية التقنية. اليوم، تُعد الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها 23.5 مليون نسمة أيضاً من بين أكثر الديمقراطيات حيوية في آسيا، وهو رد على حجج الحزب الشيوعي بأن الهياكل السياسية الغربية غير متوافقة مع الثقافة الصينية.ما هو مطلب الصين في تايوان؟
لدعم مطلبها بتايوان، تستشهد حكومة بكين كثيراً بإعلانين صدرا في زمن الحرب عن قادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجمهورية الصين.
- إعلان القاهرة لعام 1943:
“يجب تجريد اليابان من جميع الجزر في المحيط الهادئ التي استولت عليها أو احتلتها منذ بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، ويجب إعادة جميع الأراضي التي سرقتها اليابان من الصينيين، مثل منشوريا وفورموزا [تايوان] وجزر بيسكادوريس، إلى جمهورية الصين”.
- إعلان بوتسدام لعام 1945:
“تُنفذ شروط إعلان القاهرة، وتقتصر السيادة اليابانية على جزر هونشو وهوكايدو وكيوشو وشيكوكو والجزر الصغيرة التي نحددها”.
في عام 1945، وقّعت اليابان على وثيقة الاستسلام – وهي وثيقة ملزمة قانوناً – تقبل بموجبها شروط إعلان بوتسدام. وتجادل بكين بأن هذا يعني أن تايوان ستُعاد إلى الصين – وأن جمهورية الصين الشعبية، بصفتها الحكومة الخليفة، ترث هذا الادعاء.
ما هي الحجج المعارضة لرأي الصين؟
اليابان والولايات المتحدة وتايوان من بين الدول التي تعارض حجة الصين.
أولاً، يشيرون إلى أن إعلان القاهرة وإعلان بوتسدام كانا بيانين سياسيين في زمن الحرب، وليسا معاهدتين ملزمتين قانوناً. تقول تايوان إنها “لم تمنح السيادة على تايوان للصين بموجب أي إطار قانوني دولي معترف به”. كما لم تكن اليابان طرفاً في أي من الوثيقتين.
كاريشما فاسواني: الصين تستغل جزر المحيط الهادئ للتضييق على تايوان
كما يستشهدون باتفاقية دولية ملزمة قانوناً، وهي معاهدة سان فرانسيسكو للسلام، التي تحكم الترتيبات الإقليمية لليابان بعد الحرب وقعتها في عام 1951 اليابان وما يقرب من 50 دولة من دول الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة وأستراليا وكندا. تنص المعاهدة على أن اليابان “تتخلى عن جميع الحقوق والملكية والمطالبة” بتايوان، لكنها لا تحدد لمن.
ترفض بكين معاهدة سان فرانسيسكو باعتبارها “غير قانونية وغير صالحة” لأن جمهورية الصين الشعبية أو جمهورية الصين لم تُدعَ للتوقيع عليها. مع ذلك، ما تزال المعاهدة معترف بها دولياً وهذه التفسيرات المتضاربة هي جزء من سبب بقاء سيادة تايوان محل نزاع.
ما العلاقات التي تربط اليابان والولايات المتحدة مع تايوان منذئذ؟
حتى سبعينيات القرن العشرين، اعترفت كل من اليابان والولايات المتحدة بجمهورية الصين في تايوان كحكومة للصين بأكملها. لكن مع استعادة هذه الدول علاقاتها مع بكين، اعتمدت تسويات دقيقة الصياغة اعترفت بمطالبة الصين بتايوان دون اختيار أي طرف فعلياً.
أرست الولايات المتحدة سابقةً في بيان شنغهاي في فبراير 1972، بعد زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون للصين آنذاك:
“تقر الولايات المتحدة بأن جميع الصينيين على جانبي مضيق تايوان يؤكدون على وجود صين واحدة فقط وأن تايوان جزء من الصين. ولا تتحدى حكومة الولايات المتحدة هذا الموقف. وتؤكد مجدداً اهتمامها بتسوية سلمية لقضية تايوان من الصينيين أنفسهم”.
أصبح الغموض الأميركي اللاحق حول ما إذا كانت ستدافع عن تايوان في أي صراع مع الصين صيغة رئيسية للحفاظ على العلاقات مع كلا الجانبين.
خلاف تايوان يشتعل.. الصين تحذر مواطنيها من السفر إلى اليابان
بما يشبه ذلك، كجزء من تطبيع علاقاتها مع بكين، وافقت طوكيو في سبتمبر 1972 على ما يلي: “تؤكد حكومة جمهورية الصين الشعبية أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية. وتتفهم حكومة اليابان تماماً وتحترم هذا الموقف لحكومة جمهورية الصين الشعبية، وتتمسك بشدة بموقفها بموجب المادة 8 من إعلان بوتسدام”.
الأهم من ذلك، أن اليابان لم تؤيد الادعاء بأن تايوان جزء من جمهورية الصين الشعبية. فقد كان هذا هو جوهر سياسة طوكيو لأكثر من 50 عاماً.
على مرّ عقود، تحملت بكين هذا الغموض حيث حصلت على اعتراف رسمي من دول حول العالم. لكن هذا التسامح يتضاءل. كثفت بكين جهودها لاستبعاد تايوان من الأحداث الدولية ومعاقبة أي اتصال بمسؤوليها.
ماذا فعلت الصين لتعزيز مطالبتها بتايوان؟
في وقت سابق من هذا العام، ادعت الصين أن قرار الأمم المتحدة الذي جعل حكومة جمهورية الصين الشعبية الممثل الوحيد للصين في الأمم المتحدة “يؤكد” أن تايوان جزء من جمهورية الصين الشعبية. وهذا استنتاج ترفضه حكومة تايوان وبعض العلماء باعتباره “مضللاً”، بحجة أن البند لم يتناول سيادة تايوان.
في الآونة الأخيرة، اتخذت الصين خطوة أخرى إلى الأمام لربط مطالباتها بتايوان بالنظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية، مصورة نفسها على أنها ركيزة أساسية لهذا النظام.
في مكالمة هاتفية مع ترمب في نوفمبر، تحدث شي عن الحاجة إلى حماية انتصار الحرب العالمية الثانية بعد القتال مع الولايات المتحدة. وقال شي: “إن عودة تايوان إلى الصين جزء لا يتجزأ من النظام الدولي لما بعد الحرب”. تسعى بكين أيضاً إلى تجنيد حلفاء في معركتها مع طوكيو، حيث أخبر وزير الخارجية وانغ يي نظيره الفرنسي هذا الأسبوع أن الدولتين يجب أن “تدعما بعضهما البعض بقوة في القضايا التي تتعلق بالمصالح الأساسية لكل منهما”.
ما الذي قد تفعله اليابان بعد ذلك؟
راهناً، يُرجح أن تتمسك طوكيو بموقفها، ويمكنها التعامل مع الضربة الاقتصادية الناجمة عن بقاء بعض السياح الصينيين بعيداً. ستحاول خلف الكواليس تهدئة العلاقات بأفضل ما في وسعها. لكن إذا زادت بكين الضغط على تاكايشي لسحب تعليقاتها، فإن التكتيكات الأكثر شدةً مثل القيود المفروضة على إمدادات المعادن النادرة يمكن أن تعمق التوترات بشكل كبير وتجذب الولايات المتحدة بشكل أوضح إلى النزاع.



