اخر الاخبار

لماذا تتقدم الصين عمرانياً وصناعياً فيما الغرب يبدو مقيداً؟

لطالما ظهر وجود خلل ما في قدرة المملكة المتحدة على البناء. فأوراق مخططات مبنى سكني متواضع الحجم في لندن قد تتجاوز ألف صفحة، بعدما كانت تتسع في قبضة اليد قبل بضعة عقود. أما وثائق مشروع معبر نهر التايمز السفلي، وهو مشروع طريق ونفق قيد الدراسة منذ مطلع الألفية، فتتجاوز 350 ألف صفحة. وتضاءل طول خط سكة حديد (HS2) فائق السرعة المزمع إنشاؤه، ومع ذلك، ما تزال تكلفته ترتفع إلى أضعاف سعره الأصلي. وهكذا دواليك.

لقد أدركتُ هذا الواقع عندما تجولتُ في موقع محطة (HS2) الشاسعة والمتهالكة في يوستون بلندن قبل عامين. كان ملفتاً ومحبطاً في آن معاً أن نُدمر مساحةً شاسعةً كهذه من وسط لندن، ونعطل الأعمال ونجبر السكان على العيش بجوار مشهد شنيع، ثم نتركها مهملةً إلى أجلٍ غير مسمى، إلى درجة أن بعض المتشككين لا يعتقدون بأن الخط سيبلغ يوستون.

يبدو أن المملكة المتحدة لا تستطيع كسر طوق تدني نموها الاقتصادي، ومعالجة تحدياتٍ مثل نقص السكن ونقص إمدادات الطاقة، دون التغلب على متلازمة البيروقراطية والجمود. فماذا عسانا نفعل؟

سقف الإيجارات والبيروقراطية يهددان استثمارات الإسكان في أوروبا

كانت الأمور مختلفةً تماماً في الصين. لقد زرت شنغهاي لأول مرة عام 1993، عندما كانت السيارات تتحرك ببطءٍ شديد عبر شوارع ضيقةٍ تعجّ بالدراجات الهوائية. وعند عودتي بعد عقد، بالكاد تعرفت على معالم المدينة.

استقليت سيارة أجرة من مطار هونغتشياو على طول طريقٍ سريعٍ مرتفعٍ شقّ طريقه عبر وسط المدينة إلى نهر خوانغبو، حيث بُنيت على الضفة الشرقية مجموعةٌ ناطحات سحاب حديثة تُشبه أفق مانهاتن. كان استيعاب وتيرة التنمية صعباً، وخلال السنوات الخمس التي عشتها في شنغهاي، لم تتباطأ. لم يكن هذا سوى جزء بسيط مما كانت تشهده جميع أنحاء البلاد.

إنجازات مبهرة

كانت الصين تحاول اللحاق بالركب في تلك الأيام، لكننا الآن تجاوزنا تلك النقطة بكثير. لقد دفعت المعرفة والخبرة التي تجمعت من أكبر طفرة بناء في التاريخ هذه الأمة إلى إنجازات هندسية لا مثيل لها في أي مكان آخر.

تزخر وسائل التواصل الاجتماعي بروايات مُفعمة بالحماس لإنجازات البنية التحتية الصينية. خذ على سبيل المثال جسر هواجيانغ كانيون في غويجو، وهي مقاطعة جبلية من أفقر مقاطعات البلاد. يمتد الجسر المعلق، المقرر افتتاحه في سبتمبر، فوق هاوية وسيكون الأعلى في العالم، بارتفاع 625 متراً من سطحه إلى المضيق تحته.

كما أن شبكة السكك الحديدية عالية السرعة في الصين، التي طُوّرت منذ عام 2008، أكبر من شبكات بقية دول العالم مجتمعة. وقد شيّدت البلاد محطات طاقة في كل عام من ربع قرن مضى تعادل إجمالي إمدادات المملكة المتحدة. وشبكة الطرق السريعة الصينية، التي بُنيت على مدى ثلاثين عاماً خلت، يبلغ طولها ضعف طول شبكة الطرق السريعة بين الولايات الأميركية.

الصين تكثف جهودها لزيادة الاستثمار الخاص في البنية التحتية

شهد قطاعا التصنيع والتقنية تطوراً مشابهاً. بدأت الاقتصادات الغربية في البداية بتعهيد الإنتاج إلى الصين نظراً لرخص عمالتها فضلًا عن سوقها المحلية الضخمة. لكن الصين لم تبق مجرد دولة تجميع منخفضة التكلفة. فالتصنيع على نطاق واسع عاماً بعد عام في ظل ظروف تنافسية شديدة يُنمّي المعرفة العملية ويُرسّخ القدرة على الابتكار.

تتفوق الصين الآن على شركات صناعة السيارات الغربية في مجال السيارات الكهربائية، بعد عقدين فقط منذ باشرت شركاتها في تجميع طرز منافسيها الأجانب، ولم يكن لديها سوى تصاميم قليلة تخصها. وقد رسّخت الصين مكانةً مُهيمنةً مماثلةً في مجال البنية التحتية للطاقة المتجددة.

الصين مدخل ديترويت لتلحق بركب السيارات الكهربائية

قد يكون التعامل مع صعود الصين مسألة العصر لجميع الدول الديمقراطية؛ فمستقبل العالم سيتمحور بقدر كبير على تنافسها الاستراتيجي المُتنامي مع الولايات المتحدة. ولن تستحق بريطانيا أكثر من مجرد هامش في هذه الدراما الكبرى، حتى لو كانت في يوم من الأيام أعظم مُبتكر صناعي وقوة رائدة في العالم.

لكنها تشترك في بعض الأمراض التي تهدد قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوقها الاقتصادي والجيوسياسي العالمي -وفوق كل شيء، نظامٌ جعل القواعد والإجراءات تفوق النتائج أهميةً، كما يجادل دان وانغ، الباحث في مختبر هوفر للتاريخ بجامعة ستانفورد، في كتابه عن سعي الصين لهندسة المستقبل الذي نُشر حديثاً.

مهندسون مقابل محامين

من وجهة نظر وانغ، فإن الفارق الحاسم بين القوتين العظميين هو أن الصين يديرها مهندسون بينما يدير الولايات المتحدة محامون -ويمكن لكل منهما الاستفادة من أن يصبح أشبه بنظيره. إذا كان هذا الرأي صحيحاً بشأن أميركا، فهو ينطبق أيضاً على بريطانيا.

لقد التحق خمسة من الرؤساء الأميركيين العشرة السابقين بكلية الحقوق بينما عمل اثنان فقط، هربرت هوفر وجيمي كارتر، كمهندسين، وفقاً للكتاب. لم يسبق لمهندس أن شغل منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة، وكانت مارغريت تاتشر الأقرب إلى ذلك، حيث كانت باحثة كيميائية قبل دخولها عالم السياسة. وكانت محامية أيضاً، كغيرها من القادة البريطانيين على مدى قرنين (ومنهم رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر).

هل بريطانيا جاهزة للاعتراف بانحدارها؟

لا تنتهي أوجه التشابه عند هذا الحد. يُقارن الكتاب بين نجاح شبكة السكك الحديدية عالية السرعة في الصين مع محاولات بناء خط سكة حديد يربط بين سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس. مشروع كاليفورنيا به أوجه شبه كثيرة من مشروع (HS2)، فهو متأخر ومختصر وتخطى ميزانيته بقدر كبير. كما هو الحال في المملكة المتحدة، يمكن رؤية عواقب ثقافة الهوس بالإجراءات عبر عدم كفاية المساكن، وانعدام أنظمة النقل الجماعي، وتهالك البنية التحتية.

المهندسون قادرون على حل المشاكل وإنجازها؛ أما المحامون فهم أكثر قدرة على عرقلة الأمور (ولو كان ذلك غالباً لسبب وجيه). يبدو أن هذه مشكلة خاصة بالناطقين باللغة الإنجليزية. لقد قوضت البيروقراطية روح التفاؤل التي جعلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في فترات مختلفة، رائدتين في مجال البناء.

استنساخ مسار الصين مرفوض

وانغ، المولود في تورنتو لأبوين صينيين وعمل محللاً تقنياً في بكين وشنغهاي، ليس أول من أشار إلى أن الحكومة الصينية تضم عدداً كبيراً من المهندسين أو أن الولايات المتحدة بلدٌ ثريٌّ بالتقاضي. إلا أن تأطيره يخدم غرضاً مفيداً، إذ يُسلّط الضوء على اختلاف محوري. 

كثيرون، وأنا منهم، ينفرون غريزياً من طرح أن تحذو الديمقراطيات الليبرالية حذو الصين، لأن الوجه الآخر لإنجازاتها المادية التي لا تُنكر هو نظام الحزب الشيوعي الذي يقيد ويتجاهل الحقوق والحريات الفردية إلى درجة لا يقبلها إلا قلة نادرة في الغرب. فهل من سبيل لأخذ دروس من التجارب الناجحة في الصين دون استيراد الجوانب الأقل قبولاً في نموذجها؟

أميركا المريضة لن تكون قادرة على منافسة الصين مستقبلاً

يمكن اعتبار كتاب وانغ محاولةً نحو ذلك، فهو ليس مديحاً، إذ تتناول فصول منه وحشية سياسة الطفل الواحد وصدمة إغلاق شنغهاي سعياً لخلوها من كوفيد، التي أزالت أي وهم يكتنف سكان أغنى مدينة صينية وأكثرها تنوعاً بأنهم فوق المنطق الجماعي القاسي لآلة الدولة. تتحرك الدولة الهندسية بسرعة وتُحطم الأشياء والناس. لكن إن وجهتها في الاتجاه الصحيح، قد تحصل على نتائج مبهرة، أما اختيار هدف مغلوط فقد يؤدي إلى كارثة وفظائع.

الميزة العظيمة والدائمة للنظام الديمقراطي هي انفتاحه وقدرته على التكيف. نحن الآن أمام منعطف حاسم يتطلب تغييراً في التوجه. الصين، رغم كل تحدياتها وصعوباتها الاقتصادية، لا تقف مكتوفة الأيدي. إن عدم الالتفات إلى علامات التحذير قد يعني تخلي الولايات المتحدة وحلفائها عن السباق التقني والنفوذ العالمي. فهل نكون على قدر التحدي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *