بوتين يريد بيع مزيد من الغاز إلى أوروبا.. هل ينجح؟

يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واثق من أنه يمكن زيادة تدفق الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا إذا تم التوصل إلى اتفاق برعاية أميركية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت القارة مستعدة لقلب مسارها وإحياء تلك العلاقة.
صرح بوتين في مؤتمر صحفي في موسكو بتاريخ 13 مارس الحالي: “إذا اتفق، على سبيل المثال، الأميركيون والروس على التعاون في قطاع الطاقة، فيمكن ضمان خط أنابيب للغاز إلى أوروبا. وهذا سيكون مفيداً لأوروبا، لأنها ستحصل على الغاز الروسي الرخيص”.
لكن بينما يتكهن بعض التجار بزيادة الإمدادات الروسية، يتوقع الكثيرون أن تكون الكميات العائدة محدودة إن وجدت. يعمل الاتحاد الأوروبي على خطط، وإن تأخرت، لإنهاء اعتماده على الطاقة الروسية بحلول عام 2027.
لا تعد أي من الخيارات لزيادة تدفقات الغاز عبر الأنابيب سهلة. ربما أبسطها هو استئناف مستويات الغاز التي كانت تمر عبر أوكرانيا العام الماضي، والتي توقفت في نهاية ديسمبر الماضي. كانت هذه الكميات تلبي أقل من 5% من إجمالي طلب أوروبا على الغاز.
لماذا قد تفكر أوروبا في العودة إلى الغاز الروسي؟
الجانب “الرخيص” الذي ذكره بوتين قد يقنع بعض الدول في أوروبا بتجاوز قلقها الجيوسياسي. أحرز الاتحاد الأوروبي تقدماً كبيراً في تقليص اعتماده على الغاز الروسي بعد أكثر من 5 عقود من الاعتماد المفرط، لكن الضغوط السعرية المستمرة قد تختبر عزيمة التكتل الموحد.
ما يزال الأوروبيون يدفعون أكثر مقابل الحصول على الغاز بعد 3 سنوات من أسوأ أزمة طاقة شهدتها المنطقة في عقود. في أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، تأمل بعض القطاعات في عودة الإمدادات الروسية، مع تزايد تكاليف الطاقة التي تؤثر على قدرتها على المنافسة مع الشركات المصنعة في الخارج.
كما دفعت الدول في شرق أوروبا التي كانت تعتمد على تدفقات الغاز السوفيتية، ولا سيما سلوفاكيا، إلى العودة إلى إمدادات الغاز عبر الأنابيب الروسية.
إضافة إلى ذلك، أصبحت مخزونات الغاز مصدر قلق أكبر العام الجاري بعد شتاء قارس وانخفاض توليد الكهرباء من الرياح، ما جعل القارة تستهلك احتياطياتها بسرعة أكبر.
يواجه الاتحاد الأوروبي موسم تعبئة صعباً ومكلفاً قبل بداية الشتاء المقبل، وأي زيادة كبيرة في إمدادات الغاز في سوق مشدودة ستجلب راحة كبيرة مطلوبة من الجميع.
لماذا يشعر بوتين بالتفاؤل؟
يعود ذلك إلى احتمال تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وهو عامل أساسي في هذا السياق. يقول مسؤولون روس وأوروبيون إن الولايات المتحدة الأميركية تبحث عن سبل للتعاون مع الشركة عملاقة الغاز الروسي المملوكة للدولة “غازبروم” في مشاريع عالمية.
وفق أشخاص مطلعين على الأمر تحدثوا إلى “بلومبرغ نيوز”، فإن “غازبروم” تسعى لإقناع الولايات المتحدة الأميركية بالمساعدة في إعادة تشغيل خطوط أنابيب “نورد ستريم” التي تربط روسيا بألمانيا.
تملك “غازبروم” حصة الأغلبية في “نورد ستريم”، كما أنها المالك الوحيد لخط “نورد ستريم2″. بالنسبة لخط الأنابيب الأخير، فإن الشركة المشغلة القائمة عليه، وهي شركة تابعة لـ”غازبروم” مقرها سويسرا، تخضع حالياً لإجراءات الإفلاس.
أفادت تقارير بأن ستيفن لينش، المستثمر الأميركي الذي لديه خبرة في ممارسة الأعمال التجارية في روسيا، مهتم بالاستحواذ على الشركة المشغلة في حال تم إعلان إفلاسها، ما قد يمنح الولايات المتحدة الأميركية فعلياً حصة في المشروع.
كما أن تخفيف العقوبات قد يفتح الباب أمام زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال الروسي، بعدما سجلت أوروبا واردات قياسية منه العام الماضي.
لدى روسيا سعة إنتاجية فائضة، حيث لم يتمكن أحدث مشاريعها “أركتيك إل إن جي 2″، التابع لشركة “نوفاتك” (Novatek)، سوى من بدء شحنات تصدير محدودة في 2024، قبل أن تتوقف بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها.
حدت هذه القيود من إمكانية الوصول إلى ناقلات تعمل في مناطق الجليد الضرورية للإبحار في المياه الشمالية المتجمدة، وجعلت المشترين الأجانب مترددين في شراء الشحنات.
سبق وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن بعض العقوبات المفروضة على روسيا قد يتم رفعها كجزء من اتفاق سلام في أوكرانيا، لكن ما يزيد المشهد تعقيداً هو طموحه الخاص في بيع المزيد من الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا.
كم تشتري أوروبا من الغاز الروسي حالياً؟
قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت روسيا أكبر مزود للغاز إلى أوروبا، إذ كانت تلبي نحو 40% من احتياجات المنطقة، عبر عدة خطوط أنابيب تغذي أكثر من 20 دولة.
لكن هذه الحصة تراجعت إلى حوالي 14% خلال 2024، وفق وكالة الطاقة الدولية. تحول معظم المشترين الأوروبيين إلى مصادر بديلة بعد أن توقف التعامل مع الموردين الروس أو تم قطع العلاقات معهم، كما وجدوا طرقاً لتقليل استهلاكهم للغاز.
بعض الدول، مثل المملكة المتحدة ودول البلطيق وألمانيا، قررت وقف استيراد إمدادات الغاز الروسي بالكامل منذ 2022. رغم ذلك، ما تزال ألمانيا تتلقى كميات من الغاز عبر جيرانها الذين يشترون الغاز الطبيعي المسال من الشرق، بما في ذلك بلجيكا وفرنسا.
يعني استيراد أوروبا للغاز الطبيعي المسال الروسي أن روسيا ما تزال واحدة من المصادر الرئيسية للغاز في القارة. لكن في ما يتعلق بتدفقات الغاز عبر الأنابيب، فإن روسيا حالياً ترسل جزءاً بسيطاً مما كانت ترسله في السابق، إذ أن طريقاً واحداً فقط -جزء واحد من خط أنابيب ترك ستريم الذي يغذي المجر وصربيا وسلوفاكيا عبر تركيا وتحت البحر الأسود- ما يزال قيد التشغيل.
ما العوائق أمام عودة الغاز الروسي عبر الأنابيب إلى أوروبا؟
أولاً، يعمل الاتحاد الأوروبي على وضع خطة للحد من وارداته المتبقية من الطاقة الروسية بحلول 2027. رغم تأجيل نشر الوثيقة، أكدت المفوضية الأوروبية أن الاستراتيجية ما تزال قيد الإعداد.
إضافة إلى ذلك، جرى قطع العديد من الروابط بين أوروبا وموردي الغاز الروسي في السنوات الأخيرة، أو تدهورت. أنهى بعض أكبر وأقدم عملاء “غازبروم”، بما في ذلك شركة “يونيبر” (Uniper) الألمانية وشركة “أو إم في” (OMV) النمساوية، عقودهم طويلة الأجل لشراء الغاز بعد صدور أحكام من هيئات تحكيمية.
كما أن آخرين مثل شركة “إيني” في إيطاليا و”إنجي” (Engie) في فرنسا، لديهم دعاوى قضائية معلقة ضد الشركة الروسية، يطالبون فيها بالتعويض عن توقف الإمدادات خلال 2022. من المرجح أن يكونوا مترددين في استئناف عمليات الشراء قبل تسوية جميع المطالبات.
هناك أيضاً اختناقات في البنية التحتية. تعرض خطا “نورد ستريم” تحت البحر للتخريب خلال 2022، وما يزال الجناة مجهولين. أدت التفجيرات إلى تعطيل أحد خطوط “نورد ستريم2” أيضاً. رغم أن الخط الآخر ما يزال سليماً، إلا أن النظام لم يُعتمد للاستخدام من قبل ألمانيا.
كثيراً ما قال بوتين إن الخط السليم من “نورد ستريم2” جاهز لتوريد الغاز الروسي إلى أوروبا. وحتى في حال حدوث انقلاب غير مرجح في معارضة الحكومة الألمانية لهذا، فإن الخط سيحتاج أولاً إلى بعض أعمال الصيانة، إذ تم إجراء آخر الاختبارات الفنية قبل أكثر من 3 سنوات. وما يزال من غير الواضح كم من الوقت ستستغرق هذه الأعمال.
من الممكن استئناف التدفقات عبر شبكة أخرى، هي أنبوب “يامال-أوروبا” الذي يمتد عبر بولندا، بعد توقفه خلال 2022، لكن الحكومة البولندية ستحتاج إلى الموافقة على إعادة فتحه، وهي معارضة بشكل قاطع لاستقبال الغاز من روسيا.
في حال حدوث ذلك هناك احتمال استئناف نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا بعد انتهاء اتفاقية الخمس سنوات في نهاية العام الماضي. في حين أن هذا الخيار يمكن أن يكون مفيداً للطرفين -ما يعزز إيرادات “غازبروم” ويعيد إيرادات العبور لأوكرانيا- إلا أن المفاوضات بين الشركة العملاقة للغاز الروسي ونظيرتها الأوكرانية “نفتوغاز” (Naftogaz) كانت تاريخياً شاقة وطويلة.
هناك أيضاً حالة من الغموض بشأن مدى الضرر الذي لحق بشبكة الغاز في المنطقة بعد أن صعدت كل من روسيا وأوكرانيا جهودهما العسكرية مؤخراً، بما في ذلك في منطقة كورسكا الروسية، التي تضم نقطة عبور حدودية هامة كانت تستخدم لنقل الغاز العام الماضي.