صدمة فنزويلا.. كيف غير ترمب حسابات النفط الكندي؟

يعزز سعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتحرير نفط فنزويلا من القيود التي تكبله الحجة السياسية لمشروع خط أنابيب مقترح يتيح لكندا شحن مزيد من النفط إلى الصين وأسواق آسيوية أخرى.
صُممت المصافي في منطقة الغرب الأوسط الأميركي بما يلائم معالجة خام كندا الثقيل. لكن أسعار هذا الخام تراجعت أمس الأول، مع قلق التجار من أن إزاحة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو ستفتح المجال أمام وصول الولايات المتحدة الأميركية إلى موارد وفيرة من الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، التي تنتج نوعاً مشابهاً من النفط.
نفط كندا يتطلع إلى أسواق آسيا
قال روري جونستون، الباحث في مؤسسة “كوموديتي كونتكست” (Commodity Context): “بمجرد أن يصبح النفط الفنزويلي غير محجوب فحسب، بل أيضاً غير خاضع للعقوبات، سيبدأ في منافسة البراميل الكندية بشكل أكثر مباشرة على ساحل خليج أميركا”. أضاف أن النفط الفنزويلي يمكن أن يصل إلى تلك المنطقة “بتكلفة أقل بكثير من البراميل التي تُشحن عبر خطوط أنابيب تمتد من ألبرتا”.
تقع الرمال النفطية الكندية في أقصى شمال البلاد، على بعد آلاف الأميال من مناطق تكرير النفط في جنوب الولايات المتحدة الأميركية. وتقود دانييل سميث، رئيسة وزراء مقاطعة ألبرتا، جهود الدفع باتجاه إنشاء خط أنابيب جديد قادر على نقل مليون برميل يومياً غرباً إلى ساحل مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث يمكن تحميله على ناقلات وبيعه إلى دول آسيوية تشهد نمواً متسارعاً.
اقرأ المزيد: شركات النفط الكندية توسع الإنتاج في 2026 رغم مخاوف الفائض العالمي
قالت سميث إن التغيير القسري في القيادة بفنزويلا يسلط الضوء على مدى الحاجة العاجلة لهذا المشروع.
كتبت في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “الأحداث الأخيرة المرتبطة بالديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو تؤكد أهمية الإسراع في تطوير خطوط أنابيب لتنويع أسواق تصدير النفط لدينا، بما في ذلك خط أنابيب جديد للبيتومين تشارك في ملكيته مجتمعات السكان الأصليين، ويمتد إلى الساحل الشمالي الغربي لكولومبيا البريطانية للوصول إلى الأسواق الآسيوية”.
كندا تسعى لتقليص الاعتماد على أميركا
حدد رئيس الوزراء مارك كارني هدفاً يتمثل في مضاعفة إجمالي صادرات كندا إلى الأسواق غير الأميركية بحلول عام 2035، قائلاً إن البلاد لا يمكنها أبداً أن تسمح لنفسها مجدداً بأن تصبح معتمدة اقتصادياً إلى هذا الحد على الولايات المتحدة الأميركية. أزال كارني بعض العقبات التنظيمية أمام خطوط الأنابيب الساحلية الجديدة، رغم أن بناء أي منها سيستغرق سنوات طويلة.
قال كارني للصحفيين في باريس أمس إن وجود اقتصاد فنزويلي يعمل بشكل طبيعي سيؤدي إلى إنتاج مزيد من النفط، وهو ما سيكون أفضل للشعب الفنزويلي وأكثر استقراراً لنصف الكرة الغربي. لكنه أضاف أن النفط الكندي سيظل قادراً على المنافسة، نظراً لانخفاض مخاطره وتكلفته، مشيراً إلى أن حكومته تعمل على جعله أنظف عبر دعم تقنيات احتجاز الكربون.
خطة ترمب لإحياء نفط فنزويلا.. رهان صعب قيمته 100 مليار دولار.. تفاصيل أكثر هنا
تابع: “نرحب بإمكانية تحقيق مزيد من الازدهار في فنزويلا، لكننا نرى أيضاً تنافسية النفط الكندي. في هذا السياق، فإن خط أنابيب وصادرات إلى آسيا، لدينا منتج تنافسي وسنكون بصدد تنويع أسواقنا”.
تساعد الصورة العامة لمساعي الولايات المتحدة الأميركية لاستقطاب موردين آخرين للطاقة في تخفيف حدة المعارضة الداخلية للفكرة.
قال تشارلز سانت أرنو، كبير خبراء الاقتصاد في اتحاد “سيرفس كريديت يونيون” (Servus Credit Union): “الأحداث في فنزويلا تعزز الحاجة إلى تنويع الصادرات، وخط أنابيب إلى الساحل الغربي سيكون أفضل حل”.
خط أنابيب النفط الكندي بين الانفتاح والتباطؤ
لا تملك كندا سوى خط أنابيب نفطي واحد قادر على الشحن إلى عملاء من خارج الولايات المتحدة الأميركية، وهو خط “ترانس ماونتن” الذي يمتد إلى منطقة فانكوفر، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 900 ألف برميل يومياً. ويمثل ذلك جزءاً بسيطاً من أكثر من 4 ملايين برميل تُشحن جنوباً إلى الولايات المتحدة الأميركية في يوم عادي، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
ذهب نحو 70% من هذا الخام المتجه إلى الولايات المتحدة إلى منطقة الغرب الأوسط العام الماضي، لتلبية طلب المصافي في ولايات مثل إنديانا وأوهايو وغيرها. غير أن إضافة طاقة نقل عبر خطوط أنابيب إلى ساحل الخليج ساعدت المنتجين الكنديين أيضاً على تعويض تراجع الإمدادات الآتية من فنزويلا في تلك المنطقة.
جادل كارني بأن مستقبل كندا الاقتصادي يعتمد جزئياً على توظيف مواردها الطبيعية لتصبح قوة عظمى في مجال الطاقة. وفي نوفمبر، وقعت حكومته مذكرة تفاهم مع مقاطعة ألبرتا -التي تضم بعضاً من أكبر احتياطيات النفط في العالم- ما فتح الباب أمام فكرة خط الأنابيب التي تروج لها سميث. واجهت هذه السياسة اعتراضات وانتقادات من حكومة كولومبيا البريطانية ومن نشطاء بيئيين، كما استقال ستيفن غيلبو، وهو وزير في الحكومة ومن مقاطعة كيبيك، احتجاجاً عليها.
خط أنابيب النفط الجديد يسبب شرخاً في حكومة كندا
في المقابل، يرى المحافظون في كندا أن حكومة كارني الليبرالية لم تتحرك بالسرعة الكافية لإضافة سعة جديدة لخطوط الأنابيب. نشر زعيم المعارضة المحافظة بيير بويلييفر رسالة مفتوحة أمس دعا فيها كارني إلى إلغاء القوانين البيئية التي تقيد قطاع النفط.
بكين تشتري النفط الكندي
قد تبرز الصين، على وجه الخصوص، كمشتر أكبر للخام الكندي إذا جرى تغيير مسار إنتاج النفط الفنزويلي. ففي السنوات الأخيرة، اتجه معظم النفط الفنزويلي المصدر إلى الصين بسبب العقوبات.
قال أليكس كارديناس، وهو مهاجر فنزويلي إلى كندا عمل في قطاع النفط في كلا البلدين: “أنواع النفط الثقيلة الفنزويلية متشابهة من حيث الجودة، إن صح التعبير، مع أنواع النفط الثقيلة الآتية من مناطق الرمال النفطية”. أضاف أن ارتفاع إنتاج فنزويلا “سيشكل تحدياً في نهاية المطاف، بعد 5 أو 10 سنوات”.
طالع أيضاً: إنتاج فنزويلا لنفط أكثر مستبعد قبل 2030
عمل كارديناس في شركة “بتروليوس دي فنزويلا” قبل انتقاله إلى كندا، حيث شغل أخيراً منصب مدير استراتيجية المصب في شركة “هسكي إنرجي” (Husky Energy). أدت سنوات من الفساد وسوء الإدارة والعقوبات الأميركية إلى هبوط إنتاج النفط الفنزويلي إلى نحو مليون برميل يومياً، يقدر كارديناس وآخرون أن مضاعفة الإنتاج قد تستغرق أكثر من 5 سنوات.
أسهم توسعة خط “ترانس ماونتن”، التي اكتملت خلال فترة رئاسة جاستن ترودو للحكومة، بالفعل في تنويع الصادرات وتقليص الفارق السعري بين النفط الكندي الثقيل والنفط الخفيف منخفض الكبريت الأسهل تكريراً.
قال سانت أرنو إن إضافة مزيد من طاقة خطوط الأنابيب ستساعد على منع اتساع هذا الفارق السعري، حتى خلال التقلبات الموسمية، بما يضمن حصول كندا باستمرار على سعر أفضل.
وبحسب بيانات شركة “فورتكسا” (Vortexa)، فإن نحو 64% من النفط الذي شُحن عبر خط “ترانس ماونتن” العام الماضي كان متجهاً إلى الصين.
تنويع الطاقة
قال بيبان راي من “بي إم أو غلوبال أسيت مانجمنت” (BMO Global Asset Management): “من المرجح أن يشكل هذا عاملاً مسرعاً لكندا لتنويع اعتمادها بعيداً عن الولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بتلبية الطلب على الطاقة”.
اقرأ المزيد: كارني يراهن على شراكات جديدة: العالم قادر على المضي قدماً من دون أميركا
أضاف: “تعتمد كندا بشكل كبير على الولايات المتحدة الأميركية كسوق لتصدير النفط الخام، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات التي تزيد المعروض على المدى المتوسط إلى الطويل، لا سيما إذا كان خاماً ثقيلاً من النوع الموجود في حزام أورينوكو”.



