اخر الاخبار

حمى التنقيب العشوائية عن الذهب تسدد ديون بوليفيا

برزت ظاهرة بدت محيرة لبعض الوقت، إذ دأبت بوليفيا على سداد ديونها رغم نقص حاد في الدولار لديها فيما تعاني أزمة عملة محلية وارتفاعاً شديداً في التضخم.

تُساعد زيارة إلى كانغالي، أحد مئات المناجم التي يُستخرج منها الذهب من حوض الأمازون الخصب شمال لاباز، على تفسير ذلك. هنا، تحت أكبر غابة مطيرة في العالم، وجد البنك المركزي طريقة لجمع مليارات الدولارات للمساعدة في سداد مستحقات حاملي السندات الدولية، في ظلّ تداول ديون الدولة عند مستوى التعثر قبل الانتخابات العامة المثيرة للجدل في نهاية هذا الأسبوع.

أدى ارتفاع أسعار الذهب العالمية ثلاثة أضعاف خلال العقد الماضي إلى تسريع التحول من ممارسات التنقيب القديمة التي تعود إلى قرون مضت، وفيها يستخدم الحرفيون مجارف ومعاول، بل وحتى أيديهم، لغربلة طمي النهر، أما الآن فنجد عمليات صناعية تعيد تشكيل ضفة النهر وتؤدي إلى غمر المنازل والمدارس والشركات.

ماركوس أشورث: هوس اللحاق بصعود سعر الذهب يهدد بزوال بريقه

استبدال الذهب بالعملة الصعبة

بعض الحفارات والرافعات والشاحنات القلابة التي تجوب المشهد الطبيعي المتآكل في كانغالي تملكها شركة صينية أقامت معسكراً في المنطقة. وأحد أكبر المشترين في هذه الفورة هو البنك المركزي البوليفي، الذي حصل على موافقة الكونغرس على استبدال الذهب بالعملة الصعبة في زمن الأسعار القياسية.

حتى وزير المالية مارسيلو مونتينيغرو أقر بالفوائد الاقتصادية، وصرح للصحفيين في فبراير أن السبائك تساعد البلاد على الوفاء بالتزامات الديون الخارجية وتمويل واردات الوقود. إنه شريان حياة بالغ الأهمية لبوليفيا، حيث ما تزال التحديات المالية قائمة.

تكافح الحكومة اليسارية، التي تعاني تراجعاً في شعبيتها، أعمق أزمة اقتصادية منذ عقود مع تلاشي طفرة الغاز الطبيعي، واستنزاف دعم الوقود لخزينتها، وتراجع سعر صرف العملة في السوق السوداء. وقد أدت الاحتجاجات المتفرقة إلى إغلاق الطرق السريعة هذا العام، ما أدى إلى تفاقم نقص البنزين وزيت الطهي.

أسوأ مستوى للديون

من بين جميع دول أميركا اللاتينية التي تتبعها وكالتا التصنيف الائتماني ”ستاندرد آند بورز غلوبال ريتيغز“ و“فيتش ريتنغز“، يأتي تصنيف بوليفيا من حيث الديون المقومة بالدولار في أسوأ مستوى، إذ تصنفها ”موديز“ عند (Ca)، وهو ثاني أدنى تصنيف على سلّمها، وتعرّفه بأنه ”يُحتمل أن تكون في حالة تخلف عن السداد أو قريبة جداً منه“.

في يونيو، عزت ستاندرد آند بورز تصنيفها إلى “انخفاض مستويات الاحتياطي” في بوليفيا و”قدرتها الضعيفة على الإيفاء بالتزاماتها المتعلقة بالديون بالكامل خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة“. ساعدت قدرة بوليفيا المفاجئة على الاستمرار في سداد ديونها، إلى جانب التفاؤل الانتخابي، في رفع سنداتها الدولية الأكثر سيولة إلى 78 سنتاً على الدولار من 61 سنتاً في بداية 2025.

تستخدم نفس استراتيجية بوليفيا دول مثل منغوليا والإكوادور وتدفع لاعتمادها مجموعة من المشرعين في بيرو المجاورة. في أحدث استطلاع للبنوك المركزية أعده مجلس الذهب العالمي، أشار 17% من المشاركين إلى أنهم يشترون الذهب مباشرة من عمال مناجم الذهب الحرفيين والصغار في بلدانهم.

وسيلة لسداد الديون

في بوليفيا التي تعاني اقتصادياً، لا تستخدم البلاد الاندفاع نحو التنقيب عن الذهب كوسيلة لتعزيز احتياطياتها الدولية فحسب، بل كوسيلة لمواصلة سداد ديونها الدولية، وفقاً لوكالات التصنيف الائتماني. قالت ”فيتش“ في تقرير هذا العام: “لقد اعتمد البنك المركزي على مشتريات الذهب المحلي… الذي قام بعد ذلك بتكريره في الخارج وتسييله، لتلبية مدفوعات خدمة الدين الخارجي“.

لكن هناك قليل من الشفافية حول مكان وكيفية استخراج هذا المعدن ومعالجته، وأين ينتهي به المطاف، وفقاً لعشرات من عمال المناجم والتجار والباحثين والمقيمين في سلسلة توريد تمتد من أنهار الأمازون في بوليفيا، إلى مصافي التكرير في تركيا، وأخيراً إلى خزائن في لندن.

حملة رقمنة لإصلاح سوق حجمها 11 تريليون دولار لتداول الذهب

تؤكد السلطات البوليفية أن الذهب الذي يشتريه البنك المركزي قانوني، ويُنتَج ويُسوّق بمسؤولية- وأن البنك المركزي لديه الوثائق التي تثبت ذلك. ولكن وفقاً لمن حاورناهم، فإن هذه الصناعة يشوبها ضعف في التنظيم والرقابة، وممارسات ضارة مثل استخدام الزئبق، وسوء التوثيق وتنامي السوق السوداء، إضافة لوجود غير قانوني لممولين أجانب.

شراء بدون اهتمام بالمصدر

قال دانيلو بوكانخل، الذي يرأس مؤسسة “ميدمين”، وهي منظمة محلية غير حكومية تعزز ممارسات التعدين المستدامة: “البنك المركزي مهتم بشراء الذهب ولا يهتم بمصدره”. اشترى البنك المركزي نحو 24 طناً من المعدن الثمين المنتج محلياً، وباع 44 طناً سعياً للسيولة منذ مايو 2023، وفقاً لأحدث بياناته الصادرة في أبريل، في معاملات تجاوزت قيمتها 3 مليارات دولار.

كما أودع واستثمر 19 طناً في الخارج- معظمها لدى ”يو بي إس“ و“ستاندارد تشارترد“، ولكن أيضاً لدى ”آي سي بي سي“ (ICBC) الصيني و“جيه بي مورغان“ من بين بنوك أخرى. وكان هناك طن آخر في خزائن البنك المركزي، بينما كانت 3 أطنان قيد التكرير.

رفض كل من “ستاندارد تشارترد“ و“جيه بي مورغان“ التعليق. ولم يجب ”آي سي بي سي“ على طلب للتعليق. أما ”يو بي إس“ فقال إنه يقبل فقط الذهب المكرر لدى مصافٍ معتمدة من جمعية سوق السبائك في لندن، أي المدرجة في قائمة تُسمى ”لندن غود ديلفري ليست“ (London Good Delivery List)، وتشمل المصفاة التي يستخدمها البنك المركزي البوليفي.

ليس واضحاً إلى متى سيكون هذا البرنامج مستداماً، إذ إن الفجوة المتزايدة بين سعري الصرف الرسمي والموازي تُقوّض جاذبيته بين البائعين.

 

لا تُفصح السلطات إلا عن تفاصيل قليلة حول الشروط التجارية وتمويل مشتريات الدولة، برغم أنها مضطرة لتقديم علاوة على سعر الصرف الرسمي لمنافسة المشترين من القطاع الخاص. يزعم اقتصاديون كثر ومحافظون سابقون لبنوك مركزية أن البنك يطبع النقود للمساعدة في سد هذه الفجوة، ما يزيد الضغط التضخمي الذي بلغ أعلى مستوياته منذ عقود.

طلب المحافظون السابقون للبنوك المركزية عدم كشف هوياتهم بسبب اللوائح الداخلية. وقال البنك المركزي البوليفي في بيان إنه يشتري الذهب بالعملة المحلية حصراً، ومعظمه من تعاونيات تجمع عمال المناجم الصغار. وأضاف أنه يعتمد على وكالات حكومية أخرى للتصديق على قانونية الذهب. ورفض تحديد هوية من يكرر السبائك. ولم يُجب على أسئلة حول ما إذا كان قد طبع نقوداً لتمويل مشترياته من الذهب.

استخدام وفق اللوائح

صرح رئيس البلاد لويس آرسيه لـ”بلومبرغ” في يونيو بأنه غير قادر على تقديم تفاصيل عن عمليات البنك المركزي المتعلقة بالذهب، قائلاً فقط: “لقد استخدمنا احتياطيات الذهب وفقاً للوائح الحالية للاستفادة من الموارد التي تأتي إلى البلاد”.

على أي حال، تعاني بوليفيا ضائقةً ماليةً، وعجزاً كبيراً في الميزانية تجاوز عُشر الناتج المحلي الإجمالي في العامين الماضيين، وفقاً لصندوق النقد الدولي. وقالت وكالة ”فيتش“ في تقريرها إن البنك المركزي مسؤول عن تمويل عجز بوليفيا لعام 2024، لأن البلاد لم تكن لديها القدرة على الاستفادة من الأسواق الدولية لجمع الأموال اللازمة.

في غضون ذلك، يتجه البائعون بشكل متزايد إلى مشتري الذهب من القطاع الخاص الأقل رسمية أو السوق السوداء، حيث تكون الشروط أفضل.

يُتوقع أن تزداد التزامات ديون بوليفيا بحدة، إذ ستستحق مدفوعات تزيد عن 300 مليون دولار سنوياً في عامي 2026 و2027، ارتفاعاً من 54 مليون دولار هذا العام، وفقاً لبيانات جمعتها بلومبرغ. يُعدّ العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بسندات بوليفيا الدولارية الأعلى بالفعل بين القروض السيادية العاملة في الأسواق الناشئة، ما يعكس انخفاض الثقة في قدرتها على السداد.

استمرار الشكوك

بيّن ماريانو أورتيز، الخبير الاستراتيجي في ”ترست بنك“: “لقد حيرت قدرة الحكومة على الاستمرار في سداد قسائم السندات في الوقت المحدد كثيراً من المستثمرين… أصبحت آليات مشتريات البنك المركزي من الذهب المحلي أكثر وضوحاً، برغم استمرار الشكوك” بشأن استدامتها.

الذهب في خزائن الدول: من المتصدر؟

في منتصف 2023، وفي ظل تناقص تدفقات الدولار من صادرات الغاز، سمح المشرعون للبنك المركزي بشراء الذهب المحلي وبيعه دون الحاجة لموافقة الكونغرس. كل ما كان عليها فعله هو الاحتفاظ بما لا يقل عن 22 طناً من السبائك في احتياطياته.

في وقت لاحق من ذلك العام، طُلب من المصدرين البيع للبنك المركزي أولاً قبل السعي لتصدير الذهب إلى الخارج. ومع تحول البنك إلى مشترٍ رئيسي، انخفضت صادرات الذهب الرسمية بنسبة 72% العام الماضي وتستمر في الانخفاض. وتشمل العوامل الأخرى وراء هذا الانخفاض نقص الديزل الذي يمكن أن يعطل الإنتاج ونقص الدولار الذي أوقف تدفقات الذهب البيروفي المهرب إلى البلاد.

منقذون الذهب

في البداية، اشترى البنك المركزي الذهب ببساطة من التجار والتعاونيات الخاصة. ثم في العام الماضي، أنشأت الحكومة شركة ”إيبكورو“ (Epcoro) الحكومية لشراء الذهب من جهات فاعلة مختلفة -بينها التجار والتعاونيات والوسطاء والمواطنين العاديين- بالعملة المحلية وبيعه للبنك المركزي. يشتري الوسطاء، الذين يُسمون “المنقذين”، من مصادر مختلفة بكميات صغيرة حتى يكون لديهم ما يكفي للبيع.

يشحن البنك المركزي كثيراً من الذهب شبه النقي الذي يشتريه في بوليفيا إلى مصفاة ”إسطنبول غولد ريفاينري“ (Istanbul Gold Refinery)، وهي مدرجة في قائمة رابطة سوق السبائك في لندن للموردين الملتزمين أخلاقياً. أكدت الشركة التركية، وهي إحدى أكبر مصافي المعادن الثمينة في العالم، لوكالة بلومبرغ أنها بدأت بمعالجة الذهب البوليفي العام الماضي، وأنها تُرسله إلى حسابات البنك المركزي في بنك ”جيه بي مورغان“ في لندن ليدخل في احتياطيه.

من المهام المناطة بالبنك المركزي استخدام الذهب للاستثمار وكأداة تحوط وكضمان وتحويله إلى نقد. وتنص القواعد على وجوب حصول البنك على “ذهب مسؤول”، مصدره عمليات قانونية لتعزيز الاحتياطيات بدلاً من الاستخدام التجاري.

الوثائق القانونية لا تُظهر الحقيقة

تكمن المشكلة في أن حيازة جميع الوثائق القانونية اللازمة لا تُظهر دائماً الحقيقة الكاملة لكيفية استخراج الذهب ومعالجته وبيعه، وفقاً لأكثر من 12 من عمال المناجم والتجار ومن يعملون مباشرةً في سلسلة التوريد هذه.

يأتي معظم الذهب المُنتَج في بوليفيا من التعاونيات، وهي كيانات قانونية. لكن يُقدّر أن 85% منها إما تفتقر إلى تصاريح أو أنها لا تُوثّق إنتاجها بشكل صحيح، وفقاً لمستشار التعدين هيكتور كوردوفا، الذي شغل منصب نائب الوزير في عهد الرئيس السابق إيفو موراليس. اليوم، يعمل ما يُقدّر بنحو 200 ألف شخص في تعاونيات الذهب، وفقاً لمعهد التنمية المحلية ”سيدلا“، ما يجعل هذا القطاع قوة اقتصادية وسياسية.

يمر بعض إنتاج التعاونيات عبر القنوات الرسمية، حيث تُدفع إتاوات ورسوم، ولكنه يبقى خارج السجلات الرسمية لتعظيم الأرباح. ويصب بعضه في السوق السوداء لينتهي به المطاف في بيرو، حيث يدفع المشترون بالدولار، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر.

الذهب يتجاوز اليورو ليصبح ثاني أكبر أصل احتياطي في العالم

يجمع ”المنقذون“ الذهب من مصادر مختلفة ولا يطلبون سوى قليل من الوثائق، هذا إن طلبوها أصلاً. قال تجار من القطاع الخاص إنهم غالباً ما يسجلون الذهب على أنه قادم من مكان ما بينما قد يكون مصدره في الواقع مكان آخر. أو ينسبون إنتاجه لأفراد قد لا تكون لهم أي علاقة بإنتاجه.

قال أليكس غوامان، فيما كان يُعدل منصة عائمة صغيرة على ضفة النهر بالقرب من بلدة شيما: “لا أحد يطلب أي أوراق”. ترك الشاب الذي بلغ من العمر 21 عاماً وظيفته في تعاونية ليبدأ مشروعه الخاص منذ حوالي عام عندما بدأت الأسعار ترتفع. وهو الآن ينزل إلى الماء لسحب المواد من قاع النهر باستخدام مضخة آلية، ويبيع الرقائق التي يجدها للمشترين في المدينة، بشكل غير رسمي.

قصور القدرة الإشرافية

قال ألفريدو زاكونيتا، الباحث في ”سيدلا“، إن التصريحات الصادرة عن أصل الذهب وشرعيته هي في الأساس “تصريحات بحسن نية… تفتقر الدولة إلى القدرة على الإشراف على ما يُفترض أنه يُستخرج من منطقة معينة”.

 

 

لكن وزير المالية مونتينيغرو، يؤكد أن البنك المركزي البوليفي يستوفي جميع متطلبات التتبع، ويدافع عن معاملاته المتعلقة بالذهب ضد اتهامات نواب المعارضة بأنها تُشكل غسيل أموال.

في تقريره الأخير، قال البنك إنه “لا يشتري الذهب في السوق المحلية إلا من جهات قانونية مسجلة ومرخصة من الجهات المختصة”. ويصف البنك مصادره بأنها نظيفة وآمنة وشاملة اجتماعياً، وفقاً للمعايير الدولية، وأنه يعمل مع مصافٍ معتمدة من قبل رابطة سوق لندن للسبائك.

صرحت الرئيسة التنفيذية لشركة ”إسطنبول غولد ريفاينري“ التركية، أيسن إيسن، رداً على أسئلة مكتوبة، بأن شركتها وهي إحدى أكبر مشتري الذهب في بوليفيا، قيّمت المخاطر تقييماً شاملاً، وأعدت فحوصات العناية الواجبة والامتثال، بالإضافة إلى تقديم محاضرات عن مصادر التوريد المسؤولة إلى البنك المركزي قبل مباشرة اتفاقية التكرير.

استخدام واسع للزئبق في المناجم

ودعمت رابطة سوق لندن للسبائك ما قالته الشركة، مضيفةً أن شركة تحقق لم تبدِ أي مخاوف بشأن المصادر كجزء من مراجعة أعدتها الشركة التركية. لكن الرابطة قالت إنه بخلاف اتفاقية الشركة التركية مع البنك المركزي، لا تحصل أي مصافٍ أخرى تابعة للرابطة على ذهب من بوليفيا، حيث يواجه القطاع الحرفي تحديات كبيرة ”ومنها استخدام عمال المناجم الواسع للزئبق وإمكانية تسلل المواد المستخرجة بشكل غير قانوني من دول أخرى إلى سلاسل التوريد المحلية”.

الصين تواصل رفع احتياطياتها من الذهب وسط ارتفاع الأسعار

كما تحمي مشاركة ”إيبكورو“ البنك المركزي من أي مشكلات تتبع محتملة لأن شركة التجارة الحكومية هي التي تصادق على الأصل الأخلاقي للذهب. لكن رئيس ”إييكورو“ بابلو سيزار بيريز قال إن مهمة شركته هي التحقق من الدرجات وضمان أن تكون الأوراق سليمة. وأضاف في مقابلة: ”ليست مسؤوليتي أن أتحكم في كيفية إنتاجهم”.

في هذه الأثناء تتلاشى جهود تعزيز إمكانية التتبع، إذ إن جمعية ”ذا سويس بيتر غولد“ (The Swiss Better Gold Association)، وهي منظمة غير ربحية تُشجع على سلاسل التوريد المسؤولة، ستغلق أبوابها في بوليفيا هذا العام، حيث يُغذي ارتفاع الأسعار الأسواق غير الرسمية وغير القانونية، وفقاً لمدير البرنامج توماس هينتشيل.

قال هينتشيل، الذي يعتبر بوليفيا وطنه الثاني: ”راهناً، لا توجد فرصة لإنشاء سلسلة توريد قانونية… بالنسبة لي، واضح أن هذا لا يُنتج بمسؤولية. هذا ليس ما يتوقعه المستهلك من حيث الإنتاج السليم”.

مشترٍ شرعي ثري

في البداية، منح إنشاء ”إيبكورو“ عمال المناجم التعاونيين ضمانات بوجود مشترٍ شرعي ذي ثروة طائلة. كما ضمنت الشركة الحكومية لعمال المناجم إمدادات الديزل التي تتناقص باستمرار مقابل العمل معاً. لكن هذه الضمانات تلاشت، وفي أواخر يوليو، أعلنت ”إيبكورو“ أنها فرضت قيوداً صارمة على عمليات الشراء، مشيرةً إلى تقلبات العملة والأسعار ومحدودية التوافر.

كما أدى ارتفاع سعر الصرف الموازي لأكثر من ضعف السعر الرسمي إلى انخفاض حوافز بيع الذهب للبنك المركزي. وبينما تختلف الشروط، صرّح تاجران لـ”بلومبرغ” أن البنك يدفع عادةً 35% بالدولار والباقي بالبوليفيانو بالسعر الرسمي بالإضافة إلى علاوة قدرها 12.5%.

مع ذلك، فإن هذا يعني أقل مما يتلقاه التجار مقابل الشحن إلى مشترين أجانب في اتفاقيات دولارية بالكامل. عند بيع الذهب لشركة ”إيبكورو“، تقول الشركة إنها تدفع بالبوليفيانو بالسعر الرسمي، بالإضافة إلى علاوة بحد أقصى 18% لتعويض الفارق مع السعر الموازي. وفي العام الماضي، باعت إيبكورو 5 أطنان من الذهب للبنك المركزي، وفقاً لبيريز.

وقد أدى كل ذلك إلى زيادة الذهب المتجه إلى أسواق غير رسمية تُقدم عوائد أفضل في ظل ضعف تطبيق اللوائح ومعايير التتبع. لا تتوفر بيانات كافية عن التدفقات غير القانونية، برغم أن ارتفاع صادرات الذهب البيروفية بنسبة 20% العام الماضي قد يُشير إلى أن بعض المعادن البوليفية تجد طريقها عبر الحدود.

من المشتري السيادي الذي يجمع الذهب بأقل من 1800 دولار؟

الشركاء يزدادون ثراءً

كان ممكناً أن يُفيد وصول البنك المركزي وشركة ”إيبكورو“ كمشترين رئيسيين للذهب البوليفي هذه الصناعة لو جاء ذلك في إطار نهج مُنظم ومركزي، وفقاً لمانويل باريينتوس من “بريميرو دي مايو”، إحدى أقدم وأكبر تعاونيات الذهب في بوليفيا.

قال باريينتوس، الذي يقود سيارة تويوتا ستيشن واغن موديل 1999 بلا لوحات ويعيش في مسكن متواضع في مخيم: “على الرغم من قدرة التعاونية على التمويل الذاتي هذه الأيام، إلا أن هذا لا يعني أن الشركاء يزدادون ثراءً“. أضاف الرجل الثمانيني: “يعتقد الناس أن جميع شركاء تعاونيات الذهب مليونيرات. هذا ببساطة غير صحيح”.

لقد استُنفدت الرواسب على مدى أكثر من ستة عقود منذ بدأ التعدين، ما يعني أن المشغلين يعتمدون الآن على الآلات الثقيلة لنقل كميات أكبر بكثير لاستخراج نفس الكمية من المعدن. ورغم أن الأسعار القياسية تجعل الرواسب الأقل جودة مربحة، إلا أن التكاليف في ارتفاع، والوقود شحيح، والعملة المحلية تفقد قيمتها بسرعة.

أضاف باريينتوس أن التعاونيات تضطر أيضاً إلى دفع رشاوى للمسؤولين الفاسدين، واللجوء إلى السوق السوداء للحصول على وقود، وإبقاء بعض إنتاجها خارج السجلات للحصول على شروط أفضل. أضاف: “هنا نعمل على أساس أفضل عرض نجده”. وربما يكون الأمر الأكثر إحباطاً هو أن أجزاء من صناعة تساعد بوليفيا على سداد التزامات الديون غارقة في الوحل.

فيضانات بفعل التنقيب والأمطار

في كانغالي، يضطر كريستوبال ماماني، رئيس تعاونية للذهب، إلى صعود درج خارجي للوصول إلى مكتبه في الطابق الثاني لأن الطابق الأول مغطى بالوحل. فيما تُنقل المدرسة من موقعها حال حال العشرات الذين اضطروا لترك مساكنهم. أمام المبنى، تغسل كارمن كاليسايا الأطباق في مطبخٍ مُرتجل بعد أن قدّمت الفطور لعمال المناجم على طاولات وكراسٍ بلاستيكية. تنام على الجانب الآخر من جدار فاصل، في منطقة مُحاطة بغطاءٍ من القماش المشمع، مع ابنتها التي تُنجز واجباتها المدرسية في الساحة.

قالت كاليسايا، مُشيرةً إلى منزلها الذي غمره الفيضان: “نعيش هنا لأنه لا يوجد خيار آخر… لكن التعدين هو ما يُحرك الاقتصاد المحلي. هذا ما يُقال لنا. يقولون: إذا لم يكن هناك تعدين، فمن أين ستعيشون؟”.

روسيا تضاعف حيازات صندوقها السيادي من اليوان والذهب

يظهر سبب الفيضانات جلياً عبر النافذة الخلفية لمكتب ماماني. تُعيد الحفارات والرافعات الأمامية وشاحنات التفريغ تشكيل ضفة النهر والسهل الفيضي بحثاً عن رقائق الذهب. يعتقد ماماني أن إلقاء المناجم عند المنبع للرواسب والهطولات المطرية غير المعتادة من أسباب هذه الفيضانات، مُؤكداً أن تعاونيته تبذل قصارى جهدها لمساعدة المدينة.

حمى الذهب هذه بحد ذاتها محفوفة بالمخاطر، حتى بالنسبة لعمال المناجم. قال ماماني، الذي بلغ من العمر 45 عاماً وهو يرغب في أن يمتهن أبناؤه الثلاثة مهناً مغايرة: “لو انخفضت أسعار الذهب الآن، لكنا غرقنا… التعدين مهنة رائعة- إذا حالفك الحظ، يمكنك شراء سيارة أو منزل. لكنك قد تعاني أيضاً”.

 

التلوث يصيب القرى

يُمثل التلوث مشكلة كبيرة أخرى. يدخل الزئبق المستورد، المستخدم في معالجة خام الذهب الغني، إلى الأسماك التي تأكلها جماعات السكان الأصليين، وينتشر في الهواء على بُعد مئات الكيلومترات في لاباز، حيث يحرق بعض تجار الذهب الملغم بالزئبق في أفران حرفية دون أي مرشحات.

بوليفيا، بصفتها دولة موقعة على اتفاقية “ميناماتا” بشأن الزئبق، مُلزمة باتخاذ خطوات للحد من استخدامه في التعدين. إلا أن الزيادة الكبيرة في عدد التعاونيات في السنوات الأخيرة جعلت الزئبق أكثر انتشاراً، لا سيما بين عمال مناجم الصخور الصلبة في المرتفعات، وفقاً لبوكانخيل، من مؤسسة ”ميدمين“.

بينما تواجه المصانع الكبرى في البلاد عقوبات إذا صهرت معدناً مُضافاً إليه الزئبق، يبدو أن عشرات الأفران الحرفية في العاصمة لا تخضع لقيود تُذكر. قال بوكانخيل: “نحن لا نتحدث عن غرامات أو كيلوغرامات، بل عن أطنان تُطلق في الغلاف الجوي والبيئة. أطنان تُصب في أنهارنا وتربتنا”.

على بُعد عشر دقائق من كانغالي، يُمكننا أن نرى مثالاً أوضح على تأثير الذهب على السكان. بدأت تيبواني كمستوطنة تعدين في الحقبة الاستعمارية. وفي لوحة في الساحة، وُصفت بأنها “عاصمة الذهب” التي تُجسد “الحرية في الوحدة”.

الفيضانات تجبر الأهالي على إخلاء المنازل

لكن لعدة أشهر من السنة، تُجبر الفيضانات كثيراً من السكان المحليين على إخلاء منازلهم وأماكن عملهم. التعدين قد يكون شريان الحياة في المدينة، لكنه يُمثل أيضاً تهديداً وجودياً. يجلس أليخاندرو كاتاريون، وهو ميكانيكي بلغ من عمره 67 عاماً، في ظل ممر مرتفع يُطل على ورشته التي غمرتها المياه. منعه ارتفاع متر من المياه الموحلة من العمل لمدة ستة أشهر. ويشعر هو وآخرون في المدينة ممن لا يعملون مباشرةً في التعدين بالإحباط من عدم اتخاذ أي إجراء لمعالجة مشكلة بدأت منذ سنوات وتزداد سوءاً.

ارتفعت إيجارات المباني في المناطق الجافة بشدة. وينام البعض في المدرسة المحلية، وبعض آخر في الساحة. وتختلط مياه النهر النتنة بمياه الصرف الصحي في الشوارع المنخفضة، حيث تتمرغ الخنازير.

يرى كاتاريون أن البلدية وتعاونيات التعدين وجهان لعملة واحدة، إذ لا تلقى منهما شكاوى السكان المتضررين آذاناً صاغية. وقال إن من تربطهم صلات مباشرة بالمناجم لا يجرؤون على التحدث علناً. أضاف: “أصبحت هذه المدينة خارجة عن القانون”. يبدو أنهم يريدون تعدين المدينة نفسها.

تُموّل مناجم المنطقة مجموعات صينية تقتطع 70% من الإنتاج، وفقاً لرئيس جمعية الحي، روفينو تشامبي، 47 عاماً. رغم أن هذه الترتيبات غير قانونية، إلا أنها منتشرة على نطاق واسع، وفقاً لعدد من عمال المناجم والتجار.

صرح مارسيلو هي، المستشار السياسي في سفارة الصين في بوليفيا، بأنه على حد قدرة البعثة الدبلوماسية على تقييم الوضع، تُقدّم الشركات معدات وآلات وخدمات أخرى للتعاونيات البوليفية، وليس أي من ذلك مخالف للقانون.

دعاوى وتحقيق

رُفعت عشرات الدعاوى القضائية ضد عمليات تعدين الذهب غير القانونية وتعاونيات التعدين. في سبتمبر 2023، أمر قاضٍ بتعليق التعدين غير المصرح به في خمسة أنهار أمازونية. وحديثاً، بدأ المدعي العام تحقيقاً في فيضانات تيبواني. قال تشامبي: “هناك قوانين للتعدين بمسؤولية واستبدال التربة. لكنهم لا يفعلون ذلك، فقط لتوفير قليل من الوقود والديزل. يفعلون ما يحلو لهم”.

عجرت أحكام المحاكم وجهود الإنفاذ في وقف الضرر البيئي. على جزء من الطريق بين تيبواني وتشيما، كانت حفارة هيدروليكية مثبتة على جانب الطريق تقرض قمة إحدى التلال المتبقية. قال تشامبي: “إذا استمرت أسعار الذهب في الارتفاع، فسيُصابون بالجنون. سيحاولون استخراج كل شيء”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *