اخر الاخبار

ترمب و”الفيدرالي الأميركي” على مسار تصادمي

التهديد المتمثل في “الهيمنة المالية” ظل مسألة أكاديمية بالدرجة الأولى خلال العقود الماضية، على الأقل بالنسبة للاقتصادات المتقدمة. 

اعتاد الناس على أن قيادة دفة السياسات الاقتصادية قصيرة الأجل تضطلع بها البنوك المركزية والسياسة النقدية، وبشكل مستقل عن الحكومات، لتحقيق مهامها لضمان استقرار الأسعار، ولإلزام السياسة المالية بالتوافق معها لأغراض الاستقرار الاقتصادي. 

أثبت هذا الافتراض، الذي يمكن تسميته بـ”هيمنة السياسة النقدية”، فعاليته؛ إذ حافظ على انخفاض التضخم بتكلفة ضئيلة نسبياً، ولهذا السبب ترسّخ هذا الفهم.

لكن يبدو أن الولايات المتحدة في طريقها قريباً للتخلي عن هذا النموذج. بدأت تتبلور شروط تحقق الهيمنة المالية، حين تفقد البنوك المركزية قدرتها على السيطرة على التضخم بسبب ارتفاع الدين والعجز الحكومي.

التحدي الأكثر شيوعاً لهيمنة السياسة النقدية يظهر حين تتطلب مواجهة التضخم رفع أسعار الفائدة، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع البطالة.

على الرغم من أن استقرار الأسعار والتوظيف الكامل يحظيان بأهمية متساوية في المهمة المزدوجة لـ”الاحتياطي الفيدرالي”، فإن استقلالية العمليات تمنحه حرية المفاضلة بين الهدفين.

يُفترض أن “الفيدرالي” مستعد للنظر إلى ما هو أبعد من الأفق القصير، ما يجعله يعطي أولوية أكبر لاستقرار الأسعار في المستقبل مقارنةً بالسياسيين. وهذا الفهم يساعد في تثبيت توقعات التضخم قريباً من الهدف المحدد عند 2%.

استقلالية السياسة النقدية

فعالية هيمنة السياسة النقدية نابعة من استقلال البنك المركزي عن السياسة. وفي معظم الأوقات، يكون هذا الوضع جيداً.

عندما يكون الاقتصاد قوياً، وتستدعي الظروف تشديداً نقدياً معتدلاً (أو تخفيفاً أبطأ من المتوقع)، لا يسبب ذلك خللاً في المعادلة.

لكن حين تُضطر السلطات إلى تشديد السياسة النقدية في ظل ارتفاع معدلات البطالة، فإن المعادلة تتعطل. هذا السيناريو بات الآن احتمالاً واقعياً، حتى وإن لم يكن “الفيدرالي” يحب التفكير فيه.

إدارة ترمب، من خلال تصعيدها للحرب التجارية، تهدد بإحداث صدمة في جانب العرض ناجمة عن الرسوم الجمركية، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار والبطالة معاً.

سيتعين على البنك المركزي أن يقرر ما إذا كانت هذه الزيادة في الأسعار “مؤقتة”. وإن كانت كذلك، فقد يختار تجاهلها، وعدم تغيير السياسة النقدية؛ فرغم أن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى تآكل الدخول الحقيقية، فإن ذلك لا يستوجب زيادة إضافية في البطالة بسبب السياسة النقدية. 

أما إذا تسببت الصدمة التجارية في رفع توقعات التضخم على المدى الطويل، (تقرير جامعة ميشيغن” الأخير لا يدعو للاطمئنان) فإن تجاهل الأمر سيكون محفوفاً بالمخاطر. فالاحتمال المتمثل في حدوث ركود تضخمي، أي تضخم مستمر أعلى من المستهدف مع بطالة مرتفعة، سيجعل مهمة “الفيدرالي” شبه مستحيلة، كما سيُصعّب كثيراً الحفاظ على استقلاليته عن السياسة.

التهديد الثاني للسياسة النقدية

التهديد الثاني لهيمنة السياسة النقدية يظهر عندما يصبح الدين العام كبيراً إلى درجة لا يمكن للبنك المركزي تجاهلها.

فعندما يُثار التساؤل حول مدى استدامة الديون المتراكمة، يُضطر “الفيدرالي” إلى أخذ تداعيات قراراته بشأن أسعار الفائدة على العجز المتوقع والاستقرار المالي بعين الاعتبار.

فعلياً، قد يرتفع الدين إلى مستوى يمارس فيه نوعاً من “حق النقض” (الفيتو) على رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل. هنا يجد البنك المركزي نفسه مضطراً للقبول بتضخم أعلى لتقليل عبء الدين الحقيقي.

لا شك أن “الفيدرالي” يدرك جيداً مخاطر الدخول في دوامة التضخم المرتفع، وما يترتب عليه من ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، وبالتالي المزيد من الديون، وهو ما يعرف بالتضخم المفرط. لكن مع ذلك، قد يختار الخضوع، أو يُجبر على ذلك، على أمل أن يكون حلاً مؤقتاً قصير الأجل.

أصدر “مكتب الميزانية في الكونغرس” أخيراً توقعاته طويلة الأمد للدين العام، وكانت مقلقة للغاية. إذ يُتوقع أن تظل العجوزات في الميزانية عند 6% من الناتج المحلي الإجمالي أو أكثر إلى أجل غير مسمى، حتى مع افتراض استمرار التشغيل الكامل للاقتصاد.

ومن المنتظر أن تبلغ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 100% هذا العام، وتصل إلى نحو 118% بحلول 2035 (أي ضعف المتوسط بين عامي 1994 و2025)، ثم ترتفع إلى 136% في 2045، لتواصل ارتفاعها بعد ذلك.

وهذه الأرقام غير المستدامة أصلاً لا تأخذ في الحسبان التمديد المرتقب لقانون “تخفيضات الضرائب وفرص العمل” لعام 2017، والذي سيضيف قرابة 5 تريليونات دولار إلى الدين خلال العقد المقبل، فضلاً عن سلسلة من التخفيضات الضريبية الأخرى التي يبدو أن الإدارة وحلفاءها في الكونغرس يضعونها في الاعتبار.

باختصار، آفاق الميزانية تشير بوضوح إلى هيمنة مالية وشيكة.

ترمب.. تهديد لاستقلالية السياسة النقدية

أما التهديد الثالث والأخير، فهو أن الرئيس ترمب قد لا يؤمن أصلاً باستقلالية البنك المركزي، بل ربما يسعى لإنهائها. فالرغبة في فرض السيطرة على الوكالات المستقلة اسمياً تُعد أحد المحاور الرئيسية لولايته الثانية.

مع أن أغلب الناس يرون أن “الفيدرالي” يمثل حالة استثنائية، فإن ترمب ليس كأغلب الناس. مع استمرار التضخم أعلى من المتوقع حتى قبل دخول رسومه الجمركية حيّز التنفيذ الكامل، طالب مراراً بخفض أسعار الفائدة. من السهل تصور أن هذا الخلاف في الرأي قد يتطور إلى صراع مباشر على السيطرة.

قد يطلب ترمب من الكونغرس تعديل القانون لتغيير مهمة “الفيدرالي”، أو طريقة إدارته. وإن فشل في ذلك، يستطيع تعيين حلفائه في المقاعد الشاغرة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

أحد هذه المقاعد سيُتاح في يناير المقبل؛ وتنتهي ولاية جيروم باول كرئيس في مايو من العام المقبل. صرح باول إنه لن يستقيل إذا طلب ترمب منه ذلك، بينما قال ترمب إنه لن يحاول عزله. لكن القانون المنظم لهذه الأمور موضع خلاف. وقد يكون خوض معركة طويلة حول ما إذا كان البيت الأبيض يملك سلطة توجيه سياسة “الفيدرالي” أو لا، أمراً يستهوي الرئيس.

في واقع الأمر، فإن استقلالية البنك المركزي تعد استثناءً دستورياً، إذ يُفوّض قرارات مصيرية ذات أبعاد سياسية إلى جهة غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة بشكل كامل.

ورغم أن هذا “الاستثناء” أثبت فعاليته، إلا أنه لن يكون العامل الحاسم في المرحلة المقبلة. مع ركود تضخمي يلوح في الأفق، وديون عامة تتضخم، ورئيس عازم على فرض هيمنته السياسية، فإن العاصفة الشاملة تلوح في الأفق، والنتيجة المحتملة: هيمنة مالية مكتملة الأركان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *