اخر الاخبار

قمة شي ومودي أقرب إلى بادرة سلام من تحول فعلي في العلاقات

تبدو زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الصين للقاء الرئيس شي جين بينغ، للوهلة الأولى، وكأنها خطوة تمهّد لتحالف اقتصادي قادر على تحقيق التكامل بين اقتصاد نيودلهي القائم على الاستهلاك واقتصاد بكين القائم على التصدير.

غير أنّ طبيعة العلاقة المعقدة والمتوترة بين البلدين، والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بهما في ظل تعرضهما للرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة، تجعل من القمة المرتقبة نهاية الشهر الجاري أقرب إلى خطوة أولى في مسار تحسين العلاقات، لا إلى نقلة نوعية فورية.

البنية الاقتصادية والتبادل التجاري

العلاقات الاقتصادية بين البلدين تكشف حجم الخلل القائم منذ سنوات. فالتبادل التجاري الذي يُفترض أن يكون محركاً للتقارب بين اقتصادين من الأكبر في العالم، يظهر في الواقع كمصدر للانقسام. نيودلهي تعاني عجزاً تجارياً ضخماً لصالح بكين، لم ينخفض منذ 2014 عن مستوى 44 مليار دولار، بينما بلغ في السنة المالية 2024–2025 رقماً قياسياً عند 99.21 مليار دولار وفق بيانات وزارة التجارة الهندية.

في العام المالي 2023–2024، ارتفعت قيمة الصادرات الصينية إلى الهند بنسبة 11.5% لتصل إلى 113.46 مليار دولار، فيما تراجعت صادرات الهند إلى الصين بنسبة 14.45% مستقرة عند 14.2 مليار دولار فقط.

هذا التفاوت يعكس طبيعة غير متكافئة في العلاقة التجارية حيث تتركز الصادرات الهندية إلى الصين في المواد الخام، في المقابل، تهيمن السلع الصناعية والإلكترونية على الصادرات الصينية إلى الهند.

اقرأ أيضاً: هل تجد الهند في الصين حليفاً رغم موجات العداء؟

وتقول رئيسة شركة “سكاراب رايزينغ” المتخصصة بتقديم الاستشارات الاستراتيجية إيرينا تسوكرمان إن “الهند والصين خصمان طبيعيان في كثير من الجوانب، بحدود مطبوعة بالصراع وانعدام الثقة طويل الأمد حول الأراضي والنفوذ والتحالفات الأمنية”. لكن الواقع الاقتصادي لمسار التصنيع الهندي “يجعل الصين لا غنى عنها، على الأقل في المدى القريب”.

وترى تسوكرمان في مقابلة مع “الشرق”، أن العلاقة بين البلدين في هذه المرحلة “أقرب إلى حسابات براغماتية منها إلى شراكة استراتيجية”، إذ إن الهند، التي تتعرض لصدمات الرسوم الأميركية الضخمة، تجد في الصين مورداً أساسياً للمكونات الوسيطة والآلات والقطع الإلكترونية، بينما ترى بكين في هذا الاعتماد فرصة لتوسيع حضورها في البلاد.

أما الأستاذ المساعد في الأعمال الدولية بالجامعة الأميركية في واشنطن باباك حافظي فاعتبر في مقابلة مع “الشرق”، أن “التقارب بين الصين والهند مدفوع بعلاقتهما المعقدة مع واشنطن. فالرسوم الأميركية خلقت انطباعاً بعدم الموثوقية”، ما أجبر بكين ونيودلهي على “اكتشاف أهداف مشتركة مثل السعي إلى الاستقلالية الاستراتيجية، وصياغة سياسة خارجية تخدم التنمية الداخلية، والتحدث بصوت دول الجنوب العالمي”.

ويقول حافظي إن “الهند والصين أثبتتا في الماضي أنهما لا تحتاجان لبعضهما البعض اقتصادياً”، وهو ما تظهره أرقام التبادل التجاري، ولكن “عدد الاقتصادات الكبرى محدود، وإذا فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قيوداً على نمو الشركات الصينية والهندية، فسيجد الطرفان نفسيهما مضطرين للتوجه إلى بعضهما باعتبارهما ثاني وخامس أكبر اقتصادين في العالم”.

لعنة الجغرافيا

الموقع الجغرافي يزيد من تعقيد الصورة. فلو لم يشترك البلدان في حدود تتجاوز 3400 كيلومتر، لكان من الممكن تبرير تواضع الصادرات الهندية إلى الصين.

غير أنّ هذه الحدود هي في حد ذاتها أحد أسباب الخلل. فخط السيطرة الفعلي، الذي يُعد خطاً مؤقتاً أكثر منه حدوداً معترفاً بها، يمتد عبر ثلاثة قطاعات رئيسية: أكساي تشين المتنازع عليها في الغرب، وأروناشال براديش في الشرق التي تعتبرها بكين جزءاً من “جنوب التبت”، والقطاع الأوسط الأقل توتراً نسبياً.

هذا الواقع جعل الحدود بؤرة دائمة للتوتر، من حرب 1962 إلى اشتباك وادي غالوان عام 2020 الذي أسفر عن سقوط جنود من الجانبين، وكان نقطة تحول قادت إلى تدهور حاد في العلاقات.

انعكست هذه الأجواء على الاستثمارات أيضاً. فبعد اشتباك 2020، وضعت نيودلهي ما عُرف بـ”المذكرة الصحفية 3″، التي تشترط على الاستثمارات الأجنبية من الدول المتشاركة معها في الحدود الحصول على موافقة حكومية مسبقة قبل دخول أي قطاع. وأدى ذلك إلى رفض مقترحات استثمارية كبرى، منها مليار دولار لشركتي “بي واي دي” و”غريت وول موتور” الصينيتين لبناء مصانع في الهند. 

لا تزال تداعيات هذا الاشتباك قائمة. ففي العام الحالي، اتهمت نيودلهي بكين بتزويد باكستان بتقنيات دفاع جوي ودعماً عبر الأقمار الاصطناعية خلال الصراع الذي اندلع على خلفية هجوم في إقليم كشمير. كما زعمت إسلام آباد أن طائرات صينية استُخدمت لإسقاط خمس مقاتلات هندية في الصراع، ما زاد من أزمة الثقة.

اقرأ أيضاً: الشركات الأميركية تلتفت لنفط باكستان بعد حديث ترمب عن احتياطيات ضخمة

التقرب من واشنطن

النزاعات الحدودية مع الصين وغالبية جيران الهند، شكّلت أساس تقاربها مع الولايات المتحدة. وتزامن ذلك مع قناعة راسخة في الإدارات الأميركية بأن الهند يمكن أن تكون بديلاً ناجحاً للصين في مجال التجارة، ما يمكّن واشنطن من ممارسة ضغط أكبر على بكين.

هذا التوجه كان قائماً حتى خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي طالما تباهى بعلاقته الشخصية مع مودي.

لكن ولايته الثانية غيّرت المعادلة، إذ شنّ حملة تجارية قاسية ضد الهند، وضاعف الرسوم الجمركية على صادراتها إلى 50%، رغم استثناءات محدودة لقطاعات تعمل فيها شركات أميركية كبرى، مثل الإلكترونيات.

في الوقت ذاته، جمدت إدارة ترمب نزاعها مع الصين بعد هدنة تجارية، ووصفت المفاوضات مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم بأنها “جيدة جداً”.

هذا التحول أجبر الهند على إعادة النظر في أولوياتها، خصوصاً تجاه الصين. فبدأت مؤشرات التقارب بالظهور، على غرار إعلان الهند استئناف الرحلات الجوية المباشرة مع الصين بعد تعليقها منذ جائحة كورونا.

ردت بكين بخطوات مقابلة، فأعربت عن تضامنها مع الهند في مواجهة سياسات ترمب، وخففت في أغسطس القيود على صادرات اليوريا إلى الهند.

كما أفادت “بلومبرغ” بأن البلدين يجريان محادثات لإعادة استئناف التجارة عبر ثلاث نقاط حدودية مغلقة منذ ثلاثة عقود، في خطوة تحمل رمزية كبيرة كون هذه النقاط تقع على امتداد الحدود المتنازع عليها في جبال الهيمالايا.

وعلقت تسوكرمان أن “ما نراه ليس قصة حب بقدر ما هو اعتراف براغماتي بأن البقاء في عصر الرسوم العقابية يتطلب تأمين مصادر بديلة. حين ترفع واشنطن كلفة صادرات الهند، تبحث نيودلهي عن بكين لإبقاء خطوط التجميع قائمة، ومنع ارتفاع الأسعار داخلياً”.

أما حافظي فاعتبر أنه “منذ أن دعمت واشنطن باكستان في الهجمات الأخيرة في مايو، ومع فرض الرسوم القاسية، بدأت نيودلهي تبحث عمّن هم حلفاؤها الحقيقيون. هنا يظهر تقاربها مع بكين كخيار واقعي، ليس رغبةً منها بقدر ما هو استجابة لضغوط خارجية”.

الصين تمد يدها لضمان مصالحها

في مارس الماضي، بعث الرئيس الصيني رسالة إلى نظيرته الهندية دروبدي مرمو لاستكشاف سبل تعزيز العلاقات، أعرب فيها عن قلق بلاده من أي صفقة أميركية قد تضر بمصالحها، وفق “بلومبرغ”.

وبعد فترة قصيرة، نشرت بكين بياناً لشي يصف العلاقة بأنها “تانغو التنين والفيل”، في إشارة إلى دفء العلاقات، وتبنى كبار المسؤولين الصينيين العبارة ذاتها، بينهم نائب الرئيس هان تشنغ. 

كما أوفدت الصين وزير خارجيتها وانغ يي إلى نيودلهي في أغسطس، في أول زيارة منذ ثلاث سنوات. إلى جانب ذلك، تعهدت بكين بتزويد الهند بالأسمدة والمعادن الأرضية النادرة وآلات حفر الأنفاق، وفق ما نقل مسؤول هندي للصحافة، ما يدل على بدء بكين خطوات نحو تعزيز التعاون العملي.

وتشير تسوكرمان إلى أن “التعاون مع بكين يمنح الحكومة الهندية غطاءً سياسياً، إذ يمكنها أن تبرر الانفتاح باعتباره مسألة ضرورة اقتصادية” لا ضعفاً أمام خصم استراتيجي.

آثار تحسين العلاقات

يشكل الاستهلاك الخاص نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي للهند، ورغم أن الولايات المتحدة أكبر سوق تصدير للهند، بصادرات بلغت 87.4 مليار دولار في 2024، فإن ذلك لا يمثل سوى 2% من الناتج المحلي الإجمالي الكلي للبلاد.

نتيجة لذلك، خففت الحكومة من توقعات الضرر الناتج عن الرسوم الأميركية، والتي قد تخفض النمو بنسبة تتراوح بين 0.6 إلى 1% وفق توقعات مؤسسات مثل “سيتي غروب” و”بلومبرغ إيكونوميكس”. 

ولكن تعزيز التعاون مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قد يكون له آثار واسعة على قطاعات محلية في البلدين والقارة، ما يمكن أن يساهم في تعزيز النمو.

من هذه القطاعات وفق حافظي، الأدوية والرعاية الصحية، إذ يمكن الجمع بين إنتاج الهند منخفض التكلفة للأدوية الجنيسة والطاقة الصينية في تصنيع المواد الفعالة، ما يخلق سلسلة إمداد دوائية أكثر مرونة.

التكنولوجيا الخضراء والتحول الطاقي من القطاعات الأخرى، خصوصاً مع هيمنة الصين في تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات، في ظل سوق هندية ضخمة، ما قد يخفض التكاليف عالمياً ويُسرّع التحول نحو الطاقة النظيفة.

ويقول حافظي: “إذا نسّق الطرفان مزاياهما، فقد يقلصان نفوذ الشركات الغربية في وضع المعايير، ويحدان من الاعتماد على الوسطاء الغربيين، ويؤسسان سلاسل قيمة داخل آسيا، ما يعزز دور القارة كمحرك رئيسي للتجارة الدولية”.

أما تسوكرمان فترى أن هذا “الرقص بين التنين والفيل” يمكن أن يتحول من “تحوط ظرفي إلى شراكة هيكلية، إذا ترسخت خطوط الاعتمادية في التمويل والطاقة والتكنولوجيا، وعندها يصبح من الصعب تفكيكها حتى لو تغيرت الظروف السياسية”.

دخول روسيا على الخط

قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي سيحضرها مودي لن تقتصر على الصين، بل سيشارك فيها قادة آخرين مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

يشير حافظي إلى أن روسيا قد تستفيد من هذا التوتر بين أميركا من جهة، والصين والهند من جهة أخرى، “من خلال اتفاقية روسيا الهند الصين الثلاثية السابقة، أو عبر منظمة شنغهاي للتعاون، “بما يتماشى مع مصالحها”.

اقرأ أيضاً: روسيا والهند والصين.. لماذا لن ينجح إحياء التحالف الثلاثي؟

أما تسوكرمان فتشير إلى أن “موسكو ترى في هذا الوضع فرصة لإعادة بسط نفوذها. فالهند لطالما اعتمدت على روسيا في الدفاع والطاقة والدبلوماسية، وإذا دفعت الرسوم الأميركية نيودلهي نحو الصين اقتصادياً، فإن الكرملين يسعى ليكون الوسيط الذي يمنع وقوعها في تبعية كاملة لبكين”.

وتضيف أن دخول روسيا “يمنح نيودلهي غطاءً سياسياً لتسويق أي تقارب مع بكين باعتباره جزءاً من توازن متعدد الأطراف، لا خضوعاً لهيمنة صينية”. أما بالنسبة لواشنطن، فترى أنه “انتكاسة خطيرة، لأنه يعني أن الرسوم الأميركية لا تبعد الهند عن الصين، بل تدفعها نحوها ونحو موسكو”.

ظهرت هذه الفكرة بوضوح من خلال التحركات الهندية الأخيرة، فبالتزامن مع إعلان الرسوم، أفاد مسؤول هندي بأن بلاده وموسكو تخططان لزيادة التبادل التجاري بنحو 50% خلال السنوات الخمس المقبلة ليصل إلى 100 مليار دولار، كما ناقش مودي سبل تعزيز العلاقات التجارية مع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي تتعرض بلاده أيضاً إلى رسوم جمركية أميركية مرتفعة.

والحال، أن طبيعة العلاقات الاقتصادية القائمة بين البلدين والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة، تشير إلى أن هذه القمة قد تكون أقرب إلى وضع أسس تعاون آسيوي متين، منها إلى تحوّل جذري في العلاقات، خصوصاً أن بكين ونيودلهي راكمتا خلال العقد الماضي سلسلة لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف من دون التوصل لاختراقة فعلية في تحسين العلاقات، ما يشير إلى أن الأمر منوط بالسياسة أكثر منه بالاقتصاد، وهو ما يمكن لقمة كهذه أن تمهد له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *